آخر تحديث:00:01(بيروت)
الخميس 02/04/2020
share

كورونا يحجر اللبنانيين ويحرر السياسيين.. ويثلج صدورهم

نبيلة غصين | الخميس 02/04/2020
شارك المقال :
كورونا يحجر اللبنانيين ويحرر السياسيين.. ويثلج صدورهم أعاد الوباء القاتل بث الروح في نهج السياسيين والأحزاب (Getty)
قبل شهرين، فقط شهرين على بدء أزمة كورونا، كان لبنان بأكمله في حال انهيار اقتصادي ومالي ولم يحرك أحد من المسؤولين ساكناً. بل اختفوا تماماً من المشهد السياسي والإعلامي العام.

وفي الأثناء بحّت أصوات مدراء المستشفيات، وهم يحذرون من نقص المعدات الطبية. وكان موظفو مستشفى رفيق الحريري - وهم اليوم حراس أمن البلاد الصحي - ولا يزالون يعملون في السخرة. وعلى مدى سنوات حصد الفساد والإهمال على أبواب المستشفيات أرواح فقراء كثيرين، ربما أكثر من ضحايا الوباء حتى اليوم. ولطالما كان كبار السن المتقاعدين عرضةً للذل والمهانة، في حال مرضهم، فلم يسعَ أحد من النواب أو الوزراء للضغط لإقرار ضمان شيخوخةٍ تحميهم من المذلة.

سياسيو الذل
صرخات ناس كثيرين كانت وما زالت ترتفع طالبين المساعدة في ظل الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتلاحقة التي تعصف بلبنان. لكن أزمة كورونا الأخيرة وحدها حركت القوى السياسية التي أخذت تتنافس على حجز مكان دعائي لحملاتها "الخيرية". والسياسيون انطلقوا لتقديم التبرعات للمستشفيات وللطاقم الطبي. والتبرعات والمساعدات هذه ما هي اليوم إلا مساحيق لترميم صور السياسيين والقوى السياسية، بعدما كادت انتفاضة 17 تشرين تحطمها وتجرد أصحابها من مصداقيتهم.

كأن فيروس كورونا قدم أكبر خدمةٍ للسياسيين الذين تمكنوا بفضله من استعادة مجدٍ كاد يهتز. فبعدما تمكن كثيرون من الخروج على ولاءاتهم للزعامات، وتحطيم تابوهات انتماءاتهم السياسية، جاء كورونا منقذاً للسياسيين والزعماء.

وقبل شهرين كان شباب الانتفاضة يفرضون حجراً سياسياً وأخلاقياً على السياسيين والنواب. كانوا يلاحقونهم ويمنعونهم من الخروج في العلنية العامة.

كان يكفي أن يغرد أحدهم محدداً مكان وجود هذا النائب أو ذاك، حتى تتناقل الخبر جيوش التواصل الاجتماعي، وتتداعى مجموعات للنزول إلى الشارع ومحاصرة النائب في مكان وجوده وتعريضه للتشهير، وإعادته إلى حجره من جديد.

اليوم استطاع كورونا حجر المواطنين والمتظاهرين في منازلهم، وحررالسياسيين الذين اقتنصوا رعب الناس وعزلتهم، ليعودوا إلى الظهور كمخلصين من العوز والشح في المستلزمات الطبية.

حزب الله - أمل
أعاد الوباء القاتل بث الروح في نهج السياسيين. فهو أطلق أجهزة الأحزاب الصحية والاجتماعية وللمساعدات "الإنسانية"، بعدما كانت في عطالة مزمنة، فأخذت تظهر تفانيها وحرصها على المواطنين.

ومن الحوادت التي تشير إلى ذلك الحرص الذي تجلى في استنفار الأحزاب، حرصاً على صحة أهالي القرى الجنوبية، ما حدث لمايا التي اختارت أن تمضي فترة الحجر في قريتها الجنوبية. هي تمارس رياضة المشي. فواظبت عليها في الجنوب. وفيما كانت تمارس رياضتها الصباحية، تجاوزت حدود قريتها، ودخلت قرية أخرى، فما كان من إحدى "سيارات المراقبة" إلاّ أن لحقت بها. راح سائقها يوجه لها الأسئلة ويحقق معها من دون أن يعرّف عن نفسه. ووصل به الأمر إلى اتهامها بدخول القرية لنقل عدوى كورونا لأهاليها. ولم تنته المسألة إلاّ بعد استدعاء شهودٍ من أبناء قريتها للإفراج عنها.

ويستنفر حزب الله مؤسساته الصحية والطبية والخدماتية للإعالة والإعاشة. ويدعو المؤسسات الإعلامية والصحافية إلى جولةٍ لتشهد على استعداداته وإمكاناته في مواجهة كورونا. بل هو  يستنفر أجهزته كلها، وجمهوره أيضاً، ليمحو محواً كاملاً وتاماً أصواتاً خرجت من عباءته في الأمس القريب ثائرة على قبوله بالفساد السياسي والاقتصادي والمالي.
وحركة أمل تتهيأ لاستقبال اللبنانيين الذين سيعودون من الخارج، وجهزت 7 مراكز في الجنوب لمواجهة كورونا.

زراعة اشتراكية
الجهات والتيارات الحزبية أصابها كورونا بالحيوية والحركة. وبما أن المسافة بين أجهزة الأحزاب وأجهزة الدولة واهية، إن لم تكن معدومة، أوعزت الأحزاب إياها للهيئات الرسمية التي سارعت إلى تجهيز المستشفيات الحكومية التي كانت مقفلة مهملة، بسبب مناكفات الأحزاب وخلافاتها على تقاسم إداراتها والتوظيف فيها.

وبادر الحزب التقدمي الاشتراكي إلى استنفار منتسبيه لمساعدة الأهالي في مناطقه: توزيع حصص عينية غذائية، تشجيع أهالي الشوف على الزراعة، وتقديم آليات زراعية (تراكتور وحصادة)، وتوزيع الحبوب لزراعة الأراضي تحسباً للأزمة المعيشية. وقد أوعز الحزب الاشتراكي إلى البلديات لإعفاء الأهالي من اشتراكات المولدات الكهربائية.

كورونا يقلب الأدوار
هكذا تستعيد الأحزاب تموضعها في مناطق سيطرتها. وعاد النواب لتلميع صورهم لدى ناخبيهم.

فمنذ يومين تصدى "ثوار" حلبا - المنطقة الرازحة تحت خط الفقر منذ سنوات - لنواب المنطقة الذين تداعوا إلى تشكيل خلية أزمة لإدارة الأمور في المنطقة، محاولين استعمال أموال البلديات وتجييرها لصالح حملتهم الدعائية في توزيع المساعدات والحصص الغذائية.

وعاد السياسيون للظهور بكثافة على الشاشات التلفزيونية. بعضهم راح يتبرع بفتات ثروته، لشعبٍ أمعن السياسيون وأحزابهم في سرقته وإذلاله.

أعاد الوباء حياة السياسيين والأحزاب إلى طبيعتها. عادوا إلى ممارساتهم إياها. كأنما انتفاضة 17 تشرين، التي مرت كحلم على جمهورها وككابوس على جمهور الأحزاب وسياسييها، قلب كورونا أدوارها.

فكورونا الذي زرع الخوف في قلوب الشعوب جميعاً، أثلج قلوب سياسيي لبنان.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها