آخر تحديث:00:05(بيروت)
الثلاثاء 07/04/2020
share

تهاوي أخلاقيات الرأسمالية

أحمد جابر | الثلاثاء 07/04/2020
شارك المقال :
تهاوي أخلاقيات الرأسمالية في مواجهة الوباء الذي صار أممياً، انشغلت كل "أمة" بأحوالها (Getty)

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، خرج مبشرون نظروا لنهاية التاريخ، وصدرت كتابات أدانت الفكرة الإشتراكية، بعد أن جعلت المصير السوفياتي، حصيلة حتمية، ومآلاً أخيراً ينتظر كل تجربة اشتراكية لاحقة. كانت حقبة التسعينيات من القرن الماضي،  لحظة انتصار سارعت إلى توظيفه "المنظومة" الأميركية أولاً، ثم أخذته إلى أمركة سياسية دولية أزاحت الستار عن عناصر عديدة من لا أخلاقية الرأسمالية.. وكانت الحقبة ذاتها لحظة انكسار ظنها بعض من "أهلها" أنها بداية انتصار، ليتبيّن بعد سنوات قليلة، أن كسر مسار الدعوة الاشتراكية كان كسراً مؤقتاً للمسار الاجتماعي الذي عارض الرأسمالية في أسسها الأخلاقية والاقتصادية، وأن نصر المركز الرأسمالي كان نصراً مؤقتاً، لم تتأخر العدوانية "الربحية" عن المسارعة لاستثماره استثماراً متوحشاً، من خلال الآلة العسكرية، ومن خلال التلاعب بالاقتصاد الدولي وبالبيئة العالمية، وبالعلاقات التجارية والسياسات المالية. لقد أعاد الاستثمار هذا الاعتبار إلى مبدأ النظرات الإشتراكية بسبب من "عشوائية" نظراته، واكتشف من صفق للانتصار الرأسمالي الحر، أن الحرية المتاحة رأسمالياً، هي "حرية أن تموت جوعاً" حسب القول الماضي هذا، أو أن تخضع للإفقار الذي يلامس حد الموت، حسب محصلة السياسات الرأسمالية التي أسقطت مقولات "العقل الرأسمالي" ذاته، مع ما حملته نظرياته من وعود أخلاقية وإنسانية. لقد كان من شأن جلاء الصورة الواقعية العالمية، أن يعيد مسألة التناقض والصراع الاجتماعي إلى قلب النقاش، وأن يطرح على المشتغلين بالنظريات الاجتماعية وسياساتها مهمات قراءة مضامين الصراع وتناقضاته قراءة راهنة متحررة من وعود الاشتراكية المقولبة والمنمطة والمنمذجة، ومتحررة في ذات اللحظة من أوهام الحرية والفردية والإنسانية ...المعروضة كبضاعة رأسمالية مزورة ومغشوشة.

هل طورت الرأسمالية نفسها؟
الرأسمالية تطور نفسها، موضوع تناوله كثيرون، وقيل في تطوير الرأسمالية لمنظومتها العامة الكثير. تناول مسألة التطوير الذاتي جاء كردٍ مباشر على النظرة الماركسية التي وضعت للنمط الرأسمالي حدوداً، فجعلته يحمل بذور فنائه في ذاته، تأسيساً على نظرية تعاقب "المراحل التاريخية"، وبالاستعانة بالتناقض وأطرافه ونفي النفي الذي يكمن في طياته. لقد قدمت المطالعة اللينينية حول الإمبريالية كمرحلة أعلى في الرأسمالية، مادة إضافية لمن اعتنى بالنظر في أحوال الرأسمالية، وشكلت المبالغة السوفياتية مادة واقعية للدحض خاصة بعدما روج "السوفيات" لقرب بلوغ المرحلة الشيوعية، فكان أن انهار الاتحاد السوفياتي في ذات الموعد الذي كان قد ضربه منظروه للانتقال إلى "المجتمع الشيوعي".


قيل، وفي القول جوانب من صواب، إن الذين قالوا ببلوغ الرأسمالية مرحلة لا تستطيع تخطيها، اعتمدوا في ذلك على تحليل الجانب الإنتاجي فقط، فكان أن دحضت الآليات الإنتاجية هذا الرأي، وعلى صعيد إنتاجي أيضاً. في السياق، قام الرأي الذي شرح التطوير الذاتي الرأسمالي على العملية الإنتاجية أيضاً، فأهمل الجوانب الأخرى من المنظومة الرأسمالية. نحن إذن في إزاء خطأ نظري مشترك، ومن موقعين مختلفين في النظر إلى الرأسمالية، موقع النظرة الحتمية "الزوالية"، وموقع النظرة الحتمية "البقائية" المتجددة باستمرار. النظرتان السالفتان لم تتوقفا أمام بعض التحديدات التي أوردها عدد من الكتاب حول فهمهم للرأسمالية. من تلك التحديدات التعريفية، الدعوة إلى عدم تفسير الرأسمالية بالعوامل المادية فقط، هذا لأنها تمثل نظاما من قيم ثقافية وروحية وأخلاقية، وهي بحسب الدعوة "الشاملة" تلك، ليست حلبة صراع مفتوح للمصالح، من دون أخلاق، ولذلك فإن مضمون المنظومة تلك يرفض سلوكات السلب والنهب، ويسخر قدرة الإبداع الإنسانية لخدمة البشرية.. هذا كلام رأسمالي "بدئي" واضح عن الرأسمالية، فماذا لو طرح سؤال الآن: هل طورت الرأسمالية ذاتها حقاً، بالنظر إلى ما قدمته هي من تعريف لهذه الذات؟ الجواب سيكون مقيداً بقيد الوقائع المادية التي دحضت الإعلان الرأسمالي الأخلاقي والإنساني، في حين أن الوقائع المادية ذاتها، ستفتح الميدان الفسيح أمام كل المساهمات التي تقول بتراجع الرأسمالية عن وعودها، وأن هذه الوعود النظرية، ليست واقعية، بل هي من النمط الذي ينتمي إلى طوباوية معينة، تلتقي في مواضيع عديدة مع الطوباوية الإشتراكية.

الوباء الرأسمالي
كمرجعية واقعية، قدم فيروس "كورونا" الأممي، دليلاً مباشراً عن الرأسمالية التي طورت انحدارها ولم تطور ارتقائها، فالوباء،  كما تذكر كتابات رصينة عديدة، رد من الطبيعة على الإمعان البشري في سياسات تجريد كل طبيعي من طبيعيته، هذا في الجانب الوضعي الأشيائي، أما في الجانب الإنساني والأخلاقي، فقد بان وبوضوح، أن الفردية التي أعلت الحرية الرأسمالية من شأنها، نحت منحى الانفراد الذي يلامس الانعزال. بالملموس، وفي مواجهة الوباء الذي صار أممياً، انشغلت كل "أمة" بأحوالها، هنا صارت الذات المفردة الواحدة، ذات أمة قومية واحدة، زاد العدد وتباعدت المجموعة، أو تفككت، وفجأة أفاق أبناء القرية الكونية على واقع أنهم سكان قرى عالمية مختلفة.


في سياق التفكك والانفكاك عن موجبات العقد الكوني، لم يجد الاتحاد الأوروبي مثلاً، ما يقدمه كنجدة "للشريك" الإيطالي في محنته، وكان جواب بعض الشركاء صادماً، حين قالوا إن ما لديهم من قدرات سيوظف في "الغرف" الخاصة بكل فرد من سكان البيت المشترك.

الولايات المتحدة الأميركية استعرضت قوتها النقدية التريليونية، وحرصت على أن تظهر بمظهر "الكائن" المتفوق، كتعبير، وبلغة مجازية، عن جملة البقاء للأقوى، وكاستعادة لرمزية نظرية القطيع التي جرت على لسان المسؤول البريطاني.


ولأن الرأسمالية مركز وأطراف، فقد ظهر جلياً أن الممارسة الطرفية الإعتزالية تشكل فرعاً من فروع جذع عام. في هذا المضمار تساوى أبناء البيت "الديمقراطي" الغربي عموماً، مع أبناء الأمة الإسلامية، ومع الأشقاء في الأمة العربية، فكانت الشاشات واجهة عرض لفائض الوفرة والفائض في مكان، ولعرض حال الندرة والحاجة في أمكنة متفرقة.. إذن، أين وكيف طور النموذج الرأسمالي ذاته أخلاقياً؟ لنا أن نقرر واقع تعاظم التوحش الرأسمالي الذي توسعت آليات نهبه بعد زوال الضد الاشتراكي، ولنا أن نستخلص أن سياسة تركيز الثروة والسلطة أفلتت من عقالها بعد أن أزيح من عالم السياسة قطب دولي رفع شعار "العدالة الإجتماعية"، كبديل تاريخي لتاريخ الاستغلال الذي أخضعت لآليات إذلاله، جموع وأجيال بشرية متعاقبة.

البديل الأممي الآخر
القسمة العالمية عادت لتتخذ مظاهر اجتماعية واستقطابية واضحة المعالم. هناك اليوم، كما بالأمس، عملية استغلال واسعة، وهناك من يستفيد من الاستغلال فيخضع الباقين لضرورات استغلاله. وكما في الماضي، تشكلت منظومات نظرية روجت لمقولات ارتدت رداء الإنسانية والحرية والقيمة الفردية.. هذه المنظومات هي اليوم في موقع الإدانة، ولنقل إنها تقادمت وبات زوالها شرطا من شروط تقدم العملية الإنسانية التاريخية.

من التعسف الإدلاء بكلام يشرح مقومات البديل التاريخي للنموذج الذي تقادم تاريخياً، فما بات قديما في الاجتماع، ما زال مستمرا في السياسة، بسبب من رسوخ سلطته، وبسبب من عدم تبلور بدائله. الانتظار والمواكبة سمتان للمرحلة العالمية الحالية. انتظار اكتمال "نمو النبتة" ليصار إلى دراسة خصائصها، والمواكبة من أجل مراكمة وعي متدرج بمسارها وبمصيرها، وهذا مما يشكل نهجا سليما في متابعة العملية الاجتماعية، التي تتطلب متابعة تحليلها وتفسيرها، وواجب الانخراط في مهمات تغييرها.

لن يسدل الستار على مقولة شمال وجنوب. سيظل الصوت الأعلى وبتصرف: يا كل المقهورين بالنهب والحرب والاستلاب.. توحدوا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها