آخر تحديث:00:04(بيروت)
الجمعة 20/11/2020
share

العونية وتبرّؤها من مأساة لبنان والمسيحيين

محمد أبي سمرا | الجمعة 20/11/2020
شارك المقال :
العونية وتبرّؤها من مأساة لبنان والمسيحيين حلم لا يتكشف إلا عن عقمٍ (الأرشيف، دالاتي ونهرا)
في تاريخ لبنان السياسي الطائفي، وفي سياسات الطوائف اللبنانية، والمسيحية منها تحديداً في زمن الحروب الأهلية الملبننة وبعدها، تبدو العونية استئنافاً واستعارات لوجوه متدافعة من اتجاهات وتيارات سياسية متباعدة، ومتعارضة ومتناقضة:

- القواتية البشيرية (نسبة إلى مؤسسها وقائدها بشير الجميل) في انتفاضتها المسيحية المقاومة، وفي خروجها على الزعامات المسيحية التقليدية وصيغة 1943.

- قضية المسيحيين أو "مظلوميتهم الوطنية" المسماة "الإحباط المسيحي" بعد اتفاق الطائف الذي نزع من رئاسة الجمهورية صلاحيات وسلطات تنفيذية، وتركها نهباً لتجاذبات القوى المتنافرة في مجلس الوزراء.

- وجه من الحريرية تتكتم العونية على عشقها إياه وكراهيته، وعلى رغبتها في الاستيلاء عليه (تصدرها الحياة السياسية في لبنان) بغية تحطيم الحريرية.

والعونية في هذا كله انحطاط للسياسة، قدر ما هي السياسة منحطة في معناها وممارساتها في لبنان على وجه الإجمال والعموم.

وراثة القوات البشيرية ونقضها
يستبطن مؤسس العونية وإمامها، وصهره ووريثه جبران باسيل، يقيناً وقناعة خفييّن كتقية سياسية، بأنهما وشيعتهما المسيحية وحدهم ورثة القواتية البشيرية. وهذا بتمثيلهم المسيحيين وقضيتهم "الوطنية" الطائفية اللبنانية، عقب الصدمة المأساوية التي ألمّت بهم بعد اغتيال بشير الجميل.

لكن ميشال عون قلب الحلم والوعد البشيريّين الخلاصيين بـ"تحرير لبنان" من السلاح والمسلحين الفلسطينيين، ومن الجيش السوري الأسدي، إلى ولائه مع شيعته لحزب السلاح والحرب الدائمة على لبنان ومنه بإمرة ولي الفقيه الإيراني. وحصرت العونية قضيتها باستعادة سلطة القرار السياسي اللبناني، الراجح والقوي، التي يمتلكها رئيس الجمهورية. وإلا فالجمهورية إلى "جهنم" وبئس المصير، قال إمام الشيعة من القصر الجمهوري.

ويرى مؤسس الشيعة العونية المسيحية في العام 1988، أنه "الوريث الشرعي" لبشير الجميل، بعدما كان منذ مطلع الثمانينات حتى اغتيال بشير صيف 1982، في حلقة أركانه الاستشارية لمشروعه الخلاصي الذي توّجه بوصوله إلى رئاسة الجمهورية. وهو، أي ميشال عون، يرى أيضاً أنه ظل أميناً للبشيرية من موقعه القيادي في الجيش اللبناني "الشرعي" وفي دفاعه عن "الشرعية" اللبنانية، وعن القصر الجمهوري والمناطق المسيحية في عهد أمين الجميل الرئاسي، قبل ما يسمى انتفاضة 6 شباط 1984 وفي أثنائها وبعدها. وهي "الانتفاضة" التي أوحت بها وقادتها سوريا الأسد، واستعملت فيها مواليها من ميليشيات وليد جنبلاط الدرزية وحركة أمل الشيعية.

ويرى عون كذلك أن أمانته للبشيرية استمرت أثناء الحروب والشقاقات والصراعات الداخلية التي تعرضت لها القوات اللبنانية،  بعد غياب قائدها المؤسس ونزاعات أركانها على قيادتها، من فادي أفرام إلى فؤاد أبو ناضر إلى إيلي حبيقة إلى سمير جعجع. وخصوصاً أثناء انقلاب حبيقة على القوات ورئاسة أمين الجميل، وتوقيعه "الاتفاق الثلاثي" مع وليد جنبلاط ونبيه بري تحت نظر ضباط حافظ الأسد الأمنيين.

لكن عون انقلب على هذا كله، وما يقول كل يوم إنه تاريخه. فبولائه لحزب الحرب والسلاح، ورث وتابع ما كان اختطه إيلي حبيقة في دمشق.  

أكذوبة براءة العونية من الحرب
وفي السنتين اللتين أمضاهما ميشال عون في القصر الجمهوري، رئيساً لحكومة عسكرية (1988-1991)، حارب بالجيش اللبناني جيش حافظ الأسد، ومَن يعتبرها خانته وخانت بشيريته، أي قوات سمير جعجع اللبنانية، التي وافقت على اتفاق الطائف. لكن قائد حربي "التحرير" و"الإلغاء" لم يكف في أثنائهما عن مساوماته المتدافعة، المتناقضة والانقلابية: مع حافظ الأسد وسواه من الضالعين في الحروب الملبننة، لتثبيته رئيساً للجمهورية.

وهو بهذا كله كان يتوهم أنه يفعل ما فعله بشير الجميل (توحيد البندقية المسيحية)، لتصير الرئاسة طوع حلمه ورغبته السلطوية المستفحلة، ليبدأ من حيث انتهى بشير الجميل. ولشدة إمعانه في حلمه المنفلت على غاربه، طُرد أو هرب من القصر الجمهوري، مطلقاً عبارته الشهيرة: "يستطيع العالم أن يسحقني لكنه لن يأخذ توقيعي". وهذه العبارة الزجلية الرحبانية والفخرالدينية، كان يستهدف بها على الأرجح ما يعتبره خيانة قوات سمير جعجع التي حاول سحقها، لأنها قبلت باتفاق الطائف الذي حرمه من البقاء في القصر الجمهوري.

وهنا لا بد من التوقف لتكذيب الدعاية التي لا تكف الشيعة العونية عن تكرارها منذ تأسيسها: تباهيها المستميت ببراءتها من الحرب والدم والقتل والتدمير، وإلصاقها هذه الأفعال كلها بسواها من الميليشيات التي احتربت في لبنان. لكن العونية في الحقيقة والواقع، كسائر الشِّيع والميليشيات، وليدة حروب عشوائية وتدمير، وفي خدمة زعامة مؤسسها ورائدها وسلطانه مع رهطه وشيعته. وهي في هذا كسواها من ميليشيات الحرب.

البراءة من التاريخ وتزييفه
وطوال 15 سنة في منفاه الفرنسي، استمر ميشال عون يدير بالمكالمات والرسائل الهاتفية شيعته الشبابية المسيحية الناهضة و"النضالية" ضد الاحتلال السوري الأسدي، وأتباعه جميعاً في لبنان. لكنه فور عودته إلى بيروت سنة 2005، انقلب على شيعته المناضلة وسائر القوى التي صارت قبيل اغتيال رفيق الحريري وبعده، استقلالية وتحررية وسيادية، وحالف حزب الحروب الدائمة إلى جانب سوريا الأسد وإيران الخمينية. وحلفه ذاك كانت غايته الوحيدة الوصول إلى كرسي رئاسة الجمهورية، بالتواطؤ مع الحزب الخميني على تحطيم القوى الاستقلالية وتشتيتها وشرذمتها، وتمكينه من تحطيم الحريرية التي يعشقها على قدر كراهيته إياها، ليحلَّ محلها في تصدر المناصب والمكانات في الدولة المنهكة والمفككة والمشرفة على الإفلاس السياسي والاقتصادي والمالي. وهذا بعدما كانت الحروب العونية في نهاية الثمانينات قد أوصلت لبنان إلى المصير الذي شرع يصل إليه منذ إصرار ميشال عون على تحقيق حلمه بالوصول إلى رئاسة الجمهورية في العام 2016.

فأي حلم هذا الذي لا يتكشف إلا عن عقمٍ، لا يتوقف عون وشيعته عن التبرؤ منه، والقول إن سواهم من الشِّيع اللبنانية هي التي عملت على تدمير حلمهم وتهافته؟! وهم في هذا لا يختلفون عن تلك الشِّيع التي يعيش كل منها على براءته من التاريخ الكالح الذي أوصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم.

لكن هل من تاريخ للبنان وجماعاته، أقله منذ ما يسمى ميثاق 1943، لا يقوم على تبرؤ هذه الجماعات بشيعها الطائفية والحزبية من التاريخ الفعلي وتزييفه؟ وهو في الحقيقة والواقع ليس سوى تاريخها وتاريخ أفعالها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها