آخر تحديث:00:02(بيروت)
الإثنين 10/02/2020
share

من حركة الشارع إلى ثبات خيمه

أحمد جابر | الإثنين 10/02/2020
شارك المقال :
من حركة الشارع إلى ثبات خيمه لعبت الخيام الثابتة دوراً في السياق الذي أراده لها "المخيمون" (علي علّوش)

اجتماع الشارع الشعبي على عجل، أملاه الإجراء الرسمي الضريبي على وسيلة التواصل الاجتماعي، وإذ فاجأت الإستجابة للاحتشاد طليعة المتحركين، فإنها فاجأت أيضا المستويين الشعبي والرسمي بكافة أطيافهما، لجهة سرعة التحرك ولجهة زخم تدفقه الذي ملأ الساحات. تشكلت الحكومة اللبنانية، وهي في انتظار ثقة مجلسية مضمونة. البيان الوزاري المرتقب سيحدد السياسات العامة للتشكيلة السلطوية، وإذا كان من غير المتوقع انقلاب التشكيلة هذه على ذاتها، إلا أنها باتت في موقع الاضطرار التجميلي، بعد أن أخرجت ما في جعبتها من قبح إدارتها السياسية.

الطليعة طليعة المشهد
وسمت الحركية العالية باكورة المشهد الشعبي، ومن دون سابق تصور وتصميم، كانت تلك الحركة التلقائية ذات الحركية المتوترة، مطلوبة موضوعياً لكي يكون لفعل الفجاءة وقع الصدمة على الحاكم، وليكون له وقع الصيحة الداعية إلى النهوض على المحكوم... للوهلة الأولى أمسك الشارع المتناثر بزمام المبادرة، ثم بات الشارع مترامي الساحات فأمسك بمفاتيح الفعل والانفعال، مستخدماً في ذلك لغة الجسد، وتطويع اللغة، وفرض الإيقاع التصاعدي في ساحات التجمعات الشعبية. كان الهتاف أقرب إلى العجلة، وقليل الصلة بسياسية الهتاف الذي رفعه صوت الحركة الشعبية في محطة ماضية، كذلك كان "العنف" أوسع وأشمل مقارنة بعدد من المحطات الشعبية السابقة. العنف المشار إليه، لا يختزل بالرد على العنف السلطوي الرسمي والأهلي، بل يتوسع ليطال جملة من أساليب قطع الطرقات، واستهداف المصارف، وتهديد بعض رموز التشكيلة السياسية، تلميحاً وتصريحاً ومحاصرة مقار ومحاولة إلحاق الأضرار بها.. حيث تسمح الأوضاع وذات اليد بذلك.

انطوت تلك المسافة الحركية سريعاً، ومعها انطوت نقاط الانطلاق غير الممركزة، لتحل محلها مركزية تجمع وتجميع اتخذت إسم الساحات. هكذا بات "المركز" الشعبي الذي تشكل على عجل أيضاً، قطب الجذب، ومساحة التقاء القدرات، ومرجل التفاعل بين المكونات، ومنبر إعلان المطالب والأهداف، والمسرح الذي تقدم فوقه مشهدية الغضب الشعبي لنقله بالصوت والصورة، إلى الشعب اللبناني في كل الأرجاء، وإلى كل " العالميين" الذين تستهويهم عادة إعلان التضامن مع الشعوب. اجتماع الفعل والإعلان والإعلام وسرعة الانتشار واتساع مداه.. من العوامل التي توسّمت فيها الطليعة بشائر نجاح وقد صار لها "جيش" من المحتشدين، في المركز اللبناني في العاصمة بيروت، وفي بقية مدن الأطراف.

من الحركية إلى الثبات
التجميع الذي كان ضروريا لحشد القوى ولمركزة القوة، يشكل أداة ضغط شعبية في حسابات المنخرطين في مواجهة القوى وتوازناتها. ففي سياق المقولة المعروفة "التهديد بالقوة خير من استعمالها"، ظن الجمع الذي اجتهد في حشد عديده "وعدته"، أن رسالة التهديد قد وصلت للمتحكمين بإدارة السياسات الوطنية، وأن الحشد الذي ما زال ينطلق من الحركة، يمتلك جاهزية الثبات في المكان، ليكون على تماس مباشر مع نقاط "ثبات" السلطة، وليكون في وضعية الاستعداد من ثباته المرن، ليزحزح السلطة الثابتة في جمودها وفي انغلاقها على حيوية الحركة الشعبية، وعلى شرعية وواقعية ما ترفعه من مطالب.. في المواجهة بين ثابت دائب الحركة شعبياً، وثابت جامد يمارس الانتظارية رسمياً، نصب أبناء الحركة الشعبية الخيام، فكان في ذلك الأسلوب إيحاء بانتزاع مساحة حرية من السلطة الطائفية التي تصرفت وكأنها المالكة الحصرية لكل المساحات، وكان في الإجراء بعد تقديم مثال ونموذج عن كيفية إدارة الحيز المكاني عندما تشغله "سلطة" شعبية لا صفة لها إلا الشعبية، وكان في التصرف الثباتي معنى الاندماج الوطني الذي يجمع اللبنانيين على أساس وحدة مصالحهم وليس على أساس تفرق وفرقة مذاهبهم.. أما المعنى الجامع الذي يخترق سلسلة تلك الإشارات والمعاني والإيحاءات، فهو إبلاغ من يعنيهم الأمر في النسق الرسمي، أن الحركة الشعبية التي نصبت خيامها لتكون"بيتا بمنازل كثيرة"، مصممة على الثبات خلف مطالبها، وأن ملأها للمكان الجغرافي وللزمان السياسي الاجتماعي، يشكل إيذانا بانطلاق عملية شعبية ديمقراطية، طويلة النفس، وشديدة الإصرار، وثابتة الخطى، وواضحة الأهداف، ومرنة السياسات والأساليب والصيغ التنسيقية التي يقتضيها تعرج مسار الحركة الشعبية.

الثبات وقد صار ثباتاً
لعبت الخيام الثابتة دوراً في السياق الذي أراده لها "المخيمون"، فكانت مراكز لقاء ونقاش وتثقيف وتخطيط عملاني ونقاط انطلاق تحركات فرعية... هذا الدور ما لبث أن بدأ بالمراوحة فالتراجع، تزامنا مع مراوحة دينامية الحركة الشعبية وتراجع زخم اندفاعتها.

تضافرت عناصر عديدة في بنية المراوحة والتراجع توزعت على مستويين، الأول بنية الحركة المشاركة في اليوميات الشعبية، والثاني الدور التجاهلي والتلفيقي الذي احتمى خلف جدرانه أقطاب التشكيلة السياسية، أسماءً ورموزاً ومؤسسات رسمية.

شعبياً، شهرت جمعيات كثيرة سيف العداء لمسألة تنظيم التحرك، وساقت حجج وتبريرات تتنافى مع المنطق السليم الذي تفترضه مهمة قيادة عمل شعبي سياسي في الشارع، تسكنه السياسة من حرفه الأول إلى جملته الأخيرة.. كان من شأن ذلك أن يسمح بممارسات لا صلة لها بأصل الاجتماع الشعبي، وأن يسمح بتقدم جمعيات وقوى إلى الواجهة، لا تقيم صلة ود مع المطالب الشعبية، ولا مع اجتماع وانتظام أبنائها، وتسعى أيضاً إلى تخريب هذه الحركة بشعبوية مدروسة، وبتلفيق سياسي موصوف..

على غياب التنظيم هذا، ترتبت عشوائيات سياسية وأسلوبية وخطابية وعملية.. مما أفقر المبادرة الشعبية التي كانت للتحرك في أسابيعه الافتتاحية، ومما وضعه في موقع المراقب الذي ينتظر الفعل الرسمي، ليبني عليه رد فعله في حركة اعتراضية متأخرة.. هكذا وتباعاً، بدأ زمام المبادرة ينتقل من الشارع إلى أصحاب المناصب الرسمية، من استقالة حكومة سعد الحريري إلى كل سيرة المشاورات الملزمة والتكليف والتأليف.. إلى بقية المعلومات التي تترى على شاشة اليوميات اللبنانية.

والحال ما جرى ذكره، انتقلت الخيام من دور إلى دور، وبدل ثباتها، أي رسوخها في حيز الصمود الصراعي بكل أبعاده، صار ثباتها دليلا جغرافيا تذكيريا هادئا يهمس أن " جمعا" قد مر من هنا..

لماذا الخيام؟
طرح السؤال حول الخيام يفرضه نقاش الدور الذي كان لها، وتبيان ما الباقي منه بقاء مجدياً، وعرض الأسباب التي تدعو إلى استمرارها منصوبة، وتلك التي ترى نفعاً في طي "قماشها"، بعد اقتراح " قماشة" أساليب عملية بديلة.

قد يكون مفيداً العودة إلى أسلوب اعتماد التحركات المناطقية، والتوافق على تحرك مركزي دوري بفاصل زمني محدد بين كل تحرك وآخر، هذا يعني أن الحفاظ على الحركة المطلبية بكل أبعادها يظل هو الثابت، ويكون التنويع في الأساليب والصيغ هو المتغير التي تمليه ضرورات وظروف وتطورات الحركة الشعبية.

تكراراً: السؤال ليس سؤال الخيام، بل هو السؤال عن أحوال ساكنيها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها