آخر تحديث:00:01(بيروت)
الثلاثاء 10/03/2020
share

رئيس الحكومة تلا بيان رعاته

أحمد جابر | الثلاثاء 10/03/2020
شارك المقال :
رئيس الحكومة تلا بيان رعاته العهد القديم يخاطب الناس بقديمه الذي يحسبه جديداً (دالاتي ونهرا)
ما كان للرئيس حسان دياب أن يتوجَّه إلى اللبنانيين بخطابه الاقتصادي، لو أنه كان رئيساً مكلفاً من موقع وطني مستقل، أو لو كان مطلق اليد في اختيار نمط إصلاحه وضرورات سياساته، بعيداً من خيارات وضرورات سياسات رعاته. البداية التي تسبق كل تناول لأداء رئيس الحكومة، ولكل كلامٍ يصدر عنه، تكون من حقيقة الانحياز إلى رؤية سياسة لبنانية يقودها محور الثنائية الشيعية، ويندرج ضمنها تكتل العونية السياسية. القبول بالنزول في مقام الانحياز عملاً، والنطق بضرورات المصلحة الوطنية قولاً، شكَّل القيد الأوّل للحكومة الحالية، وسيظلّ قيداً دائماً إلى أن تأذن ضرورات وتطورات ما، برحيل تشكيلة الطوائف المسمّاة "تكنوقراط" أو بترحيلها.

الربط السياسي والاقتصادي أمر عادي يعلمه كل من قرأ سطور السياسة والاقتصاد على خلفية ترابطهما وتداخلهما، واستبطان أحدهما الآخر، وتجلّي حصيلتهما في كل العملية الاجتماعية. لكن الربط المشار إليه لا ينفي أياً من المسألتين وهو يناقش ترابطهما، ذلك أن لكل صعيد نقاشه الخاص، وله مسائله المحددة، بحيث لا يمكن إلغاء نقاش الصعيد الاقتصادي أو استبعاده، عن نقاش الصعيد السياسي، ولا يمكن تنحية السياسة بحجّة أن النقاش يدور على مستويات اقتصادية "محضة". الترابط صحيح، لكن الاختزال خطأ، وكما هو معلوم فإن لكل سياسة اقتصاد، ولكل اقتصاد سياسة، وللسياسة وللاقتصاد في اجتماعهما، خلاصات وسياسات اجتماعية محددة.

رئيس الحكومة الاقتصادي
ما بات معلوماً لدى اللبنانيين هو أن رئيس حكومتهم أعلن حقيقة الوضع الحرج الذي يغرق فيه الاقتصاد، وكشف عن ضآلة احتياط المصرف المركزي، بحيث أن المبالغ الموجودة تضع حاجات اللبنانيين الأساسية على شفير الندرة، وربما العجز عن استقدامها من مصادرها العالمية، و"تجرأ" على إبلاغ الدائنين بقرار تعليق سداد ديونهم المستحقة اليوم وفي الأيام اللاحقة، لأن لا قدرة للدولة اللبنانية على النهوض بأعباء هذا السداد.

جرأة رئيس الحكومة مالياً، لم تكتمل اجتماعياً بل ظلّت عائمة وغير محددة، وفي مقابل اللهجة التقريرية في شؤون المال والدَين والاقتصاد، كانت اللغة تبريرية وإرجائية في شؤون المكلفين والموارد وخطة النهوض بالأوضاع اللبنانية عامة.

لقد كان حريّاً برئيس الحكومة أن يتحلّى بالشجاعة الإضافية فيخاطب الشعب بعنوان أساسي للنهوض، أو لاستعادة استقامة أحوال عيش اللبنانيين، بعد أن أنهكهم فساد التشكيلة السياسية التي نطق الرئيس حسان دياب بالنيابة عنها، وليس باسمها، هذا العنوان هو: توزيع الأعباء. هذه الجملة تخصّ كل اللبنانيين، وهي حقيقية وفعلية، في بلد يعاني ما يعانيه في كافة المجالات، وعلى الجملة تترتب مسؤوليات رسمية وشعبية، والمسؤولية غير الوعود التي قد تكون وعوداً خلّبية. نعم ماذا عن توزيع الأعباء؟ من تستهدف من الفئات؟ كيف تستهدف كل فئة؟ ما الإجراءات الكفيلة بتنفيذ سياسة توزيع الأعباء؟ ما المدّة الزمنية التي تستغرقها عملية توزيع الأعباء؟ ما الخطة؟ ومن هي المرجعية النزيهة المسؤولة الموثوقة، من خارج سرب الحاكمين المتحكمين الذين ليسوا أهلاً للثقة؟ لقد تجنّب الرئيس حسان دياب العنوان المسؤول الأهمّ، ظنّاً منه، ومن هم وراء لغته، أن الفئات الأوسع من اللبنانيين سترضى "بسمك في بحر" السلطة الملوّث بكل صنوف الفساد، أو ظنّاً منه، ومن قِبل من هم وراءه، بأن شعاراً شعبوياً ما، يكفي لكسب صمت الشارع ولو إلى حين، غير محدد وغير معلوم.

رئيس الحكومة السياسي
كان الرئيس دياب سياسياً بالصمت عن المسكوت عنه، وباجتناب ما هو محظور عليه، وبعدم الاقتراب من نقاط التماس مع المواضيع الخطرة. لذلك، كانت الرئاسة الاقتصادية مبتورة، وكانت، حسب مزاج أهل السلطة، غير ميثاقية، هذا إذا كان الشعب هو الطرف الأساسي في اكتمال الشرعية الميثاقية، وإذا كانت الميثاقية ليست فرداً من أفراد أهل الطائفيات المتنازعة. على مقياس السلطة، كانت الرئاسة الاقتصادية ميثاقية سياسياً واقتصادياً، وأمينة لرعاتها السلطويين الذين في الواجهة، وأولئك الجالسين على مقاعد "المعارضة" الخلفية، أي أنها وبعيداً من إنشاء الخطابة، غير ميثاقية اجتماعياً، مثلها مثل من أتى بها لإدارة سلطة نهبه، وإدامة عمر محاصصته الطائفية.

صمت الرئيس السياسي لا يعوّض عنه الإفصاح الاقتصادي، والفصاحة في تعداد مصادر الموارد العامة التي ستعين على تجاوز الأزمة الوطنية الخانقة، تصبح تلعثماً وارتباكاً لدى السؤال عن حقيقة سماح رعاة الحكومة بالذهاب إلى نقاط الهدر لسدّها، وإلى منافذ التهريب المفتوحة لإقفالها، وإلى مواطن الزبائنية وشراء ولاء الجمهور من الصندوق الوطني العام، لاحتلال هذه المَواطِن بالترشيق الوظيفي اللازم، وبالرقابة الرسمية الصارمة، وبالتشدّد القانوني الذي يُقفل دكاكين الفاسدين. من حق السامع الشعبي أن يشكِّك بقدرة الرئيس الاقتصادي، عندما لا يتوسّم فيه رئيساً سياسياً، ومن حقّ الجمهور أن يطالب الرئيس بكلام فصيح حول الإجازة المعطاة له من قبل من أعطاه "امتياز" الكلام، وأين تبدأ الإجازة وأين تنتهي، وما هو خطّ السير المستقيم، بعيداً من زواريب الساسة، ومن دون التوقف عند إشارات مرورهم الحمراء... وما أكثر إشاراتهم!

الحركة الشعبية
تقف الحركة الشعبية على خط رفض واضح للتعمية السياسية التي اعتمدها رئيس الحكومة في بيانه الاقتصادي، وتعتمد "رئاسة" الحركة الشعبية في الشارع لغة التشكيك وعدم الثقة بقدرة "الاقتصاد" على تجاوز السياسة، وهي، أي الرئاسة، إذ تقيم منبرها في الشارع، تعلم علم الأكيد، أن فرصة السماح للحكومة لن تنتج ما هو مأمول منها في ظل التحكم السلطوي لتحالف الميليشيات الناهبة، لكنها، ومن موقع مسؤول أيضاً، تتخذ وضعية المراقبة من حالة الضغط بالصوت، ووضعية المواكبة من حالة الحركة الصاخبة، ووضعية الآمل من موقع التساؤل المشكك، ووضعية المتريث من حالة المتحفّز لكل صنوف المبادرة.

بناءً على ما تقدم، صار ملحاً درس ومراجعة ما جرى شعبياً حتى تاريخه، وبات أكثر من ضروري ابتكار أساليب عمل تتجاوز ما اعتمدته الحركة الشعبية حتى الآن، والعمل على تجديد وسائل الانتظام وصيغ التنسيق الكفيلة بتأمين الحشد في الشارع، والتحرك من ضمن خطط مدروسة، تجمع بين "الشدّة" حيث يجب، وبين "اللين" عندما تكون الجدوى كامنة فيه. هذا الجمع ينهي الفصل الذي يقيمه البعض اعتباطاً، بين الأساليب الشعبية، ويضع حدّاً للمفاضلة بين عنف أسلوبي وآخر سلمي، ويظلّ المقياس هو: أين يندرج هذا الأسلوب، وذاك ضمن برنامج الحركة الشعبية، وما الفائدة من اعتماده أو استبعاده، في أي وقت من الأوقات الكفاحية.

وإذا كان لا بدّ من "رئاسة" في الشارع، فإن الأمر يتطلب طرحاً موازياً شعبياً، يناقش في السياسة وفي الاقتصاد، ويدل على أماكن الموارد الفورية، ويدل على المعوقات التي تمنع الوصول إليها، ويضغط في اتجاه تنفيذ ما يمكن تنفيذه، من موقع الاعتراض الشعبي الذي يعلم أهله، أنه لا يمكن الركون إلى حسن نوايا السلطة السياسية، ويعلم أكثر، أنه يجب الحذر من سوء نوايا العهود المتعاقبة التي أوصلت لبنان إلى مأزقه المصيري الراهن.

ختاماً، العهد القديم يخاطب الناس بقديمه الذي يحسبه جديداً، والحركة الشعبية تكرر الجديد الذي واجهت به العهد، لكن التطورات المتلاحقة جعلت بعض جديدها قديماً، عليه: لا بد من تطوير جديد يتوالى تجديده، في مواجهة القديم السلطوي الذي تتبدل وجوه أطرافه، وتنجو بنيته المهترئة من أي تبديل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها