آخر تحديث:17:57(بيروت)
الخميس 30/04/2020
share

حرب الميليشيات لاحتلال مصرف لبنان والاتصالات والطاقة

مارك ضو | الخميس 30/04/2020
شارك المقال :
حرب الميليشيات لاحتلال مصرف لبنان والاتصالات والطاقة "أم المعارك" هي القطاع المصرفي، ونقطته الاستراتيجية هي مصرف لبنان (الأرشيف، علي علّوش)

حرب السيطرة على الموارد الاقتصادية للدولة انطلقت على أوسع نطاق. فبسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية في لبنان، والأزمة المالية في العالم الناتجة عن فيروس كورونا، أصبحت السيطرة على الموارد المالية للدولة اللبنانية مسألة حياة أو موت للكثير من القوى السياسية. وفي هذه المعركة، الكل يقاتل للبقاء. أحزاب السلطة الحالية بتلاوينها المتعددة 14 و 8 اذار تطلق العنان لعقليتها الميليشياوية، وتحارب لاحتلال مفاتيح القرارات المالية والاقتصادية وفرض خوات على بعضهم البعض.

حزب الله والاتصالات
ثلاث جبهات فُتحت في الأسبوع الفائت والوتيرة تتصاعد. حزب الله عبر لجنة الاتصالات، وضغوطه على الوزير طلال الحواط، نجح في إنهاء حضور القطاع الخاص في إدارة شبكات الخليوي. إذ أعلن الوزير عن خطوات "لاستعادة القطاع". أي تصبح الإدارة مباشرة من وزارة الاتصالات ما يعني موظفي فئة أولى وثانية، وتعيين موظفين داخل الشركات، يكون ولاؤهم صريحاً وعلنياً للأحزاب المسيطرة على الوزارة. وكما في كل المؤسسات العامة، ستصبح الإدارات موزعة بكوتا طائفية سياسية حزبية. وقد تتعطل بسبب عدم الاتفاق على الحصص، كما حدث في التشكيلات القضائية أو تعيينات مصرف لبنان. لكن لبّ الموضوع هو أن قطاعاً حجمه مليارات الدولارات، ومدخوله الصافي للخزينة حوالى المليار الدولار، وهو ثالث أكبر دخل للخزينة، أصبح أداة مطواعة في يد حزب الله. ولم يتردد في إعلان ذلك النائب حسين الحاج حسن، رئيس لجنة الاتصالات النيابية. إذ أعلن أن حزب الله بصدد الانتهاء من وضع رؤية متكاملة لقطاع الاتصالات في لبنان. ويبدو أن التيار الوطني الحر وحزب الله بتنسيق كامل على هذه الجبهة. ويهلل لهما حلفائهما من طراز النائب فيصل كرامي ووئام وهاب. فالكل يعلم أن خسارة تيار المستقبل وحركة أمل وأصدقائهما إمساكهم بقطاع الاتصالات سيسمح لحزب الله والتيار الوطني بتوزيع الهدايا مما انتزع من يد القوى الأخرى.

العونيون والفيول
الجبهة الثانية تكفل بها التيار الوطني الحر، وهي جبهة السيطرة على قطاع استيراد المحروقات والفيول. إذ بحركة مفاجئة تقدم بدعوى قضائية المحامي وديع عقل، من التيار الوطني الحر، المعروف بقربه من النائب جبران باسيل. ومباشرة تحركت المدعية العامة غادة عون، المعروفة بميولها العونية، بدعوى اتهامية تتعلق بشحنة الفيول غير المطابق لمواصفات شركة كهرباء لبنان. الاتهام وجه ليضرب منشآت النفط بشكل أساسي، برئيسها سركيس حليس المقرب من النائب فرنجية والعاملين معه. كما تتهم الدعوى شركة الاخوين رحمه ZR Energy  المتمولين أصحاب المليارات، ومعهم شركة سنواتراك الشركة الوطنية الجزائرية. مع العلم أن عقود استيراد الفيول هي مباشرة ما بين الدولة اللبنانية والدولة الجزائرية، وليست عقوداً ما بين شركات خاصة مع الدولة اللبنانية. والسخرية المطلقة، هي أن التيار الوطني الحر عمل مع كل من المتهمين لأكثر من عشر سنوات بتنسيق كامل في وزارة الطاقة. والفضيحة الكبرى هي أن  الاتهامات بالفساد لم تستدعِ ولا أي وزير من وزراء التيار الوطني الحر الذين أشرفوا على عمل مدير منشآت النفط، ومنهم من فتح الظروف بيده وأعلن على الشاشات فوز ZR Energey بعدد كبير من العقود، آخرها ما قيل إنه إنجاز العصر باستيراد البنزين لصالح منشآت النفط، عبر شركة الأخوين رحمة.

فما الذي حدث ليصبح شريك الأمس متهماً بالفساد والتزوير؟ الإجابة بسيطة، عقود استيراد الفيول لشركة الكهرباء تدر أرباحاً كبيرة، والأحزاب المسيطرة تريد تلك الأموال لصالحها، وتلك العقود ستُجدد بعد ستة أشهر. فهذا الاستعراض القانوني ما هو سوى "تحريك ملفات" للاستحواذ على حصص أكبر، ومناسبة لضرب مصالح فرنجيه، لأنه عارض تعيينات مصرف لبنان بوجه الوزير جبران باسيل. فأتاه الرد من التيار الوطني الحر مباشرة بالادعاء على سركيس حليس المحسوب على فرنجيه. أما الأخوين رحمه، "منقذو الشعب اللبناني من كارتيل النفط"، كما أوحت الوزيرة ندى البستاني خلال استعراضها موضوع استيراد البنزين، فالمطلوب تطويعهما وإقصائهما عن التعامل مع قوى سياسية أخرى، خصوصاً القوات اللبنانية، واستمرارهما بتمويل المؤسسات العامة في بشري، من مستشفى وحصص غذائية وغيرها. اتهامها واستدعائهما للتحقيق، ثم إصدار مذكرة بحث وتحري بحقهما.. كله، خلال 24 ساعة، ليس دليل فعالية القضاء اللبناني بل انتقائية فاجرة، لأهداف سيطرة سياسية مالية. لكن هذه المعركة تبدو بسيطة مقارنة بالمعركة الأساسية، وهي السيطرة على مصرف لبنان. ومنه على القطاع المصرفي.

الحليفان والقطاع المصرفي
"أم المعارك" هي القطاع المصرفي، ونقطته الاستراتيجية هي مصرف لبنان. بعد أن هدأت ثورة تشرين وتراجع خطرها، ومع تشكل حكومة حسان دياب تحت عباءة حزب الله والتيار الوطني الحر، ومع تزايد الحاجة المالية، بسبب ضعف الدعم الإيراني وانهيار الاقتصاد المحلي، أصبحت الأجواء مؤاتية لفتح المواجهة المصرفية الضارية.

المعركة بدأت بطرح التعيينات في مصرف لبنان، ثم تصاعدت بهجوم مركز على حاكم المصرف، توّجه رئيس الحكومة ببيان من بعبدا، ما لبث أن تبعته تسريبات عن قرار بإقالة حاكم المصرف، ثم بعض المقالات عن ثروة الحاكم، وعشيقاته، وهجوم على شركة طيران الشرق الأوسط، وكل ما يمكن لاغتياله معنوياً. والأرجح، أن الحاكم ليس براء من أي من تلك الاتهامات. لكن إظهارها وتكثيفها، ومن ثم الاعتماد على "تابع"، برتبة رئيس حكومة، للتصفية العلنية من على منبر القصر الجمهوري، هو قصف سياسي انتقامي بامتياز. والحاكم تصدى للهجوم بضرب مصالح حزب الله، عندما أصدر تعميماً يلزم مقدمي خدمات تحويل الأموال بالتسديد بالليرة اللبنانية فقط، وحصر الدولار بحلفائه المصارف. وهذا يستهدف مباشرة سيولة حزب الله وقدرته في الحصول على الدولارات، كونه خارج النظام المصرفي.

اللبنانيون والمافيا
نهاية الأمر، من يريد حقاً أن يبني دولة ومؤسسات، لكان أطلق خطة إصلاحية شاملة، ثم فتح المعارك الإصلاحية، بناء على خطة تكسب تأييد الشعب اللبناني بشفافية ووضوح، بدل انتقائية واضحة في تصفية بعض المواقع والابتزاز لانتزاع مكتسبات وخوات سياسية بالقوة والعنف والتهديد.

الحاكم والمصارف ومعهم أحزاب المستقبل والاشتراكي وحركة أمل والمردة والتيار الوطني الحر كانوا في رأس الهرم للمنظومة المافيوية الميليشياوية الحاكمة، ومع تبدل الأوضاع الاقتصادية الداخلية والخارجية وضعف الدعم الدولي وتراجع الثورة، بدأت جولة التصفيات الداخلية ما بين كل قوى السلطة، البعض يدافع والآخر يهجم. وحزب الله ومعه حليفه التيار الوطني الحر رأوا بعد نجاحهما بإيصال حكومة حسان دياب، فرصة لتحسين مواقعهما ضمن المنظومة، لزيادة حصصهما وترأسهما الهرم. فكانت الهجمات المتتالية على أكبر القطاعات الاقتصادية، الفيول وشركة الكهرباء، البنزين والمنشآت، شركات الخليوي، المصارف، مصرف لبنان، طيران الشرق الأوسط والحبل على الجرار.

صراع السيطرة على منظومة الفساد دائرة ما بين ميليشيات طائفية مافيوية، والثمن سيدفعه المواطن اللبناني، إلا إذا استعاد ثورته وانقض عليهم بخطة انقاذية وقدرات تنظيمية فعالة، لصد هجومهم، وإسقاط حكومتهم، وإعادتهم إلى أوكارهم، كما في بداية الثورة، تحضيراً للامساك بالسلطة المحررة من الميليشيات والمافيات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها