آخر تحديث:00:02(بيروت)
الخميس 19/03/2020
share

وباء العزلة يوحّد العالم ويقول: أنا العولمة الجديدة

محمد أبي سمرا | الخميس 19/03/2020
شارك المقال :
وباء العزلة يوحّد العالم ويقول: أنا العولمة الجديدة ... ويظل العابرون مثلنا أشباحاً أو شبحيين (علي علّوش)
لم نعد نميّز بين أيام الأسبوع وساعات النهار والليل، ولم يعد ضرورياً التمييز بينها أصلاً في حياة فقدت إيقاعها ومواقيتها، إلا البيولوجية منها.

وقتٌ وفير، سائلٌ أو متجمد، بلا تعرجاتٍ ولا نتوء، أو حلزونيٌّ مستدير، ولا فرق إن كان أفقه مرئياً أم بلا أفق. وقتٌ مسطحٌ معلّق وموقوف، أملسُ ومقطوع اليدين، ضريرٌ وعقيم...
كالحياة التي صارت شبحيةً كالعابرين القليلين في الشوارع وعلى الأرصفة، كوجوه العابرين، كحركاتهم الضئيلة، كالتحيات المستريبة المرجأة، كالمسافة الموبوءة بين شخصين شبحيين.


وفتك الوباء بالأصوات والكلمات، بالنطق بالكلمات التي جفّت من جذورها، فصرنا نبتلعها في عزلاتنا، ولا نقوى على تبادلها إلا صامتةً على شاشاتٍ زجاجية.

وفي خطواتنا الشبحيّة الخائفة على رصيف، لم تعد أبصارنا تتصفح وجوه العابرين المنكّسة مثل وجوهنا وأبصارنا إلى الأرض، لا لنبصر الأرض، بل ليظل العابرون مثلنا أشباحاً أو شبحيين.

****

هل اكتملتْ جنة تواصلنا الافتراضي أخيراً؟
هل صارت هذه الشاشات الزجاجية نوافذنا الوحيدة على عالم أبكم؟

وحياتنا السابقة على هذه العزلة المنزلية، هل صارت حلمَ يقظةٍ قديم، كمن عرفناهم طوال سني أعمارنا، واختفوا مثلنا، أو غرقوا في الصمت والقطيعة؟

نحادثهم أحياناً عن بعد، لكن كأنما نحادث ظلالاً، أو أشخاصاً من زمن ما قبل الطوفان.

حتى جنّة التواصل الافتراضي هذه لم تعد مسكونة سوى بالوباء الطوفانيّ الذي وحّد العالم، كما لم يتوحدْ أبداً من قبل.

فعالم ما قبل الطوفان الوبائي كان يتهيأ لطور جديد من عولمته: الخوفُ والريبة من العولمة، وارتدادُه عنها وعن إزالة الحدود. ورعبُه من اختلاط البشر المتذرّرين، من انسيابهم بين البلدان والقارات، من فرارهم من بلدان البؤس والحروب، فتبتلع بعضَهم البحارُ دون حلمهم المستحيل بالخلاص من البؤس والحروب.

****

هذا كله انتهى، قال الوباء فجأة.

وقال: هيا استريحوا. لا حاجة لجهودكم كلها، ولا لملحمة تواصلكم وتخالطكم.

أنا العولمة ونقيضها - قال الوباء - فهيا اعتزلوا في بيوتكم. أنا ملاك العولمة وخوفكم منها، وسوف أملؤكم خوفاً صافياً، بل رحيق الخوف الصافي، حتى في عزلاتكم.

وقال أيضاً: ما لكم وما عشتموه قبلي. لقد صار هباءً وصار سدىً. ما سميتموه التواصل الاجتماعي والتخالط الاجتماعي، وبابل العلاقات واللغات، في ذلك الانسياب المادي المباشر، انتهى وصار من ذكريات عالمكم القديم.

ثم قال: هيا إلى العزلة، إلى التباعد الاجتماعي، إلى نوافذ تواصلكم اللامادي، إلى شاشاته الزجاجية الخرساء. ثوراتكم وانتفاضاتكم تلك التي ما زلتم تبحثون لها عن أسبابٍ وأفقٍ وأسماء، انسوها وتفرغوا لمساكنة الخوف في عزلاتكم الانفرادية.

وقال أخيراً: كل ما تمسسه أيديكم صار مسكوناً بالريبة، بالرعب. حتى الثياب، ثيابكم، صارت عدواً يتربص بكم، مثل كل شي في عالمكم المادي القديم.

****

في هذه العزلة أتخيّل أن بشر هذا الكوكب يستجيبون نداء أحدهم المجنون عبر الشاشات الزجاجية الخرساء: هيا اخرجوا من هذه العزلات الوبائية إلى الشوارع. غنوا، ارقصوا، وتعانقوا.

قد يخيف خروجكم وغناءكم ورقصكم وعناقكم الوباء، أو يكون مشهدكم الوداعي للحياة على هذا الكوكب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها