آخر تحديث:00:02(بيروت)
الخميس 31/12/2020
share

سنة "غرام وانتقام" الزعماء العتاة الطفيليين في الهُوّة اللبنانية

محمد أبي سمرا | الخميس 31/12/2020
شارك المقال :
سنة "غرام وانتقام" الزعماء العتاة الطفيليين في الهُوّة اللبنانية بلد الترمُّل المفاجئ في سنة واحدة (دالاتي ونهرا)
نبدأ، أولاً، بالشكر والامتنان لحامل الصلبان المتألّم في هُوّتنا اللبنانية. فهو من استعاد عنوان ذلك الفيلم المصري الميلودرامي العتيق: "غرام وانتقام"، لتشخيص خيبته ومأساته مع مغرومه وغريمه اللدود في ما سمي "التسوية السياسية".
****

ولنبدأ، ثانياً، من نهايات هذه السنة، بمونولوغ مستوحىً من مشهدٍ عابر لذاك المتجر الفخم قرب كنيسةٍ في القنطاري. واجهات المتجر الزجاجية فسيحة، وكريستالية تتلألأ مشعشعةً بفساتين أعراس كرنفالية زاهية في المساء. وفي مرورنا العابر أمام تلك الواجهات في أمسيات سبقت بيومين أو ثلاثة ليلة الميلاد، لَفَتنا الزهو الكرنفالي الكريستالي للواجهات والفساتين.

من يُقدِم على الزواج في هذه الأيام، ويقيم عرساً لمثل هذه الفساتين، على قدر هذه الفساتين؟! من لديه/ها الجرأة والطاقة والفأل الحسن والأمل كي يبصر أو يتخيل أو يتوقع غداً أو مستقبلاً لحياته مع شريك ولطفلٍ ربما، في هذه الهُوّة التي سقطنا ولا نزال نسقط  فيها منذ أكثر من سنة؟ّ! تساءلتُ، وفجأة قلت: لا أحد يدخل إلى هذا المتجر. لا أحد يفكر أن يتزوج في هوّة، سوى أولئك القلة من الطفيليين الذين يرغبون في تزويج أبنائهم وبناتهم لتتسع وتتعمق الهوة، فيورّثونها لأولادهم وأحفادهم، وكانوا يدركون ولا يهمهم أن البلاد تسقط فيها.

هوة هي حاضرٌ بُتِرَ ماضيه، وبلا مستقبل. ومثل هذا الحاضر الدائم هو الجحيم بعينه، يقول الروائي ميلان كونديرا.

متجر أعراس معلقة فساتينها في الفراغ، في خواءٍ متحفي، ويستعير من الماضي المبتور والممحو زهواً خلبياً يجعل الفساتين البهيّة فزّاعاتٍ أو غرباناً في بلاد القحط والجدب، وتنبئ العابرين بالفزع والغربان.

كأنما هذا المتجر الذي استعاد شبابه وزهوه بفرح الحياة واحتفالات الزواج والولادة، في بلدٍ اختتم ترمُّلَه بانفجار مرفأ عاصمته، يشبه تحفةً جنائزية عقيمة، بعدما قتلَ ذلك الانفجارُ وعصفُه الزلزالي مئاتٍ وجرح ألوفاً وشرّد مثلهم بصمتٍ تقريباً. صمتٌ لا تقطعه سوى تلك الاعلانات التلفزيونية العقيمة عن ورش الترميم الحزينة في الجميزة ومار مخايل شبه المهجورتين إلا من أرامل ومسنين عاثرين ومقطوعين، ومن حملات الإعاشة التي تكاثرت في عيدي الميلاد ورأس السنة.

إنه بلد الترمُّل المفاجئ في سنة واحدة. أو بلد ساقه إلى الترمل زعماءٌ عتاةٌ طفيليون تمرسوا في حروب خرجوا منها جميعهم منتصرين. ثم وُهبت لهم البلاد وأهلها جائزة ترضية ليتناهبوها برضى أهلها شبه السادرين حتى القحط والإفلاس. زعماء شاخوا وبلغوا من السن عَتيّه في الزعامة والعُظام البليد. منهم مَن ورث المجد عن أهله ونسَبِه، ومنهم من خرج من الحضيض وصنع المجد بنفسه في الحرب ومقاتلها، فطُوّب زعيماً في أهله وجماعته التي هتفت مديداً باسمه ولبطولاته. ومنهم رئيس هذا البلد الأرمل، الذي حلم بالمجد منذ فتوته. وها هو الدهر والسن لم يبقيا منه سوى ذلك العُظام الغرباني، أحقاده وثاراته التي يسميها وعداً بالخلاص.

والبلد هذا كانت حوادثه العمومية كلها ولا تزال، رغم شدة عموميتها وعلنيتها، تدبُّ في غموضٍ عظيم أشدُّ من غموض أعمال المافيا. فكيف، إذاً، يمكن امرءٍ ألا يتطيّر حينما يبصر مثل ذاك المتجر لبيع فساتين الأعراس في المدينة المترمِّلة، فيقول: إنه متجر لتبييض الأموال؟!
****



ونُسِيت تلك الحادثة العابرة في 3 تموز 2020، التي قد تصلح حدثاً ختامياً لانتفاضة 17 تشرين 2019: انتحار رجل بمسدس أمام مسرح المدينة على الرصيف في شارع الحمراء، وانتحار شخص آخر شنقاً في غرفة بائسة بوادي الزينة، ومحاولات كثيرين حرق أنفسهم علناً وسط جموع آخر المنتفضين المحبطين.

ونُسِيت أيضاً تلك الدعوات البلهاء التي صدقها كثيرون، وبينهم بعض ناشطي المجتمع المدني: العودة إلى الزراعة الجنائنية في الأرض البائرة حول البيوت في الأرياف والقرى التي عاد إليها كثيرون هرباً من الإقفال العام جراء الخوف من تفشي وباء كورونا، ومن الحجر في بيوت المدن الضيقة الخانقة. أما سيد الأرض والسموات، وصاحب الظهورات التلفزيونية كلما دعته الحاجة لتبليغ عبيده رسائله العصماء، فسماها الجهاد الزراعي، في "أرضٍ كلُّها كربلاء وكل يوم (عليها) عاشوراء". وزراعة النبات بعد الإفلاس والنهب المصرفي والسلطوي الحكومي، صنو "زراعة الشهداء" حتى قيام الساعة في أرض حاضر أبدي، بُتِر ماضيه وصار مستقبله أكذوبة خطابية وإعلانية بلهاء مثل الجهاد الزراعي.

وكان رئيس المجد العظامي قد اختتم سنة 2019، واستهل سنة 2020 باحتفالاته بمئوية لبنان الكبير الذي راح يتفكك ويصغر ويتشظى، حتى لم يبقَ منه سوى ذلك العظام الغرباني. أما صهره الراقص طرباً مثل كلماته في كل مناسبة، فارتدى ثياباً رياضية وحمل معولاً راح يجاهد به زراعياً قرب فيلته في منتجع اللقلوق، وبث صور جهاده هذا على فيسبوك وانستغرام. هذا فيما نائب ووزير في رهط الصهر الرئاسي، أخذته الغيرة من عبقرية رئيسه الإعلانية، فأعلن داعياً أهل الأشرفية وسكانها إلى اقتناء أقفاص في بيوتهم لتربية طيور الفرّي فيها، فتبيض لفطورهم الصباحي بيضاً كامل الدسم من انتاج محلي، بدل الاعتماد على الاقتصاد الريعي الكريه. وهكذا يجاهد أهل الأشرفية جهادهم الزراعي.
****



لكن انتفاضة 17 تشرين 2019، كانت لها امتداداتها في العام 2020. واحدة من تلك الامتدادات الكثيرة تلك التظاهرة النسوية التي تجمعت صباياها الناشطات أمام المتحف، فسرن في طريق الشام نحو ساحة الشهداء هاتفات: لا منخاف ولا منطاطي/ كورونا عَ صباطي. وكان وباء كورونا قد بدأ ينشر ذاك الخوف الغامض.

ومن الامتدادات المشهودة للانتفاضة المرهَقة، تظاهرات صبيحة نهار نيل حكومة حسان دياب الثقة في المجلس النيابي. وما أدراك بحسان دياب السادر الشبيه برفاق كيم إيل سونغ، بشعره الكثيف المصبوغ وعينيه النجلاوين وكلماته المتخثرة.

وكان ثائرو/ات الانتفاضة يريدون إقفال الطرق على النواب، كي لا يصلوا إلى البرلمان ويثقوا بحسان دياب. وكانت التظاهرة الأعنف، أو التي تلقت العنف، على جسر فؤاد شهاب على حدود زقاق البلاط.

أذكر مشهداً من تلك التظاهرة: رجل سبعيني يائس من السياسة والعمل النضالي والتغيير السياسي، رافق ابنته الثلاثينية إلى التظاهرة. ووسط الكر والفر وجولات العنف الذي يراه مجانياً وبلا طائل ولا معنى، لم تشأ ابنته مغادرة المكان. ولما استبدت به موجة عاصفة من ضجرٍ وشعور باللاجدوى وغضبٍ مفاجئ وشبه مجنون، هجم راكضاً مسعوراً في اتجاه رجال الأمن. فركضت خلفه ابنته وأمسكت بثيابه وجعلت ترجوه أن يهدأ. لم يهدأ، لكنه استجاب رجاءها، فتراجعا معاً، وخرجا من حشد المتظاهرين إلى مدخل بناية قريبة. وجلس الرجل على حافة اسمنتية منخفضة مختنقاً بنوبة غضبه، وغير قادر على الكلام، فراحت دموع ساخنة تسيل من عينيه.

يستحيل تفسير تلك الدموع، إلا في رواية مستحيلة، أو تحتاج كتابتها إلى سنوات لردم تلك الهوة الكبيرة والسحيقة وسوء التفاهم بين الأجيال في بلاد بلا تاريخ وسقطت في هوة حاضرٍ دائم، وشاء رئيسها العظامي، أن تكون سنة 2020 احتفالات بمئوية تأسيس دولتها الحديثة. احتفالات بوعيه التاريخي الذي لا يتجاوز كتب التاريخ المدرسي في المرحلة المتوسطة. ولم يجد مفتَتَحاً لاحتفالاته سوى صبّ غضبه الكؤد شبه الطفلي على الاستعمار التركي، كي يغيظ رئيساً عظامياً مثله يريد أن يستعيد عظمة إمبراطورية الباب العالي في اسطنبول.
****



وماذا أيضاً عن سنة الهوة اللبنانية في سنة 2020؟

لا يزال صُنّاع هذه الهوة مشغولين جميعاً في تشكيل حكومتهم لترث حكومة الشبيه الكاريكاتوري لأشباه كيم إيل سونغ. ويقول متسقطو أخبارهم المياومون إنهم يتراشقون بأسماء وزرائهم. ويقولون أيضاً إن أحدهم يسرق أسماء اقترحها آخر لتكون من حصته الوزارية. وعندما يتعذر على هذا أو ذاك منهم نصب مكيدة يوقع فيها أنداده، يفتعل مشكلة أخرى إدارية أو قضائية أو مالية مثيرة، يروح المنشغلون بأخبارهم يروّجونها بوصفها تشدّ عصب هذه الجماعة الطائفية أو تلك، وسوف تؤدي إلى صدامٍ طائفي. والأرجح أن كلاً منهم بين خواصه ومواليه يقهقه مسروراً متهكماً في خلفية المشهد أو كواليسه.

وعندما جاء الرئيس الفرنسي بعد انفجار مرفأ عاصمتهم، وراح يقرّعهم في مؤتمر صحافي قال فيه كلاماً غريباً غربة تامة عن متعارف الحياة السياسية في الهوة اللبنانية، الأرجح أنهم قهقهوا متهكمين أيضاً من براءته، ووافقوه الرأي جميعاً متقنِّعين بقناع البراءة إياها، مدركين أنها كلام أفلاطوني في السياسة يتكفل الوقت بمحوه ما أن يدير الرئيس الشاب ظهره ويعود إلى بلده.

وجاءتهم العقوبات الأميركية على وزيرين من بطاناتهم في حكومة سابقة، أولاً. ارتعدت فرائصهم وجلاً وطرباً. كتموا الوجل وأظهروا الطرب الذي أعلنوه ولاءً لسيد الجهاد الزراعي والتوجه شرقاً، نحو سوريا الأسد وعراق الحشد الشعبي ويمن جماعة أنصار الله الحوثية، وصولاً إلى الصين. وقالوا إن العقوبات الأميركية أوسمة على صدورهم، وهيهات منا الذلة.

وأذِن سيّد الجهاد الزراعي لمفاوضه في الشؤون الدولية بأن يُخرج أرنباً من كمِّ سترته ليُشغِل به رئيس الديبلوماسية الأميركية وعقوباتها: إعلان الموافقة على ترسيم الحدود البحرية النفطية بين لبنان والعدو الصهيوني. وفي الأثناء كرّت موجة التطبيع مع ذلك العدو، خليجياً وسودانياً ومغربياً أخيرأ. ولا أحد يعلم لماذا توقفت تلك المفاوضات. ففي الهوة اللبنانية التي تتعمق يوماً بعد يوم تزداد القرارات سريةً وغموضاً، مثل غموض اختتام الأيام الأخيرة من سنة 2020  باغتيال جو بجاني فجراً أمام بيته في الكحالة. وقد يعاقبُ عقاب البجاني من يعلم شيئاً ما عن ذلك الغموض ويكشفه، لتظل الدولة وطنية ومقاوِمة، وأهلها رعايا يصدّقون ما يُتلى عليهم من الآيات البينات.

وأذيعت عقوبات أميركية جديدة على حامل صلبان النضال والحق والخلاص، فجدّد حمله الصليب وأطلق لحيته، بعد حمله معول الجهاد الزراعي في  شهر تموز في اللقلوق. وجدّد المصلوب عدّته الكلامية بعد العقوبات عليه، فاستعار اسم فيلم مصري ميلودرامي عتيق: "غرام وانتقام". فحامل الصلبان لا  يتورع عن استعارة أي كلام من دون أن يدرك مصادره. وفيما هو ينتظر بفارغ صبره أن تنزل العقوبات على من قال إنه مغرمٌ به - وهذا على مذهب من جلس على ضفة نهر الضغائن والثارات، منتظراً أن يشاهد جثث أعدائه طافية على المياه - قال إن ذاك الناجي من العقوبات لا يبادله غرامه إلا بالانتقام. لكنه تكتم عن سرّ ذاك الغرام والانتقام: انهيار تلك الصفقة الوزارية والمالية بينهما في انتفاضة 17 تشرين التي فاجأتهما، فاضطرا إلى فضّها والخلاص منها، ليروح كل منهما يتسابق على تقديم ولائه لسيد الجهاد الزراعي.

ولا نهاية لـ"الغرام والانتقام" بين أساطين هوتنا اللبنانية وعُتاتها. فهذان المغرمان - المنتقمان هما من جيلها الثاني الجديد الذي يبدو أن حامل الصلبان يبزُّ جيلها الحربي الأول في طفيليته وتفاهته. وهذا دأب الآباء العتاة منذ أزمنة الحروب، وطوال الرعاية الأسدية الجبارة لغرامهم وانتقامهم في أزمنة ما بعد الحروب.

وربما علينا أن نسامحهم على أفعالهم كلها، ما داموا قد اقترفوها باسمنا ولأجلنا ودفاعاً عنا، في عزِّ تذابحنا طوال 15 سنة. وقد نكون نحن مثلهم منقادين إلى التذابح الغرامي والانتقامي، ولا نمتلك في ذلك زمام أمرنا وإرادتنا. وإلا لما استتب لهم الأمر علينا طوال تلك العقود من السنين التي يبدو أن لا نهاية لها بعدُ. ومن لا يعجبه هذا كله، فليهاجر، أو إلى جهنم وبئس المصير، قال رئيس العُظام والفصام، فيما هو يترنح في وقفته، جباراً أو مستعيداً جبروته في حروبه الخلاصية الأخيرة.
****



ومن يتذكر اليوم في نهاية هذا العام السفير مصطفى أديب؟ لقد مرّ السفير كطيف في محاولته تشكيل حكومة للذئاب في الهوة، وسرعان ما عزف عن الأمر، وهرب بجلده عائداً إلى المانيا.

ومن يتذكر تأجيل المحكمة الدولية إصدار حكمها في اغتيال رفيق الحريري، بسبب كارثة انفجار مرفأ بيروت؟ وهل يمكن الربط بين الجريمتين اللتين تفصل بين موقعهما مئات الأمتار و15 سنة، ودشنت الأولى بداية السقوط في الهوة؟

ومن يتذكر فتى عرب خلدة القتيل، حسن زاهر غصن، وقوْمَة العشائر التي تقول إنها عربية، على جبروت مسلحي جماعة هيهات منا الذلة وغاراتهم وانتقاماتهم؟

ومن يتذكر الهروب من بيروت وركامها بعد انفجار مرفئها وفي حومة تفشي وباء كورونا الصيفي، بحثاً عن خدر السلوى والسلوان من الصدمات المتلاحقة، هناك في البلدات الجبلية وعلى شواطئ المدن والبلدات الصغيرة، بعيداً من بيروت ومآسيها؟ ومن يتجرأ على القول إن ذاك الهروب عبثي وبلا طائل؟

ومن يتذكر الاحتفال الحزين واليتيم قرب ركام المرفأ في الذكرى السنوية الأولى لانتفاضة 17 تشرين؟

ومن يتذكر أن انتفاضة 17 تشرين اللبنانية تزامنت مع انتفاضات تشبهها وأوسع منها: في عراق الشحد الشعبي، وفي جزائر الرئيس المشلول وشبه الأبكم المُتَقنِّع به جيش تحرير الجزائر وعصاباته المافياوية السرية الأبدية، وفي سودان عمر البشير الملوّح بعصاه الديكتاتورية؟

ومن يتذكر أن سنة 2020 اختتمت نحو عقدٍ على الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن وربما البحرين؟ وذلك لتستعيد شعوب هذه البلدان بلدانها الضائعة وإرادتها، ولتصير شعوباً سياسية بعد عشرات السنين من التصحر السياسي، فإذا بذلك التصحر يحوّل الثورات والانتفاضات بلدان حروب أهلية، أو ديكتاتوريات عسكرية جديدة مقنّعة.

وفي لبنان هوة 2020، قد يكون حدثان كبيران في طليعة الكوارث التي قد لا تنسى: إفلاس الدولة والمصارف، وانفجار مرفأ بيروت. وقد نضيف إليهما وباء كورونا الذي لا بد أن يذكِّرنا بتلك الحملة الإعلانية الكاريكاتورية المصورة التي قام بها حزب الجهاد الزراعي لمجابهة الوباء. وحملته تلك للنجدة والإغاثة من كورونا أُعدّت وصورت على نهج استعراضاته الطقوسية الحربية ومثالها في كل مناسبة. وكان هدفها الاستعراض وإظهار القدرة على صناعة المعجزات المصورة.

ويصِرُّ أساطين الهوة وعتاتها على دفن انفجار المرفأ ودفن الإفلاس في تحقيقات إدارية على طريقة مشاحنات الغرام والانتقام. ونسي الجميع أن التحقيقات يجب أن تبدأ من سؤال: من أتى بالمتفجرات ولماذا أتى بها وخزّنها في عنابر المرفأ؟ أما أموال المودعين المصرفية التي تبخرت، فهناك من يفكر من أساطين الهوّة بأن تستمر حال المصارف على ما هي عليه، فيسحب المودعون أموالهم بالليرة اللبنانية في سنوات ثلاث أو خمسة أو أكثر، ويصرفونها، وكان الله يحب المحسنين، وعفا عما مضى.

وفي الهوة اللبنانية هذه اخْتَتَم مشهدٌ مريع سنة 2020: بعد خلاف وشجار بين لبنانيين ولاجئين سوريين بائسين كليهما، تداعى أفراد أو مجموعة من أهالي المنية قرب طرابلس إلى حصار مخيم للاجئين البائسين حصاراً ليلياً مسلحاً، فقطعوا التيار الكهربائي عنه وباشروا أحراق الخيم. وفي مشهد يضاهي الرعبُ فيه ما نزل بفلسطينيِّ "نكبة 1948"، وبالسوريين إياهم الفارين من مذابح نظام الأسد أيام الثورة السورية، فرّ لاجئو الخيم السورية المشتعلة قرب بلدة بحنين حفاة عراة وهائمين على وجوههم في عتمة البساتين نحو مدينة طرابلس.  

وقد يبشر هذا المشهد بما قد يؤول إليه "الغرام والانتقام" بين حطام الجماعات المتناثرة والمتذررة، ليس في لبنان فحسب، بل في البلدان المشرقية كلها: تحولهم منكوبين ومهاجرين ومهجّرين ومشردين ولاجئين بائسين، على غرار بقايا السوريين النازلين في مخيمات اللجوء على الأراضي اللبنانية.
****

أخيراً ربما علينا أن نفسِّر على نحو ما، ما نعنيه بالهوة التي سقط فيها لبنان واللبنانيون في العام 2020.

نستعير لهذا التفسير شخصية روائية تدعى تامينا في رواية ميلان كونديرا "كتاب الضحك والنسيان". وتامينا فرّت مع زوجها من براغ بعدما اجتاحتها الدبابات الروسية ربيع العام 1968 المسمى "ربيع براغ" الثوري التحريري الشهير الذي قتلته وأخمدته الدبابات.

وبعد موت زوجها في الغربة في مدينة صغيرة غرب أوروبا، وبعد 11 سنة من إقامتها وحيدة منقطعة وشبه صامتة في تلك المدينة الصغيرة، أرادت تامينا استعادة دفاتر مذكراتها التي تركتها في براغ، كي ترمم ذاكرتها وكيانها ومصيرها، ضد الضياع والصمت والنسيان. فهي في حياتها المنقطعة عن ماضيها كانت تعيش على غير هدىً، كأنها تطفو على قطعة من فلين على سطح الماء، ويتقاذفها الماء، بلا وجهة سوى ذلك الوراء، أي الذكريات التي تمَّحي في ذاكرتها. لذا أرادت استعادة دفاترها من براغ، كان لها كيان ومصير، وصارا خلفها وبعيدين. وكلما كان ماضيها ينكمش، يتضاءل ينحلّ ويذوب، كانت تامينا تتقلص وتفقد حدودها وذاتها ومصيرها.

وحدها دفاتر مذكراتها تمكّنها من أن تعيد بناء حوادث حياتها وتركيبها، لتكسب حياتها جدراناً وتصير المنزل الذي يمكنها أن تسكنه. وبلا تلك الدفاتر -الذكريات أو المذكرات، ينخسف ذلك المنزل مثل خيمة تحطمت أوتارها، ولما بقي لها سوى الحاضر، وتلك النقطة أو العلامة اللامرئية الضائعة، أي الفراغ الذي يتقدم ببطء نحو الموت.

لبنان مثل تامينا، انخسف في سنة 2020 وسقط في هوة الفراغ، بلا ماضٍ ولا مستقبل، سوى تلك العلامة اللامرئية الضائعة في عتمة الهوة. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها