آخر تحديث:15:29(بيروت)
الإثنين 18/05/2020
share

التهريب الحدودي: مصلحة سوريا الأسد دائماً وبحماية حزب الله

لوسي بارسخيان | الإثنين 18/05/2020
شارك المقال :
التهريب الحدودي: مصلحة سوريا الأسد دائماً وبحماية حزب الله الحل بمنطقة حدودية عازلة تسمح بتفكيك مافيات التهريب، ورفع الحصانة عنها (Getty)
يراقب بشير مطر، رئيس بلدية القاع - البلدة الواقعة عند أقصى حدود لبنان الشمالية الشرقية بمحاذاة بلدات القصر وحوش النبي سيد وسهلات الماء - ما ستؤول إليه "الهمروجة" الإعلامية الأخيرة التي أثيرت حول التهريب. فبعد عقود من رفع الصوت في القرى الحدودية، يأسف مطر لاستفحال هذه الظاهرة كثيراً في لبنان، وتركها تداعيات غير مسبوقة على الاقتصاد اللبناني عموماً، ولم تعد مقتصرة كالسابق على المواسم الزراعية، وعلى أسعار إنتاج لبنان من البيض والألبان والأجبان.

ذرائع حزب الله
فالمعنيون في لبنان استيقظوا فجأة، ليكتشفوا نزفاً كبيراً في الخزينة، تسببت به عمليات تهريب مادتي المازوت والقمح المدعومتين، إلى سوريا.. بعدما كانت معابر البقاع غير الشرعية، تستخدم سابقاً لتهريب المازوت في الاتجاه المعاكس، أي من سوريا إلى لبنان.

واليوم، كلما دار اللغط والسجال ودارت الاتهامات حول مسألة التهريب، تتجه الأنظار إلى حدود لبنان الشمالية والشرقية، إلى قرى وبلدات ومعابر كثيرة: زيتا، حاويك، الفاضلية، مطربا، مصيرية، الصفصافة، حمام، سيغمانية، وادي حنا، ربلة، السويدية، بجاجية، فاروقية، جنطلية، عين دمامة، أكروم، العصفورية، غوغران، بلوزة، السماقيات..  

وهذه كلها قرى لبنانية، تقع جغرافيا داخل الأراضي السورية، ولا يعرفها سوى من يقيم فيها من أبناء الطائفة الشيعية. وتنشط عبرها عمليات "تبادل السلع"، بحجة تلبية الاحتياجات المعيشية لسكانها اللبنانيين. وكان حزب الله استعملها حجة لتدخله العسكري في الثورة والحرب السوريتين. وهي تقع اليوم تحت سيطرة العشائر ومن يدور في فلكها. واضطر أهالي هذه القرى لمغادرة منازلهم في بداية "معركة النظام" مع شعبه في القصير، ليعودوا إليها بعد الحرب بحماية حزب الله،  الذي يفرض سيطرة أمنية مطلقة على المنطقة، فلا تسمح لـ"نملة" أن تتحرك من دون معرفته ورقابته العسكرية.

.. وسيطرته المشددة
ومن بلدات القصر وحوش السيد علي وسهلات الماء، يمكن الإشراف على كل عمليات التهريب عبر هذه القرى ومنطقتها، الواقعة تحت نفوذ حزب الله ورقابته المحكمة، وفي غياب أي نفوذ وسلطة لبنانيين رسميين. 

وعليه لا يمكن زيارة المنطقة من دون الاستعانة بالمقربين من حزب الله، أولئك الذين تتضمن مهمتهم الحرص الشديد على ألا يرى الزائر ويعلم أكثر مما يسمح الحزب إياه بمعرفته عن طبيعة الحركة الاقتصادية، الأمنية والعسكرية، في هذه المنطقة، حيث تدور عمليات التهريب بلا توقف.

يقترن نفوذ المهربين وحُماتهم الحزبيين في المنطقة، بتسهيلات يقدمها الجانب السوري. وهذا يتيح تبادل البضائع، بلا اعتراضات ومناوشات تعكر على المهربين صفو عملياتهم.  

وعلى رغم كل ما يحكى عن تواطؤ "مالي" بين المهربين وجيش الهجانة السوري هنا، يدرك الجميع أن سوريا، بسلطتها الرسمية، هي صاحبة القرار بوقف نشاط التهريب أو السماح به في المنطقة. وهي تتصرف حسب مقتضيات مصلحتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، وحلفها مع حزب الله.

مصلحة سوريا أولاً
ومع أن الجانب السوري لم يتوان عن استخدام المعابر غير الشرعية هناك لتأمين مصالحه منذ حوادث 1958، فإن دخول جيش سوريا إلى لبنان، أرسى تفلتاً كلياً لهذه المعابر غير الشرعية. وهي شرِّعت تماماً أمام البضائع التي تدخل لبنان وتخرج منه، من دون رسوم جمركية، ووفقا لما تقتضيه مصلحة سوريا أولاً.  

حتى في عمليات تهريب المازوت سابقاً من سوريا، نجحت السلطات السورية في وقف نزفها مرات كثيرة، لأسباب مختلفة، وأحيانا لتشديد عقابها على اللبنانيين.  

ففي سنة 2011، عاش لبنان أزمة شحٍّ كبيرة بمادة المازوت، عندما رفعت  وزارة الطاقة اللبنانية الدعم عن صفيحة المازوت بحجة الحد من احتكارها من قبل محطات الوقود. وغض البعض النظر عن ذاك الإجراء، بسبب انعكاسه غير المباشر على سعر المازوت المهرب من سوريا، والذي حقق بيعه في لبنان أرباحاً خيالية للمهربين، إلى أن قررت سوريا التشدّد في مكافحة عمليات التهريب، ففرغت السوق كلياً من المازوت.  

في المقابل تكشف مقارنة بسيطة بين ما آلت إليه أوضاع  الهرمل وتلك التي شهدتها عرسال إثر أحداث الجرود، عن التواطؤ السياسي على طرفي الحدود، والذي يصب مجددا في مصلحة النظام السوري ومن يدور في فلكه.

حصار عرسال لصالح الهرمل
فقبل العام 2005 كان تبادل السلع عبر معابر عرسال غير الشرعية يشكل 30 في المئة من "مدخول" البلدة. لكن عرسال سرعان ما عوقبت بسبب إيوائها اللاجئين السوريين، وموقفها المناصر للشعب السوري. لذا فرض الجانب السوري طوقاً أمنياً مشدداً على منافذ عرسال غير الشرعية، وقيد حركة التهريب فيها، لتتحول هذه الحركة إلى  قرى الهرمل الحدودية.

في المقابل لم تلتفت السلطات اللبنانية إلى صرخات "الوجع" التي أطلقتها القطاعات المتضررة من عمليات التهريب السابقة، ولحماية الاقتصاد اللبناني الذي تتعرض سلعه إلى مضاربة ضارية من تسرب المواد والسلع السورية إلى الأسواق اللبنانية. وكانت الذريعة دائماً أن معابر التهريب الحدودية تمتد في منطقة جبلية واسعة، وتتداخل فيها الحدود غير المرسّمة بين لبنان وسوريا. وهذا ما يضع أجهزة الرقابة في لعبة "القطط والفئران" مع المهربين، على ما وُصف الحال سنة 2017، خلال زيارة قيادات جمركية لبنانية إلى المنطقة.

عراضات إعلامية دائمة
قبل هذا التاريخ وبعده، لم يتخط الحديث عن عمليات ضبط الحدود، منطق "العراضات الإعلامية" التي تقوم بها الجهات المعنية بحماية هذه الحدود، ومكافحة عمليات التهريب. وهذا يُظهر أن المصلحة الاقتصادية اللبنانية لم تكن يوماً في حسبان الحكومات المتعاقبة، في حديثها عن إقفال المعابر غير الشرعية. بل كانت أهدافها سياسية دائماً، حتى من أولئك الذين طالبوا بترسيم هذه الحدود وتحديدها، وتحدثوا عن الاستعانة بقوات دولية، وشجعوا تثبيت مراكز مراقبة عسكرية، بالتعاون مع الجهات الأجنبية.

أما مسألة تهريب البضائع، فأقحمت لعقود في الجدال والمماحكات السياسية التي ضاعت فيها المسؤوليات، وأصبح التهريب جزءاً من المعضلة الكبرى في معالجة أزمة شح الدولار في لبنان، وبات على كل لبناني أن يتحمل تداعيات هذا النزف الاقتصادي اللبناني.

الحل: منطقة عازلة
أيقظت "الهمروجة" الإعلامية الأخيرة أجهزة الرقابة الحدودية مجدداً، فسارعت في الأيام الماضية إلى مصادرة بعض شاحنات نقل المازوت وحجزها، قبل وصولها إلى البقاع. وهذا ما نجمت عنه أصداء غير إيجابية في منطقة بعلبك الهرمل، خصوصاً أن عشوائية الإجراء الذي جاء كرد فعل غير مدروس، يحرم المنطقة من مادة المازوت الأساسية في تشغيل مضخات الري الزراعية هناك.

والمطلوب وفقاً للمعنيين، مراقبة مسار هذه المادة، بدءاً من تسليمها إلى موزعيها، بناء لدراسة شاملة تحدد كميات المازوت التي تحتاجها المنطقة، سواء لأغراض منزلية أو لاستخداماتها زراعياً، مع بناء شبكة معلومات أمنية واسعة، تمنع تسرب كميات إضافية من المازوت. هذا إذا كانت السلطة السياسية جادة فعلاً في منع تهريب هذه المادة إلى سوريا.

والمطلوب حسب العالمين بطبيعة الحدود والمعابر غير الشرعية في المنطقة، هو تقييد حركة التهريب في هذه المنطقة. وهذا برأيهم يتخطى الخطط الأمنية "غير المعلنة"، التي أوصى بها اجتماع مجلس الدفاع الأعلى، إلى الحاجة إلى قرار سياسي أولاً، يتيح خلق منطقة عازلة تحمي الحدود اللبنانية، أيا كان منطق النفوذ السياسي المسيطر عليها، وتسمح بتفكيك مافيات التهريب، وترفع الحصانة عنها.

ويرى المتخوفون من تداعيات "فلتان" المعابر "الوعرة" بين لبنان وسوريا، أن بقاء القرار "الاستراتيجي"، الاقتصادي والأمني والسياسي، في يد "قوى الأمر الواقع" في هذه المنطقة، أقحم ويقحم لبنان بأزمات كبيرة، يدفع ثمنها اللبنانيون، ويستفيد منها بضعة أشخاص أو جماعة واحدة محددة.

المافيا والحزب وجمهوره
وفي هذا الإطار يتساءل بشير مطر: كيف يمكن أن تتصرف القوى السياسية المسيطرة أمنياً على الجهة اللبنانية من الحدود (أي حزب الله)، لو لم يكن النظام السوري هو المسيطر على الجهة المقابلة من الحدود، بل المعارضة السورية؟! وفي هذه الحال ألن يستشرس حزب الله لمنع دخول أو خروج، ولو حبة قمح، إلى الجهة المقابلة؟!

تخلص هذه الجدلية - برأي المعنيين - إلى نتيجة واحدة: حزب الله هو من يملك قرار تسهيل مهمة "الدولة" أو عرقلتها، منع أو السماح بتسرب مقدرات لبنان إلى سوريا. ويظل السؤال الذي يطرح في هذا السياق: حزب الله الذي ورط جمهوره بمعارك سوريا الداخلية، هل يجرؤ على رفع الحصانة عن شبكة المستفيدين من تجارة التهريب الحدودية غير الشرعية، من دون أن يحسب حساباً لارتدادات مثل هذه الخطوة في بيئته؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها