آخر تحديث:00:01(بيروت)
الخميس 19/03/2020
share

حكايات معتقلي الخيام: الجزّار الفاخوري ومُبَرّؤه وجهان لعملةٍ واحدة

نبيلة غصين | الخميس 19/03/2020
شارك المقال :
حكايات معتقلي الخيام: الجزّار الفاخوري ومُبَرّؤه وجهان لعملةٍ واحدة من سخرية القدر أن يكون القاضي الذي اتخذ قرار الافراج عن الفاخوري هو أيضاً من الخيام (المدن)

لا يزال مشهد تحرير سجناء الخيام في العام 2000، حياً في أذهان الذين عاشوا تلك اللحظات. لكن غالباً ما طغت الاستعارات اللفظية والجمل الإنشائية للتعبير عنها، مثل: تحطيم القيود والأغلال، وعناق الحرية.

غصات ساخرة
لكن فرحة النصر سرعان ما أعقبتها غصة ساخرة رافقت المحاكمات غير المنصفة للمتعاملين مع العدو، والذين جاءت أحكامهم مخففة، مقارنة بعذابات السجناء المقاومين كافة.

ترفّع المعتقلون السابقون على أوجاعهم، نعموا بفرحة النصر، وعاشوا سنواتهم التالية موشومة بعزة الاعتقال وكرامة المقاومة، إلى أن جاء خبر عودة العميل عامر فاخوري إلى لبنان، وإلقاء القبض عليه، ثم الكلام عن إطلاق سراحه أخيراً.

تعبر المعتقلة السابقة في سجن الخيام كفاح عفيفي عن فرحتها لحظة سماعها خبرعودة العميل وسجنه: "لقد جاءت فرصة الانتقام"، قالت.

اعتقلت كفاح عفيفي في العام 1988 وأفرج عنها في العام 1994. سنوات ست لا تزال ساعاتها حاضرةً في ذاكرتها: التعذيب والضرب اللذان مارسهما عليها رجال عامر الفاخوري، كانت له سلطة الرجل الثاني في معتقل الخيام، بعد جون الحمصي المعروف بأبو نبيل، الذي كان مسؤولاً عن المحققين.

إطفاء سيجارة في جرح
تروي كفاح لـ "المدن" لحظات التقائها بعامر الفاخوري، الذي استقبلها في معتقل الخيام، وهي في الثامنة عشرة من عمرها: "أول ما وصلت هو من استلمني. أنا ما كنت عارفي حالي وين. قعدت عالأرض. وسألني إذا سامعة بسعد حداد، وقلي إني أنا عندو. فكرت إني علقت. زمطت منه بمجزرة صبرا وشاتيلا وعلقت هون".

أما الذكرى الأكثر إيلاماً لكفاح فهي عندما دخل الفاخوري غرفة الإسعافات الصحية، فيما كانت الممرضة تنظف جرحها (كانت مصابة في كليتها)، وأطفأ سيجارته في جرحها، بعدما علم أن الجرح يتماثل إلى الشفاء.

كان الشرطيون والشرطيات أتباع عامر الفاخوري وأبو نبيل، يمارسون أبشع الأعمال على المعتقلات  خصوصاً: يعذبونهن وهن في  دورتهن الشهرية. وتروي كفاح كيف أُجبرت على تنظيف دمها السائل على الأرض بعد تعرضها لنزيفٍ حاد جراء ضربها المبرح على بطنها.

انتفاضة على المهانة
وتعرضت كفاح للضرب من قبل الفاخوري وأبو نبيل. وأثناء انتفاضة سجناء معتقل الخيام، قام الفاخوري بتعذيب كفاح بنفسه: ضربها وسحلها أرضاً. ففي العام 1988 قام المعتقلون الرجال والنساء بانتفاضة للمطالبة بتحسيناتٍ، أبرزها الحصول على سطل أكبر لقضاء حاجتهم، ليستعمله نحو 5 سجناء في كل زنزانة، وينظف كل يومين. لذا كان السجناء والسجينات يمتنعون عن قضاء حاجتهم في حال امتلائه.

ومن البؤس الذي تعرضوا له خزنهم المياه في كيس نايلون يعلقونه في باب القاووش لغسل ملابسهم فيه. كان الفاخوري يمنع عنهم الاستحمام لمدة شهرين أو أكثر. ولا يسمح بخروجهم إلى الباحة المشمسة إلاّ كل ثلاثة أيام ولمدة ربع ساعة فقط.

لهذه الأسباب قامت الانتفاضة التي بدأت في مبنى 1 ومبنى 3 للرجال، وشاركت فيها النساء اللواتي بدأن يقرعن الأبواب عالياً، وبدأ الشرطيون برمي القنابل المسيلة للدموع. وكان مبنى رقم 2 مغلقاً وقليل النوافذ، ما تسبب بحالات اختناق اضطرت سلطات الاحتلال لإخراج السجينات إلى الباحة، فيما استشهد الأسيران بلال سلمان وإبراهيم أبو عزة.

معتقلون: أهلاً بالعملاء
وقال الأسير السابق محمد رمضان، زوج كفاح عفيفي، لـ"المدن" أنه لم يتوقع يوماً أن يتجرأ العميل الفاخوري على العودة إلى لبنان. وهو يعتبر عودته  عملية اختبار قامت بها جهة معينة لمعرفة ردود الفعل، تمهيداً لعودة باقي العملاء. ويرى رمضان أنهم نجحوا في مسعاهم. وفرّط الجميع بكرامة الوطن وشعبه.

وتعرض رمضان لتعذيب المحقق، الذي لم يصدق أن ما يقوم به مع رفاقه في الحزب الشيوعي كان دفاعاً عن الأرض والوطن، وأنها تضحية بلا أجرٍ مادي أو طمعاً بدخول الجنة. لم يقتنع المحقق بوجود أشخاص يضحون من دون مقابل، سوى الحفاظ على كرامتهم.  واليوم ومع  إطلاق الفاخوري، يعتبر رمضان أنهم داسوا كرامة الوطن والشعب والشهداء والمعتقلين جميعاً.

ويطالب رمضان اليوم بعودة العملاء كافة إلى البلاد، مشترطاً عدم خضوعهم للمحاكمة، لأنها محاكمة غير عادلة وغير منصفة، وهي بمثابة صكوك براءة لهم. هو يطلب عودتهم كي يقوم ورفاقه بالاقتصاص منهم بعدما فقدوا ثقتهم بالقضاء اللبناني.

ربما من سخرية القدر أن يكون القاضي الذي اتخذ قرار الافراج عن جزار الخيام، هو رئيس المحكمة العسكرية حسين عبد الله، من بلدة الخيام.

وقد صوت قضاة المحكمة العسكرية وعلى رأسهم عبد الله، على إطلاق سراح الفاخوري، باستثناء  القاضية نجاة أبو شقرا التي صوتت ضده. والموافقون تذرعوا بحجة سقوط التهم الموجهة إليه بفعل مرور الزمن.

يقول معتقلون: ..وهل يرضى حزب الله والطائفة الشيعة باسقاط التهمة عن قتلة الحسين، بفعل مرور الزمن؟ وهل يرضون بإسقاط اتهام إسرائيل بالاحتلال بفعل مرور الزمن؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها