آخر تحديث:00:03(بيروت)
الثلاثاء 31/03/2020
share

لا تصفيق إلا للمرشد الأعلى وعامله في القصر الجمهوري

محمد أبي سمرا | الثلاثاء 31/03/2020
شارك المقال :
لا تصفيق إلا للمرشد الأعلى وعامله في القصر الجمهوري تحيةً لفرق الطبابة والتمريض (علي علّوش)
بعد لحظات من التصفيق الأليم، الممزوج بقليل من فرح الحياة الزائل، والذي بادر إليه سكان بيروت خارجين من عزلاتهم إلى شرفات بيوتهم، في الثامنة من مساء الأحد 29 آذار الحالي، تحيةً منهم وتشجيعاً لفرق الطبابة والتمريض والإسعاف، العاملة في إنقاذ ومساعدة المصابين بوباء كورونا في لبنان.. بعد تلك اللحظات، عاد الصمت الليلي الذي أشاعه الوباء ليغمر المدينة ويُغرق سكانها في عزلاتهم البيتية.

سنوات السذاجة والبراءة  
وأنا من خرجتُ إلى الشرفة، لم تطاوعني يداي، أو استبد بي القنوط، لم أصفق في تلك اللحظات، وعدت بعد قليل إلى عزلتي، ورحت أتصفح بعض التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي.

يا لسذاجنتي وبراءتي!

لم أكن أتوقع قط استغراق كثرة من المدونين في ضغائنهم وأحقادهم المعتادة. وكأنني لست أنا نفسي مَن حرّرت قبل وقت قليل من التصفيق، تلك التحقيقات الصحافية التي تتقصى المصالح الصغيرة الضيقة، والضغائن المبيّتة والمتبادلة بين أركان السياسة والحكم، التي لابست الحملة السياسية والإعلامية الصاخبة المتعلقة بإعادة المغتربين ومن تقطعت بهم السبل من اللبنانيين خارج بلدهم.


يا لسذاجتي وبراءتي!

لم أُشفَ بعد، إذاً، من سذاجتي وبراءتي الطفليتين في نظرتي إلى السياسة والسياسيين وأهل الزعامة والمناصب، أولئك المتخشبين والكالحين غالباً، والذين يا ما استغربت إقدامهم الجسور، المحموم والمستميت، على طلب التصدر والمكانة وتبوء المناصب وحيازتها في الحياة السياسية اللبنانية.

كثيرون كانوا قد قالوا لي من سنين بعيدة إن استغرابي مصدره جهلي المطبق بماهية السياسة والحياة السياسية. وبعضهم سألني مندهشاً: ألم تنضوِ في خليةٍ ما من خلايا الأحزاب في مراهقتك وشبابك؟! وكان سؤالهم هذا ينطوي على اعتبار التجارب الحزبية الشبابية مدرسة أولى لاختبار السياسة ومعناها، وعلى اعتبار المشاحنات والمناكفات بين رفاق أو زمر الخلايا الحزبية على صواب أفكارهم الهوامية ورغباتهم الأكثر تهويماً في التصدر، هي خبز السياسية وملحها، ومرآة ما يفعله السياسيون والزعماء في عملهم السياسي، وفي سعيهم إلى تصدر الحياة السياسية والمشهد السياسي في البلاد.

مضت سنوات كثيرة على مثل هذه الأفكار، ونسيتها في غمرة حروب لبنان وتبدل الأوضاع والأحوال التي أظن أنها لا تزال على حالها في ما يتعلق بماهية السياسة والسياسيين والزعامة والزعماء وأتباعهم في لبنان. ويا ما اكتشفت في مناسبات وتجارب وحوادث كثيرة أنني أنا أيضاً لا أزال على حالي وجهلي وسذاجتي وبراءتي في فك طلاسم السياسة والزعامة.

جمهورية المرشد الأعلى
قبل حروبنا الأهلية المديدة، كان أفذاذ السياسة، زعماؤها وأساطينها الكبار، مقدمي عشائر ومناطق وعائلات وطوائف وعصبيات أهلية موروثة، وأحيانا مستجدة. أما في خضم تلك الحروب ومطحنتها الدموية، فصار أهل السياسة خليطاً متدافعاً من قدامى زعامات موروثة ومستجدة، ومن أمراء ميليشيات حربية اشتد عودها وعود أمرائها الذين تمرّسوا في أعمال الحرب واحترفوها. وكان أن شاخ وعجز ومات وقُتِل واغتيل كثيرون منهم في معمعة الحرب.

وبعدما وضعت الحرب أوزارها، وصار لبنان محميةً لسوريا الأسد، فقد وزّع النظام الأسدي على من ظلوا أحياء وحالفهم الحظ والقدر، الحظوة والمكانة والمناصب والأدوار، بالعدل والقسطاس وحسب حاجته إليهم وإلى ورثتِهم. وظل السلطان الأسدي مصنع السياسة والزعامة والحياة السياسية في لبنان، حتى اغتيال رفيق الحريري سنة 2005. وهو على الأرجح اغتيل جراء محاولته الابتعاد قليلاً من ثقل مطرقة ذلك السلطان، الذي سارع "حزب الله" إلى وراثته، مادام الصنيعة الأكبر والأوفى للأسدية السوداء والخمينية الأشد سواداً منها في لبنان.

وربما لم يكتب لهذه الوراثة أن تكتمل، لولا جنرال خديعة المسيحيين المنبوذين من السلطان في حقبة التسلط الأسدي على لبنان. ولولا توق الجنرال ذاك، وسواه من منبوذي تلك الحقبة، بل ساسة لبنان وزعمائه جميعاً، إلى التصدر والسلطان، كيفما اتفق، وبلا هوادة ولا تبصر، ومن طريق الشِّقاق والضغائن التي لا سياسة ولا زعامة ولا سلطان من دونها في لبنان.

وبعدما أبلى حزب الإرث الأسدي - الخميني في لبنان بلاءه الحسن والكبير في تدمير سوريا وقتْلِ معظم أهلها وتشريدهم، واستعمارها مع الحرس الثوري الإيراني استعماراً استيطانياً، وصار إرثاً إيرانياً خمينياً مذهبياً صرفاً في لبنان والشرق الأوسط والعالم؛ بعد هذا كله تمكّنَ الحزب الحرسيّ من تحقيق الحلم الوبائي المسعور المصاب به جنرال الخديعة المسيحية: أوصله إلى سدة رئاسة الجمهورية اللبنانية.

وفي غمرة إفلاس لبنان الاقتصادي والمالي، وانتفاضة 17 تشرين الأول 2019 التي هبتْ تعاتبُ ساسة الإفلاس وزعماءه، وتتظلَّم منهم وإليهم، تظلماً عائلياً، بلدياً وأهلياً، وتدعوهم إلى محاسبة أنفسهم بأنفسهم، وتعيين سواهم في الحكم والحكومة، وإعادة  "أموالهم المنهوبة"، تمكّن "حزب الله" وجنرال الخديعة والقصر الرئاسي من إقصاء شركائهما الأعداء في الزمرة الحاكمة.

وهكذا اكتمل انعقاد السياسة والزعامة والحكم في لبنان النهب والإفلاس والانهيار، على المنوال الذي أرساه حافظ الأسد منذ تسعينات القرن العشرين: للديار اللبنانية وزعمائها وجماعاتها، وللسياسة والحكم فيها، مرشدٌ أعلى، وخطيب تلفزيوني، وأمير حرب، فوق السياسة والزعامة والرئاسة والحكومة والافلاس والانهيار، ويديرها كلها إدارة سلطانية، دنيوية ومقدسة، وبايماءة من يده وكلمات من خطبه التلفزيونية.

حكومة ظلال وبيانات
ومنذ 17 تشرين الأول 2019، وما قاله لبنانيو ولبنانيات الانتفاضة العائلية على حكامهم وأهل السياسة والسلطان والإفلاس في لبنان، تضاعف لديَّ شعور أخلاقي ينطوي أو يصدر عن براءتي وسذاجتي الطفليتين القديمتين في نظرتي إلى السياسة والزعامة: وحده مزيج الوقاحة والتفاهة والوضاعة والدناءة والخسِّة الذئبية، كفيل بشحذ هِمّةِ طلاب التصدر والزعامة والسلطان والرئاسة والمناصب السياسية، وهمّة حاشياتهم ومواليهم وأتباعهم السائرين في ركابهم والمصفقين لهم.

ورغم أنني نفرتُ من تعيين الدكتور حسان دياب رئيساً لحكومة رضي وزراؤها ووزيراتها بأن يكونوا ظلالاً أو ستاراً شفافاً لأساطين السياسة والسلطان والإفلاس، فإنني ظللت على سذاجتي وبراءتي، وتساءلتُ: ما الذي يحمل هؤلاء الوزراء والوزيرات على التورط في هذه المعمعة اللبنانية، ليكونوا ظلالاً، قراءَ وقارئات بيانات مكتوبة كلها، ويتلونها بأصواتهم على منصّات، كأنهم يلقون محاضرات بليدة في قاعات فارغة؟! يلقون بيانات يمدحون فيها أنفسهم وأفعالهم وإجراءاتهم، ظانين أو مخدوعين بأنهم يفعلون شيئاً سوى تلاوة بياناتهم في جمهورية الإفلاس والخديعة والمرشد الأعلى.

نظام الإعالة والإفلاس
ودهم وباء كورونا جمهورية الإفلاس والعالم كله. وتجرّأتْ حكومة الظلال على تلاوة بيانات تقول فيها إن العالم كله اتخذ إجراءاتها مثالاً اقتدى به في مجابهته تفشي الوباء.

لكن في الحقيقة والصواب قد يكون لبنان نموذجاً ومثالاً في إفلاسه السياسي والاقتصادي والأخلاقي. وفي تفكيك الدولة والمجتمع. وفي اليأس من تغيير النظام السياسي وأنماط التدبير والعيش والاستهلاك. وفي الشعبوية السياسية المدمرة.

وهو في هذا كله نموذج العالم ومثاله، والذي كشفته جائحة كورونا القدرية العمياء في تقويضها اقتصاد العالم وتفكيك عراه السياسية والثقافية والاقتصادية والانسانية كلها بين ليلة وضحاها، ورميها البشر جميعاً في الرعب والعزلة.

نعم لقد سبقنا العالم في هذا كله، ومنذ سنين كثيرة: أنجزنا حروبنا الأهلية "الثورية" المجيدة. وخرجنا منها سادرين، فلم نطوِ صفحتها إلا بعدما أرغمنا العالم على ذلك، لكن من دون أن نقتنع أو نفعل شيئاً لطيها. واحتفلنا لفظياً بما سميناه إعادة إعمار ما دمرناه في الحرب. وساعَدَنا العالم مالياً وسياسياً في إعادة الإعمار. وأهدرنا أموالاً لا تأكلها النيران في الفوضى والاختلاس والنهب وإعالة أمراء الحرب المتقاعدين وجماعاتهم وبطاناتهم والمصفقين لأفعالهم ونهبهم. وتركنا جماعةً منا هائمة في التهجير وإرث الحرب، فتخصّصت في استكمال "حرب التحرير"، وصارت أخيراً جماعة مهدوية ناجية في إمرة مرشد أعلى. وفي الأثناء راحت جماعةٌ أخرى منا مهزومةٌ في حروبنا الأهلية، تطالب بحصتها من دولة إعادة الإعمار والنهب والإعالة.

ثم قمنا بـ "ثورتين": واحدة لـ "الحرية والسيادة والاستقلال"، وثانية على نظام الإعالة والتوزيع والنهب الذي كرّسه الخروج السادر من الحروب الأهلية إلى إعادة الإعمار، واستكمال "حرب التحرير المهدوية المقدسة". وهو النظام الذي آل بنا إلى الإفلاس الشامل، قبل أن تفتك بالعالم جائحة كورونا العمياء.

ولمّا خرج بشرُ الخوف والعزلة في أمسية إلى شرفات منازلهم، مثل أهل الكوكب المريض جمبعاً، لوصل آلامهم بالتصفيق تحيةً لفرق الطبابة والتمريض والإسعاف العاملة في إنقاذ ومساعدة المصابين منهم بالوباء، ضاق بهم رهط المرشد المهدوي، ورهط جنرال الخديعة. فالتصفيق ألماً أو فرحاً، لا يليق ولا يجوز وغير مستحب، إلا للمرشد الأعلى وعامله في القصر الجمهوري.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها