آخر تحديث:00:01(بيروت)
الأحد 23/02/2020
share

حُبّ القادة والزعماء وعبادتهم: سياسةُ الحرب والموت

محمد أبي سمرا | الأحد 23/02/2020
شارك المقال :
حُبّ القادة والزعماء وعبادتهم: سياسةُ الحرب والموت هل الحريرية تجسيد أو مرآة لمأساة لبنان ما بعد الحرب واتفاق الطائف؟ (Getty)
عندما استبقَ مدوّنون ومعلقون الانهيار المالي والاقتصادي الراهن في لبنان، فبادروا إلى تعليقات وتوقعات عن سوء الأحوال المالية والاقتصادية في بلدهم، سارع ما يُسمى جهاز جرائم المعلوماتية إلى استدعائهم والتحقيق معهم وتوقيف بعضهم، بتهمة الإساءة إلى سمعة لبنان واقتصاده، والتجني أو الافتراء على العهد الرئاسي "القوي" والعمل على تقويض منعته والثقة به، والعياذ بالله.

وأمثال هذه الاستدعاءات والتهم، غالباً ما تتّبعها الحكومات وأجهزة الدول التي تعتبر السياسة والرأي ضرباً من الدعاية والتسويق والبروباغندا الخالصة. وفي هذه الدول، عادةً ما تُستعمل مثل هذه التهم لتكميم الأفواه، ومنع تداول المعلومات والأفكار ومناقشتها، ولذرّ الرماد في العيون، وصولاً إلى إخراج المعارضين وأصحاب الآراء المختلفة والمتباينة من ما يُعتبر السوية الوطنية أو القومية القويمة، بعد وصفهم بالخونة والمارقين.

وأنظمة هذه الدول غالباً تقرن إجراءاتها هذه، وكذلك البروباغندا التي تتبعها سياسةً لها، بحب زعمائها وقادتها ورؤسائها، وتقديسهم وعبادتهم. وهذا بناءً على مقولة قاطعة مفادها أن السياسة والوطنية والقومية كلها وفي تعريفها، ولاء وحب وعبادة لفكرةٍ واحدة ورأي واحد وقول واحد، ولزعيم أو قائد أو رئيس واحد أوحد، لا يشك أحدٌ في سداد رأيه وكلمته.

السياسة والحب والموت
وفي مقالةٍ لافتة نشرها موقع "الجمهورية" الالكتروني أخيراً، أسهب الكاتب السوري ياسين الحاج صالح في شرحه مزايا المركّب المرعب، المدمر والقاتل، ذاك الذي أرسى السياسة (أي اللاسياسة) وأقامها كلها في سوريا الأسد، على إرغام السوريين وإجماعهم طوال 50 سنة، على الحب الخالص للأخ الرئيس القائد وعبادته في العلن، ولو على نحو كاذب، وكراهيته في السر والكتمان. ومثل هذه السياسة اللاسياسية لا تنطوي في حقيقتها وجوهرها إلا على العداوة والحرب والموت، بحسب الحاج صالح في مقالته إياها.

عندنا في لبنان، قبل حروبنا المجيدة، في أثنائها وبعدها وحتى الساعة، ليست السياسة (وهي في حالتنا اللبنانية غرضيات وولاءات) بريئة من حب الزعماء والقادة والرؤساء. لكن هذا الحب ليس حباً لزعيم أو قائد أو رئيس واحد أوحد. بل إن لكل جماعة أو رهط أو غرضية زعيمها المفدّى، المحبوب أو المعبود، حباً وعبادةً خاصين، ضد زعيم أو زعماء آخرين، تحبهم أو تعبدهم جماعات أخرى. حتى أن حب هذه الجماعة أو تلك، غالباً ما لا يثبت ويستمر ويتأبد لزعيم واحد ولوريثه ونسله، على خلاف الطريقة الأسدية في سوريا المأسوية في إرغامها العلني والأمني على حبها الأوحد لأسدها المروع والمدمر.

لبنان الحب والحرب
بلى، كان حب الجماعات اللبنانية لزعمائها وقادتها الكثيرين ظاهرة من ظواهر الحرب، ووجهاً من وجوهها المروعة والمدمرة. لكن ذلك الحب تأسس وانطوى على شقاقاتٍ وكراهيات وعداوات كثيرة معلنة عصفت بهذه الجماعات، وتكافئ حبها وعبادتها زعماءها ومخلصيها من غيّ الجماعات الأخرى وزعمائها وغيهم.

أما قبل حروبهم المديدة (1975-1990)، فكان حبّ الجماعات اللبنانية لزعمائها ينطوي على شيء من التقليد البلدي الفولكلوري والزجلي المحلي، الذي لا يخلو من العنف في مناسبات وأوقات كثيرة موضعية. وذلك قبل ظهور الجماهير "الطائفية" المقتلعة من ديارها ومجتمعاتها وجماعاتها وعلاقاتها البلدية المحلية، وانتشارها وتكدّسها وتذرّرها في مدن الساحل وضواحيها، وخصوصاً في العاصمة بيروت. وقد يكون ذلك التذرّر الجماهيري هو ما أدى إلى نشوء نوع جديد من حبّ الجماعات اللبنانية لزعمائها في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى اليوم.

ومن نماذج هذا الحب المختلفة والمتباينة، حسب الجماعات والزعماء:

- حب السوريين القوميين الاجتماعيين لزعيم حزب أمتهم السورية الجغرافية والخرافية، أنطون سعادة الذي كان يسمي نفسه بنفسه الزعيم، في رسائله المهجرية لرفاقه في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. وكان رفاقه ورهطه، كلما التقى اثنان منهم أو أكثر واجتمعوا في أي مكان، يندهون: تحيا سوريا، يحيا الزعيم.

- حب المسيحيين الجارف، وخصوصاً الموارنة، للزعيم والرئيس كميل نمر شمعون. وهو حب كان ينطوي على شيء من الشخصانية لنجوميته الذكورية الشبيهة بعبادة الجماهير نجومَ السينما والطرب في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

- حب الكتائبيين، محازبين وأنصاراً، شباناً وأهلاً، لمؤسس حزبهم وزعيمه، الشيخ بيار الجميل. وكان الشعار الكتائبي الشهير: "الله، الوطن، العائلة"، ثالوث ذلك الحب الحزبي والزعامي والأهلي.

- حبّ الجماهير المسلمة، وخصوصاً السنية، حباً ملتهباً لإطلالة قائد الأمة العربية المعلم الملهم، جمال عبد الناصر، وصوته الرخيم وخطبه الطربيّة، أثناء شيوع الراديو شيوعاً جماهيرياً كاسحاً وعبادة نجوم السينما ونجماتها في الخمسينات والستينات.

- عبادة المسيحيين الصوفيّة الصاعقة للشاب بشير الجميل، مؤسس ميليشيا "القوات اللبنانية" وقائدها الناري العاصف في منعطف الحرب الأهلية - الإقليمية بين نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن العشرين. وقد لا يضاهي حب المسيحيين المقصوف أو المجهض لبشير الجميل، في لحظة تجلّيه واكتماله، حبهم لأي لزعيم مسيحي آخر.

- وقد يكون ميشال عون آخر زعيم يحبه المسيحيون حباً جماهيرياً. ومن خصائص حبهم إياه أنه اغتصبه منهم اغتصاباً، فجأة وعلى حين غرة منهم به، وفي لحظة مأساوية داهمة. وذلك عندما كان عون قائداً للجيش اللبناني، واستدعي ليصير رئيس حكومتهم العسكرية في القصر الجمهوري، بعدما أنهكتهم الحروب، وصار حبهم لقائد ميليشيا "القوات اللبنانية" سمير جعجع مرهقا ومكلفاً وثقيلاً عليهم. وليبقى في قصره الجمهوري ويتشبث به، وعدهم جنرال خديعة اللبنانيين، والمسيحيين خصوصاً، بالخلاص من الميليشيات والحروب والاحتلال الأسدي، حتى آخر رجل من لبنان. ثم فرّ من القصر وترك لبنان والمسيحيين لقمةً سائغة لاكتمال ذاك الاحتلال. ومن فرنسا استمر الجنرال يدغدغ آمال المسيحيين المحبطين وأحلامهم بالخلاص، متلاعباً بمشاعرهم وعواطفهم وفجيعتهم على موائد الصفقات الإقليمية، حتى استعاد القصر الجمهوري، عنوة أو بالخديعة. ثم راح يعمل على توريث القصر لصهره الذي فاجأته حركة 17 تشرين الأول 2019 الاحتجاجية على غرام الجماعات بزعمائها النهّابين، فهشمّت الانتفاضة بعض صلفه. لكن هذه المفاجأة زادته هياماً بالقصر، وإصراراً على احترافه كلام الخديعة المهذار للوصول إليه.

- في الطائفة الشيعية هناك أنواع ثلاثة من الحب الجماهيري المذهبي الصافي لزعمائها: الحب الديني، الجماهيري والمذهبي، الذي أسسه إمام "حركة أمل للمحرومين" السيد موسى الصدر. وهو رائد هذا النوع من الحب في طائفته، والذي جعل شعاره "السلاح زينة الرجال" لتخليصها من الحرمان والضعف والهوان. وأنشق ذلك الحب الصدري إلى حبين: حب إلهي لسيد السلاح والحرب الخمينيين الإيرانيين المقدس، والذي ليس كمثل حبه إلا الحب الإلهي لسيد الشهداء في كربلاء.  أما الحب الشيعي الآخر، فدنيوي وصولي لمن يريد رهط محبيه الدنيويين حذف حرف الهاء من اسمه ليصير نبياً.

لبنان في مرآة الحريرية
يبقى رفيق الحريري. وقد يكون للحب الذي حظي به الرجل بين أبناء الجماعة أو الجماعات السنية اللبنانية خصوصاً، ولحب اللبنانيين له على وجه العموم، ولكراهيته المبيتة والصريحة بين المسيحيين العونيين والشيعة - وهي كراهية تنطوي على شيء من حب مكتوم وحسد كظيم - قد يكون لهذا كله قصة من أعقد أنواع قصص اللبنانيين في حبهم وكراهيتهم لزعمائهم.

فحب السنّة اللبنانيين للحريري، رجل إعادة الإعمار والبناء ما بعد الحرب، حبّ دنيوي بطيء، كعادة السنّة دائماً في حبهم زعمائهم المحليين. وهو على خلاف ذلك الحب العاصف والملتهب الذي منحوه لقائد أمتهم العربية المتخيلة جمال عبد الناصر. فالحريري، مستوعباً نكبة السنّة في الحرب مع عروبتهم الفلسطينية، ومع تسليمهم وتسليمه على مضض للعروبة الأسدية الجوفاء، سمّى عروبته في المعادلة اللبنانية ما بعد الحرب، "عروبة الاعتدال". وعروبة اتفاق الطائف الحريرية هذه، أنقذت السنة من ضياعهم في معمعة الحروب الملبننة، وأنشأت لهم كياناً وازناً يضاهي في لبنان صدارة الكيان المسيحي الذي دمرته العروبتين الفلسطينية والأسدية.

وبقدر ما أحب السنة اللبنانيين الحريري، منقذهم وباني كيان عروبتهم اللبنانية الجديدة المعتدلة، حقد عليه المسيحيون عموماً وكرهوه. أما الشيعة فنفروا منه نفوراً بارداً، سرعان ما حولوه إلى عداوة ثأرية محمومة منه. وذلك بعدما حاصرهم اغتياله المدوي بلبنانية اللبنانيين الذين مكّنهم الاغتيال من الخروج على الطاعة الأسدية. وهي الطاعة التي يعبدها الشيعة الخمينيون وشيعة "حركة أمل"، قدر ما يعبدها المسيحيون العونيون المقيمون على الخداع والضغينة، عنوان مذهبهم "السياسي" الوحيد في الحرب والسلم، وفي حبهم جنرال الخديعة الدائمة.

هل الحريرية - بهشاشتها واعتدالها وتأرجحها، بمقايضاتها وصفقاتها وتسوياتها الدائمة، بتقيّتها واعتمادها الرشوة سبيلاً لشراء السكوت عن مقايضاتها وصفقاتها، ولدفع الأحقاد والضغائن والمهانات والعداوات والحسد عنها، وباغتيال مؤسسها وما أحدثه اغتياله، وبمصير إرثها ووريثها - هل الحريرية في هذا كله تجسيداً أو مرآة لمأساة لبنان ما بعد الحرب واتفاق الطائف؟

مرض الحبّ السياسي
كيف يمكن للحب أن يكون سياسةً أو سياسياً، وهو نقيض السياسة؟

إنه شأن خاص، بل أشد الشؤون خصوصية والتباساً وغموضاً. فيما السياسة شأن عام، بل الشأن العلني العام بامتياز، ودائرة العلانية العامة الجامعة. ومهما كان حال الحب في السياسة، أو الحب السياسي، ومقداره وموضوعه، هو ليس سوى مرض عضال.

مرضُ مجتمعات نشأت السياسة والدول فيها، قومية ووطنية، على ضروب متناسلة من الولاءات والشِّقاق والعداوات والأهواء التي تمزج بين الحب والكراهية.

والدولة اللبنانية المعاصرة نشأت على النحو والمثال هذين. لكنها، على خلاف الدولة الأسدية في سوريا والصدامية في العراق، لم تكتم الولاءات والشِّقاق ومزيج الحب والكراهية بين الجماعات، ولا محتها بالحديد والنار والقتل والاغتيال.

وحتى حينما أخذه شِقاق جماعاته وتنافر ولاءاتها، إلى حروب مديدة مدمرة، عاش لبنان الدولة والمجتمع حروبه المتناسلة، على خلاف حروب الدولة الأسدية والصدامية التي نصّبت للأمة المزعومة زعيماً أو قائداً واحداً أوحد لعبادته بلا هوادة ودون سواه، إلى الأبد وحتى الإبادة.

وعندما احتربت الجماعات اللبنانية والفلسطينية في لبنان، كان لسوريا الأسد وعراق صدام حسين وليبيا معمر القذافي أسهماً راجحة في حروبها الملبننة. وهي حروب تنقض السياسة، شأن الحب والكراهية اللذين يحولان السياسة إلى حروب إبادة.

وكان جمال عبد الناصر سباقاً إلى مثل هذا المركّب اللاسياسي للسياسة القائمة على حبّ الملايين وعبادتها إياه.

لكن على الرغم من بؤس مصر والمصريين منذ عبد الناصر وحتى اليوم، فإن الناصرية في مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق، وعلى الفلسطينيين، كانت أرأف بأشواط لا تقاس من الأسدية والصدامية على هذه البلدان وشعوبها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها