آخر تحديث:00:03(بيروت)
الأربعاء 25/03/2020
share

رحلة إلى السوبرماركت

يوسف بزي | الأربعاء 25/03/2020
شارك المقال :
رحلة إلى السوبرماركت أن يصير كل هذا نمط حياة أبدية (عباس سلمان)

أن تفتح الباب خارجاً من المنزل. مجازفة وجودية. أن تمد يدك لتكبس زر المصعد، وأن تدخله من دون أن تمس أو تلمس أياً من حوافه، طارداً من رأسك فكرة أن مريض كورونا قد سبقك إليه وبث في هوائه المحبوس فيروساته اللامرئية، وأن ترفع أصبعك مرة أخرى وتكبس زر النزول إلى مدخل البناية. ثم أن تقبض بيدك على مسكة الباب بجرأة متهورة نحو السيارة. وها أنت مضطر إلى وضع يدك (التي باتت ملوثة ربما) في جيبك وتخرج مفتاح السيارة، وتدخلها وتمسك المقود بيديك اللتين أصبحتا موضوع شبهة. ستقول لنفسك: لا تلمس وجهك.


سترى أول كائن من غير أسرتك لأول مرة منذ ثلاثة أيام. شاب مكمم وجه يمشي بعينين بارزتين، لكن هائمتين في هذا الصمت، إلى حد أننا نسمع هو وأنا صوت خطواته في عز نهار بيروت. لفتة سريعة منه نحوي من دون أي تعبير، قبل أن يتوارى.

ساهياً أقود سيارتي نحو الطريق الرئيسي الخالي. دورية لشرطة البلدية بلباسهم الموحد وكماماتهم وقفازاتهم البلاستيكية، كأنما تحولوا إلى جنود حرب بيولوجية. مشهدهم يغذي السينوغرافيا الغرائبية للرعب.


هكذا، يتراءى لي أني عالق في فيلم عن غزو فضائي، وأني غادرت حياة سابقة، وانتقلت إلى عالم افتراضي كما يرسمه الخيال العلمي. هنا حيث الصمت، الكثير من الصمت، وكل شيء يتحرك ببطء مريب عدا اليمامات التي باتت متكاثرة فجأة، متمتعة بالخلاء وبحرية مستجدة مع تواري البشر. كأنه نذير بزحف الغابة، طيف تحول عمراننا إلى أطلال مغطاة بالعربيشات والأشجار بما يشبه وسط بيروت أواخر ثمانينات الحرب.

على طول الطريق، رتابة الأبواب الحديدية الجرارة للمحلات المقفلة. هجران وسكون وسيدة وحيدة تدخل على مهل إلى بنايتها.


أركن السيارة أمام السوبرماركت. بغتة، أرى أشخاصاً عند المدخل. عدد يوحي بأن المنطقة ما زالت مسكونة وأن ثمة ناساً خرجوا مثلي من مخابئهم. يا لجمال كثرة الوجوه، يا لجمال الغرباء. لكن شيئاً تغير. تلك المسافة الإضافية التي يضعونها بين بعضهم البعض. حذر الاقتراب، ريبة الأنفاس أو أي حركة غير منضبطة. "بروتوكول" الخوف يغلف لغة الأجساد. مع ذلك، ننتبه إلى شهوة الالتقاء بالبشر، الرغبة بالكثرة وتبادل النظرات، وإن بدت جامدة بلا أي تعبير سوى الوجوم ومسحة الكآبة التي تجعل عضلات وجوهنا منكمشة، خالية من أي انفعال. أتذكر مقولة سارتر "الجحيم هو الآخرون". هذه المرة، بوصفهم تهديداً بيولوجياً.

لا أحد يتكلم. إنه الصمت مجدداً، الذي سرعان ما يخرقه سوى حارس باب السوبرماركت. رجل ضخم يرمي عبارته الباردة والصارمة: "من ليس معه كمامة ولا قفازات لا يدخل". كان علينا انتظار خروج زبون أو أكثر، كي يدخل زبون جديد. الاكتظاظ في السوبرماركت ممنوع.


أسحب من جيبي القفازات المطاطية والكمامة، وأدخل. تلك الموسيقى اللعينة، الخاصة بمصاعد الشركات وقاعات الفنادق، تتردد هنا. هي دائماً موجودة، وبالكاد ننتبه إلى سماجتها المثيرة للأعصاب. لكن هذه المرة أسمعها طاغية متغلغلة في رأسي. "تباً"، أقولها كما في شريط ترجمة الأفلام.

مخيلة الرعب تستيقظ فيّ. من مقبض العربة، إلى كل غرض سألمسه. الفيروس كامن فوق الخيار والخس والتفاح. رابض على تنك المعلبات وفوق زجاج قنينة الويسكي - رفيقة ليلي. مختبئ في الأكياس، على كرتونة السباغيتي، على نايلون غلاف ورق المحارم، أو ربطة الخبز. إنه بالتأكيد حيّ يتكاثر على أصابع اللحام وسكينه. أنه ملتصق بكل شيء.. في كل مكان.
يا للعنة، عليّ الآن أن أمد يدي إلى جيبي الآخر وأسحب المال للدفع، ثم تناول بقية المبلغ المرتجع من الموظفة وإعادته إلى جيبي. مال مرّ بين أيدي الكثيرين، المشبوهين.


أخرج حاملاً كل الوسواس والأكياس. صندوق السيارة على الأرجح سيتلوث، بعدما راودتني الشكوك الأولى أني تلوثت من أول كبسة زر خارج البيت. المقود والمفتاح والمقعد وجيب بنطلوني وأكمام قميصي، والأغراض التي أحملها عائداً إلى البيت.

عند مدخل المنزل، خارجه، أضع الأغراض على الأرض. تستقبلني ريم بطساسة التعقيم. ترش ببخاخة خليط الكلور والماء الجاكيت والمفاتيح وجيوبي، ثم تبدأ بالرش على الأكياس، وفي داخله. أخلع الكمامة والقفازين، أدخل وأرميهما في الزبالة. لا أمس شيئاً. إلى الصابون وفرك اليدين. نترك الأغراض شبه منقوعة بالمعقم خارج الباب لمدة أربع ساعات.


رحت أتخيل أن يصير كل هذا نمط حياة أبدية. أن نعيش في كوكب مريض، مختبئين في جحورنا، ننقرض واحداً بعد الآخر، وتتكاثر اليمامات والقطط وتبدأ الأشجار في النمو بغرف النوم، أو وسط الأوتوستراد.

أجلس وأشعل سيجارة أمام التلفزيون، منتظراً "النهاية" (The end).


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها