آخر تحديث:17:52(بيروت)
السبت 21/03/2020
share

نصر الله لن يخوض البحر إلّا مع باسيل

جهاد بزي | السبت 21/03/2020
شارك المقال :
نصر الله لن يخوض البحر إلّا مع باسيل كان حزب الله يفضل أن يؤكل بصمت هذا الطبق الذي طبخه جبران باسيل (الأرشيف، Getty)

مساكين أصدقاء حزب الله. لا شك أنهم أمضوا ليلة قاسية بعدما عنفهم السيد حسن نصر الله وقرّعهم وهددهم، إذا ما أعادوا الكرة بانتقاده، بطردهم من تحت عباءته، وبالتالي خارج حلقة ثقته.

انتهازيون وصقور
نصر الله، في خطابه الذي وجهه لهؤلاء الأصدقاء حكراً، وضع لهم شرطين أساسيين لاستمرار العلاقة: عدم تخوين "المقاومة" وعدم التجريح بها وشتمها. شرطان مطاطان، فأين ينتهي النقد وأين يبدأ التخوين في كتاب حزب الله، لا أحد يدري، حتى المقربون. وبينما صمت الانتهازيون عن قلة حيلة الحزب في ملف اللحدي برمته، تجرأ بعض الصقور من الأصدقاء على انتقاده بقسوة لم تصل إلى حد التخوين والشتيمة طبعاً. لم يبتلع الحزب النقد حتى، مع أنه يفترض بنصر الله أن يرحب بهؤلاء ويضمهم إلى صدره لأنهم صادقون معه. على العكس، بدوا كمن ينتبهون إلى سبابته الشهيرة وهي تلوح في وجوههم لأول مرة في علاقتهم بسيدهم، وعلى الأرجح أنهم تذوقوا مرّ هذه السبابة بينما الجمهور المتحمس يشكل على وسائل التواصل الاجتماعي لوائح فضائحية بأسمائهم (مع التهم الموجهة إليهم) كما يشكل مشجعو نادي النجمة لائحة لاعبي الفريق العدو في المباراة المقبلة.

يعرف نصر الله صدق نوايا المنتقدين، لكنه لم يكن بحاجة إليها. كان يفضل أن ينتقده خصومه فحسب. عندها كان جمهوره سيقول له نكاية بالخصوم: أطلق العميل يا سيد وسنظل، كما العادة، نخوض البحر معك. لكن الخصوم السياسيين صمتوا، إما شماتةً، وأما لإنهم محرجون. لا هم بوارد اتهام الولايات المتحدة الأميركية بممارسة ضغوط لإطلاق عميل، ولا هم يجرؤون مثلا على استنكار المشهد المهين للمروحية وهي تتنزه في سماء لبنان كأن قبطانها يتمتع بطبيعة البلاد الخلابة في الدخول ويسمح للعميل بأن يلقي نظرة أخيرة طويلة على البلد الذي يخرج منه لآخر مرة. وفيهم، كما في العونيين، ممن لا يرى في جيش لبناني الجنوبي ميليشا عميلة لجيش محتل.

طبق باسيل
الآخرون، جماعة 17 تشرين والشيوعيون واليساريون والمستقلون وغيرهم، أمرهم سهل، صوتهم مهما علا لن تسمعه البيئة المحصنة ضدهم، لكن ضجة الأصدقاء هي التي علت في البيئة، وأحرجت نصر الله حتى اضطر إلى هذا التأنيب، الذي يلجأ إليه الناظر حين يضيق ذرعاً بمن يفترضهم تلامذته المحظيين.

حزب الله كان يفضل أن يؤكل بصمت هذا الطبق الذي انبرى جبران باسيل لأعداده. حتى اللحظة، هذا الحزب غير معني مثلاً بملاحقة العملاء الفارّين حول العالم، وليس مستعداً لمواجهة الكوكب برمته في سبيل الاقتصاص منهم بعدما انتهى أمرهم. العدالة التي دفعت اليهود إلى ملاحقة مجرمي النازية حيثما حلوا، لم تكن لتقع لولا أن أميركا والاتحاد السوفياتي والعالم كانوا معهم. حزب الله ليس مضطرا لفتح أبواب جهنم في وجهه في سبيل اغتيال عملاء لا معنى لهم، وفوق ذلك يحملون جنسيات غربية. لديه ملفات أشد أهمية. وهو أصلاً لم يواجه الأميركيين مباشرة حتى اليوم. تفجيرات الثمانينيات في بيروت والاغتيالات وخطف الرهائن لم تكن يوماً باسمه ولم يعترف بها قط. كلها جرت باسم منظمة الجهاد الإسلامي التي كانت بمثابة الشخصية السرية للبطل الخارق، والتي اختفت حين لم يعد سوبرمان بحاجة إلى التنكر. حتى ثأر حزب الله لقاسم سليماني قضي بخطاب رنّان وبإشارة اليدين والنظرية الهندسية للدخول العمودي والخروج الأفقي. لا يريد حزب الله، وإيران من خلفه، فتح جبهة مباشرة مع أميركا. ليس الآن على الأقل. كل الواقعية السياسية النادرة الحدوث التي تحلى بها نصر الله في خطابه الأخير صبت في هذا المنحى، في منحى أن حزب الله ليس بوارد التورط مع أميركا بسبب صدفة دخول عميل إلى لبنان وتسريب الأمن العام قصته. ولعب النرد حرام أصلاً فلماذا يدخل الحزب في مواجهة بالحظ، وتحديداً في زمن أكثر الادارات الأميركية شراسة ضد إيران منذ أيام رونالد ريغان.

تلاقي المصالح
حزب الله ليس بوارد المواجهة إلا بالخطابات. بل على العكس، هو الآن بحاجة إلى وسيط مع الغرب، وأميركا بالتحديد. في الثمانينيات لعب الرئيس نبيه بري هذا الدور. لاحقا تولى الرئيس رفيق الحريري هذه المهمة وأجاد فيها، ولحقه بمهارة أقل، الرئيسان فؤاد السنيورة وسعد الحريري. الآن، لم يبق للحزب إلا جبران باسيل. صهر رئيس الجمهورية، رئيس التيار الوطني الحر، وزير الخارجية السابق، صانع الحكومة الحالية، حامل الألقاب العديدة، يستميت في تسويق نفسه حيثما استطاع، حتى ولو كان ثمن ذلك المقابلة البائسة التي أجراها مؤخراً في دافوس. أين المشكلة، حقاً، في أن يبيع جبران شخصا تافها مثل عامر فاخوري إلى الإميركيين، مقابل تقديم أوراق اعتماده عندهم، وتسويق صورته لديهم، كسياسي محنك، وكصديق قد يبرهن مع الوقت أنه وفيّ، وكوسيط بين أطراف عديدة؟ إنها إضافة لامعة على"سي في" الشاب الطامح إلى ما بعد عمه الجنرال، أطال الله في عمره.

تلاقت المصالح. حزب الله بحاجة إلى صندوق بريد بربطة عنق يتبادل به الرسائل مع الأميركيين، إن حاضراً أو مستقبلاً، كما أنه بحاجة إلى التخلص من عامر الفاخوري، كتلة القاذورات التي لا يمكن لأحد لمسها من دون أن يتسخ، إلا جبران باسيل.

الرموز وورق التواليت
وعامر الفاخوري أتفه من أن يكون قضية أصلاً، لولا أنه يرمز إلى حكاية متجذرة في وعي جمعي اسمها معتقل الخيام واسمها اجتياحان متتاليان ودمار ودم وهزائم كبرى. لكن الشيوعيين وحدهم من يتعاطى مع الرموز. حزب الله يتعاطى مع الواقع. وفي الواقع، فإن الحزب لا يعنيه تحقيق العدالة في الفاخوري وحده دون غيره حتى. أما في المقلب الآخر، فلا أحد أيضاً يعنيه الفاخوري. لم يقف أميركي واحد عند العبارة اليتيمة التي قالها دونالد ترمب عنه لافظاً اسمه العربي بصعوبة بالغة، والأكيد أن ترمب لن يستغل نكرةً مثل فاخوري في الانتخابات الأميركية المقبلة، بينما الأميركيون مشغولون الآن بتأمين ورق التواليت أكثر بما لا يقاس من الاطمئنان إلى مصير فاخوري.

من غيرُ جبران يتطوع لحمل كتلة القاذورات هذه واعادتها من حيث أتت، مجنباً لبنان والحزب مجموعة مشاكل كلاهما بغنى عنها، طالباً من نصرالله أن يغض النظر فقط؟ هكذا فعل حزب الله. قرر أن يكون الشاهد الذي لن يشهد شيئاً مما سيحدث. لكنه، وفي أسوأ كوابيسه، لم يكن ينتظر من جبران مثل هذا السيناريو المفجع برداءته. محكمة عسكرية تعقد وتصدر حكمها بتبرئة العميل في الخفاء، ثم مروحية أميركية تكاد لولا الحياء تبتسم للهواتف التي صورتها تدخل البلاد وتخرج، في مشهد مذّل لم يفرضه الأميركيون على لبنان، بل كتبه وأخرجه جبران باسيل الذي يبدو واضحاً مدى تأثره بدراما المسلسلات اللبنانية. سيناريو تفوق فيه باسيل بمراحل على الفيديو الشهير لشاي مرجعيون.

المصفقون الهاتفون
سيناريو وإخراج سيئان في الشكل، ولا شك أن نصر الله سيعاتب، إن لم يكن قد عاتب أصلاً، جبران باسيل. وقد يعنّفه ويقسو عليه، لكن لا بأس بجبران في المضمون، وإن احتاج إلى مزيد من الجهد من باب تدريبه وتأمين مستقبل جيد له. فالسيد بحاجة الآن إلى جبران، وليس له غيره ليخوضان البحر معاً، كتفاً بكتف.

أما من كانوا يظنون أنفسهم أصدقاء أوفياء للحزب، فقد قال لهم السيد ببساطة إنه ليس بحاجة إلى صداقتهم، وأنه مستعد لأن يوقفهم على رجل واحدة، يواجهون الجدار في ملعب المدرسة رافعين سواعدهم عالياً. إما أن يكونوا من الجالسين في الصف الأول، صغاراً أمامه وهو يظهر عليهم عملاقاً من الشاشة، مصفقين وهاتفين لبيك لبيك وإما لا يكونوا.

جبران الآن حاجة، لذلك لم يذكره في الخطاب. ومن أجل عيني جبران، مسح السيد أصدقاءه الأوفياء بالسبابة والوسطى ملتصقتين، كما لو يمسح بخاراً عن زجاج.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها