آخر تحديث:15:19(بيروت)
الأربعاء 09/12/2020
share

"النادي العلماني" كمانع للهجرة؟

يوسف بزي | الأربعاء 09/12/2020
شارك المقال :
"النادي العلماني" كمانع للهجرة؟ "الاقتراح" المبهج الذي أظهره طلاب الجامعات الخاصة هل يمكن تحويله إلى مثال وطني غالب؟ (عباس سلمان)

إذا كان من الصعب تخيّل الحزب الشيوعي مثلاً هو الذي سيمشي خلفه اللبنانيون، طمعاً بالإصلاح والتغيير، فإن الأصعب من هكذا مشهد هو أن يقتنع المسلمون اللبنانيون بتسليم البلد لجبران باسيل لقيط "المارونية السياسية" الآفلة. أما المسيحيون الذين حصدوا من "تفاهم مار مخايل" الإفلاس السياسي والاقتصادي، فليسوا مستعدين لمنح "لبنانهم" إلى حزب الله، وإن لم يبق منه الكثير. وحزب الله نفسه انتهى إلى قطيعة عميقة مع سائر الجماعات الطائفية، بما يمنع ترتيب أي صيغة توافقية لحد أدنى من الإصلاح والتغيير.

على هذا، يمكن فهم العجز المستفحل في إدارة الجمهورية، أو حتى في إقناع أي أحد أنها ما زالت "جمهورية".

ومن الواضح أن تنظيم جبهة سياسية واسعة تطرح تصوراً ما للخروج من هذه الورطة الوجودية، على غرار "الجبهة اللبنانية" مقابل "الحركة الوطنية"، أو "14 آذار" مقابل "8 آذار"، متعذر جداً في واقع سياسي ليس في رصيده فكرة وطنية جامعة ولا حتى وعداً واحداً. والأوضح، أن القوى التي تصادر السياسة والسلطة تحولت إلى "طغمة" يبدو استئصالها مجازفة بقتل البلد نفسه، على ما أقنعنا به حزب الله أو حتى حزب طلال إرسلان..

قبل عام كان عطب حركة 17 تشرين استعصاءَ تحويل الغضب إلى "برنامج". سؤال ما بعد التظاهرة كان أبكم. طرحه كان كفيلاً ببعثرة الجمهور. ولذا، حلّ الفراغ في الفضاء العام وتحول الغضب إلى إحباط مضنٍ لا يوازيه قسوة سوى وقائع الانهيار الذي نعيشه محاصرين بكماماتنا وعزلاتنا العميقة.

في المقابل، تبين أن "المنعزلات" الطائفية-المناطقية، التي تترجم نفسها حصوناً أهلية وسياسية وحزبية، أخذت جمهورها أو رعاياها إلى الإدقاع واليأس والعصبيات القاتلة، بعدما تناوبت كل جماعة منها على نهش الدولة الجامعة وتدميرها.. وكان المسار المأسوي أن انتهى إلى تفجير الحيز الوطني المشترك أو الفضاء العام الذي يحتضن الكتلة المدنية. انفجار مادي تجسد بتدمير ثلث العاصمة على الأقل. ونتج عنه تغير عمراني وسكاني وثقافي أشبه بزلزال عام 55 قبل الميلاد الذي دفن بيروت لمئات السنين. وهذا الأمر لم يدرك اللبنانيون فداحته بعد.

صحيح أن الحياة لم تنعدم، وصحيح أيضاً أن "انضباطاً" عاماً يحول حتى الآن دون الفوضى، لكن على طريقة مولد كهرباء في الحيّ بديلاً عن شركة كهرباء لبنان، أو "القرض الحسن" بدلاً من القطاع المصرفي. أي أسوأ مما هي حال قطاع غزة، رغم إنكارية نعمة افرام الفظة والمريعة في تعبيرها، الذي جعل فكرته الصائبة فكرة مقيتة (كعادة اليمين المسيحي).

إزاء شبح النهاية وطيفها المخيف، قد نظن أن "الاقتراح" المبهج الذي أظهره طلاب الجامعات الخاصة بتيارهم العلماني هو الأمل الحقيقي لبداية منعشة. بل هو شجرة الصواب الوحيدة في غابة الخطايا الشريرة. لكن هل يمكن تحويله إلى مثال وطني غالب، إلى طليعة تسير خلفها جموع اللبنانيين، إلى سياسة تصنع رأياً عاماً، إلى لغة يتكلمها اللبنانيون؟

البهاء القديم لـ"التجربة اللبنانية" كان دوماً صنيع تلك الكتلة التاريخية المدنية، أي ذاك المجتمع المتكون من أفراد، خرجوا إلى هذا الحد أو ذاك من عصبيات أهلية أو طائفية، إلى مساحة أمنّها لهم "النظام اللبناني" ودستوره. وفي تلك المساحة كان بوسعهم تأليف جمهورية وعاصمة ولغة وثقافة وفضاء مشتركاً وتجربة حياة حرة. بل وكان بوسعهم "النضال" والاعتراض، وأن يكونوا "نخبة" ترتسم مثالاً يهتدي بها السكان وينشدّون إليها. لقد صنعوا صورة لبنان وديناميكيته، بيساريتهم ويمينيتهم، وبليبراليتهم الاجتماعية خصوصاً.

هذا بالضبط ما يبدو ممتنعاً عن التحقق اليوم. التخريب العميق والمديد الذي اقترفه النظام السوري في لبنان، والانحطاط الذي جذّر الطائفية السياسية ونصّبها هوية وحيدة، والانشقاق العنيف والواسع الذي رسّخه حزب الله عن "الجمهورية"، يحيل تلك الكتلة المدنية إلى مشروع اعتزال وغربة، كما لو أن هؤلاء الطلاب هم الجيل اللبناني الأخير.. ما قبل الهجرة.
كم أتمنى أن أكون مخطئاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني