آخر تحديث:14:49(بيروت)
الخميس 19/11/2020
share

متري لـ"المدن": عاجزون عن وقف الانهيار.. والسياسيون لا يخجلون

نادر فوز | الخميس 19/11/2020
شارك المقال :
متري لـ"المدن": عاجزون عن وقف الانهيار.. والسياسيون لا يخجلون متري: تعثّر قيام الدولة منذ زمن.. مئة عام من التعثّر. بناء الدولة مسألة معلقة (مصطفى جمال الدين)
طوال العام الأخير، لم يكن الوزير السابق طارق متري بعيداً عن أجواء ساحات لبنان التي حملت أفكار 17 تشرين وخطابها وشعاراتها ومطالبها. نزل إلى الساحات، حضر نقاشات، اشترك بالاستماع فقط. شعر بأمل ما في كل تلك الأجواء، أمامه وقت كثير لينضج ويتفتّح. الرجل الذي عانى من السلطة وأحزابها، إثر جلوسه إلى طاولات حكوماتها، يملك ما يكفي في تجربته الشخصية لتوصيف ظاهرة الحكم والتباسات السلطة والدولة والطوائف والمواطن والمؤسسات والسلاح. ليس في ما يحصل اليوم في الحياة السياسية اللبنانية ما يدفع للأمل في إنبات حلّ أو إنقاذ: "نحن غير قادرين على وقف الانهيار"، يقول متري في لقاء مع "المدن". قد يكون رئيس الجمهورية، ميشال عون، وعدنا بأننا ذاهبون إلى جهنّم، إلا أنّ مسار الطريق إلى الجحيم تخطّه أركان السلطة الفعلية في لبنان، بطوائفها ومصالحها، وبالوهم الذي يسكنها في حسابات خارجية غير موجودة. بعد أكثر من عام على بدء الانهيار والإفلاس وتكريس العجز، لم تفهم القيادات اللبنانية حتّى أنّ عليها التواضع. فتجرّ اللبنانيين من فشل إلى آخر، ومن تعثّر إلى آخر.

تعليق بناء الدولة
كما في ليبيا، التي لعب فيها دوراً أممياً للحلّ والإنقاذ، يقول طارق متري لـ"المدن" إنّ في لبنان "الدولة متعثر قيامها، الدولة لم تقم وفشلت، إنها لم تقم بعد". ففي لبنان "لدينا أولاً، الخلط بين السلطة والدولة، وثانياً في ثقافتنا السياسية عند حكّامنا الدولة هي غنيمة، يتصارعون عليها ويتقاسمونها لأنها غنيمة، فمن يستولي على السلطة يستحوذ على الدولة، يوظف جماعته ومن يدينون له بالولاء ولا يتعامل مع الدولة بوصفها مؤسسات لها ديمومة مستقلة عن السلطة". ويضيف أنه أيضاً ليس عند المواطنين من تمييز بين الدولة والسلطة، "فعندما يشتمون الدولة يكون قصدهم شتم السلطة". وفي السياق اللبناني "يمكننا القول إنّ ثمة تجارب متكررة لبناء دولة، وكلها تعثّرت لسبب، مثل التجربة الشهابية التي تعثّرت لأسباب وتجربة العقدين الأخيرين التي تعثّرت لأسباب أخرى، لكن نحن ننتقل من تعثر لتعثّر". ومفهوم آخر يغيب عن مفردات اللبنانيين وسلوكهم أنّهم "لا يعون أنفسهم كمواطنين، بل كأعضاء في طوائف أو أبناء مناطق. عصبياتهم ما دون الوطنية، طائفية كانت أم مناطقية، قوية جداً. وولاءاتهم هي لمن يمثل طوائفهم". فلا وسيط بين المواطن والدولة "إلا الوسيط الطائفي". أما بدء بناء الدولة فينتظر "أن يصبح المواطنون هم الكتلة التاريخية الأكبر، وأنا أستعمل عبارة غرامشي". ولدينا أيضاً "سبب إضافي لعدم بناء الدولة يتمثّل بحزب الله وقوته السياسية والعسكرية التي تعيق المشروع". والخلاصة أنّ "الدولة في لبنان تعثّر قيامها منذ زمن، تعثّر فوق آخر، مئة عام من التعثّر. في لبنان بناء الدولة مسألة معلقة". ‏

عادات السياسة اللبنانية 
في ممارسة السياسة في لبنان، لدى السياسيين "عادات قديمة وأخرى مستجدة". تقول العادات القديمة بـ"الصراع على السلطة ثم تقاسمها، وهو قبل أي شيء آخر". أما العادات المستجدة فـ"تتمثّل في تغيير قواعد نظامنا السياسي باستمرار، وهو ما برز كثيراً في تشكيل الحكومات". ويقول متري إنه عند تشكيل أي حكومة "تنشأ قاعدة جديدة في حين أنّ النصوص الدستورية واضحة". ويمكن تقديم العديد من الأمثلة على هذه القواعد التي يتمّ تجديدها وتبديلها، مثل التشكيل قبل التأليف أو العكس، "وقسّ على ذلك". أما المشكلة الثانية، بحسب ما يقول متري، فهي "مركزية الأنا اللبنانية التي تحسب فيها القوى السياسية القضايا الصغيرة في حسابات إقليمية أو دولية، كذلك، أو يتوهّمون بذلك". ربط ساسيون لبنانيون، محلّلون واستراتيجيون، على مدى أسابيع بين تشكيل الحكومة في لبنان والانتخابات الأميركية، "وفعلياً لا علاقة بين الأمرين أبداً، لكون السياسة الخارجية ليست عاملاً في الانتخابات في أميركا، ولبنان ليس فصلاً فيها أساساً". لكن الربط بين الأمرين، قد يكون ذريعة للتعطيل ومحاولة الحصول على الحصص الوزارية. وبعبارة متري "يمكن ربط ملف الحكومة بالانتخابات الأميركية كذريعة فقط، مثلاً أريد وزير البطاطا أن يكون من حصّتي". في لبنان، السلطة الفعلية تتصارع على السلطة الإسمية "في حين أنّ الصراع على السلطة الإسمية مش حرزان".

سوء فهم المبادرة
في ما يخص تشكيل الحكومة العتيدة، لم يفهم اللبنانيون لبّ المبادرة الفرنسية، أو أنّه حصل سوء فهم حول الموضوع. السياسيون اللبنانيون الذين اجتمعوا بالرئيس الفرنسي خلال زيارته إلى لبنان "ربما نسوا أو تناسوا ما اتّفق عليه، وأعتقد أنّ الفكرة المضمرة في مبادرة ماكرون غير مقبولة عندهم وهي تعليق الخلافات السياسية لفترة 6 أشهر". كان المطلوب أن تشكّل حكومة "لا تكون مرآة للقوى السياسية، إنما حكومة تكون المهمّة التي تؤديها مبرّر وجودها بهدف مساعدة لبنان ووقف الانهيار الاقتصادي".

وبالنسبة لمتري، فإنّ "لغة تعليق الخلافات السياسية للحد من الانهيار وتنفيذ الإصلاحات والاتفاق مع صندوق النقد الدولي وفرنسا، هذه فكرة غريبة عن السياسيين اللبنانيين". وحول دوافع المبادرة الفرنسية تجاه لبنان، يؤكد متري أنه لا يمكن الاكتفاء بتحديد دافع واحد، إنما خليط: "قيل إنه يريد المرفأ، ثم الكهرباء، بعدها ملف الغاز وشركة توتال، أو أنّ فرنسا تشعر بمسؤولية معنوية تجاه لبنان الكبير بعد 100 سنة على تأسيسه، إضافة إلى شعور الرئيس الفرنسي بالتضامن مع لبنان لا سيما بعد انفجار 4 آب". "لبنان بلد مرمي على قارعة الطريق ولم يبق له صديق وعزلوه عن العالم، لكن بقي له عاطفة عند فئة واسعة من الفرنسيين"، والتمس ماكرون هذه العاطفة. كل هذا يضاف إلى الصراع الحاصل في المتوسّط.

الضعف الفرنسي
وفي ظلّ ما يشاع عن توجّه أوروبي وفرنسي إلى فرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين، يستبعد متري هذه الخطوة، مشيراً إلى أنّ إقرار خطوة مماثلة على المستوى الأوروبي "يتطلّب سنوات، نظراً لوجود استقلالية للسياسات الخارجية لـ26 دولة، والقرارات يجب أن تصدر بالإجماع. وبالتالي، الموضوع بالغ التعقيد ويسير ببطء". ويضيف متري أنّ كثيرين يسألون الفرنسيين عن قدرتهم على النجاح إن "لم يكن في يدهم إلا جزرة، ولا عصا". يشير متري: "سألت أحد المسؤولين الفرنسيين عن وسيلة الضغط الأساسية التي بحوزتهم للضغط على الطبقة السياسية في لبنان، وجلد الطبقة السياسية هنا سميك. وهي قادرة على ألا تسمع وعلى أن تتجاهل كلياً ما يحصل إن شعرت بأن مصالحها معرّضة". ردّ المسؤول الفرنسي على متري بالقول بالإنجليزية إنه "We will name and shame"، أي "سنسمّي ونجعلهم يخجلون من سوء أفعالهم". هذه ليست عصا، ربما ريشة للدغدغة، تسعد السياسيين اللبنانيين إن لمستهم. لا يقول متري هذا التعبير، إنما يقول التالي: "ابتسمت وقلت إنّ المسؤولين اللبنانيين لا شيء يخجّلهم، لا يخجلون، تريد إشعارهم بأنّ ما قاموا به أمر مخجل"؟ ويضيف أنّ "كل الناس تسمّيهم كل يوم، وماكرون سمّاهم، ما حصل؟ اضطر لاحقاً إلى مراضاة الناس التي سمّاها. ليس مع الفرنسيين عصا".

محدودية العقوبات الأميركية
في ما يخص العقوبات الأميركية، يقول متري إنّ "هذه العقوبات تؤذي الأفراد، يصبح متعذراً عليهم فتح حسابات مصرفية، وتصعّب السفر عليهم. هذه أمور غير سهلة. لكن هذه حدودها أيضاً". العقوبات، عصا أميركية. في التلويح بها ضغط وفي فرضها ضغط آخر، "هي عنصر ضغط قائم بحدّ ذاته". إلا أنّ هذه العقوبات "لا تندرج في إطار سياسة أميركية متماسكة وواضحة تربط بين الضغط على فلان أو فرض عقوبات على علان من جهة، وتصوّر مستقبل لبنان من جهة أخرى". لدى الأميركيين مسائل محدّدة، منها إضعاف حزب الله ودعم الجيش اللبناني بصفتها مؤسسة قائمة وحليفة في محاربة الإرهاب، إضافة إلى ترسيم الحدود والمفاوضات. "لكن كل هذا لا يصنع سياسة. فلبنان ليس فصلاً في سياسة الخارجية الأميركية"، وارتباط لبنان مع فصول الخارجية الأميركية في المنطقة محدود الأثر. ونظراً لهذا الواقع، فإنه "في غياب السياسة تصبح العقوبات محدودة الفعالية".

المنطقة.. لبنان.. والشعبوية 
بانتظار مستجدّات الإدارة الأميركية، يشير متري إلى أنّ "ترامب، الشخص النزق القومي المتعّصب شبه العنصري الذي لا يؤمن بالعلم ولا يحترم مؤسسات الولايات المتحدة يؤيده نصف الأميركيين". نال ترامب 70 مليون صوت "ورغم هزيمته تمكّن من قسم المجتمع الأميركي". يعتبر متري أنّ هذا "يوضح فعلياً مدى قوة الحركات الشعبوية التي ترفض النخب، بما فيها النخب العلمية وليس النخب السياسية والجامعية والمثقفين فقط"، ويضيف أنّ "قوة هذه الظاهرة، فضلاً عن العنصرية والقومية الأميركية المتشددة، هي في استثمار الكراهية في السياسة". ويعتبر متري أنّ هذا النمط من الكراهية لن يزول بسرعة، "ثمة كتلة واسعة من الناس ستستمرّ في ترامبيتها من دون ترامب، سيبحثون عن أشخاص آخرين مثله". في ما يخص وضع لبنان، ووضع المنطقة، يقول متري إنه "يصعب الحديث عن المنطقة، يجب الحديث عن ملفات أو بلدان فيها، لأنّ لا العمل العربي المشترك  يصل إلى مكان ولا هناك قيادات عربية، مع ضعف مصر وحصر دور السعودية. لذا يجب الحديث عن مشكلة كل بلد".

لبنان، المتأثر بالملفين السوري والإيراني، "نفض العرب أيديهم منه. ويحتاج إلى عمل ديبلوماسي جدي. هو بلد صغير وبحاجة إلى ديبلوماسية كبيرة. وعندما خسر صداقاته خسر رصيده المعنوي في العالم العربي وفي العالم عموماً. وثمة قوى سياسية مسؤولة عن هذه الخسارة". وفي ظلّ غياب قطب عربي وضعف الموقف العربي، ثمة من سيملأ الفراغ "إيران أو تركيا أو إسرائيل بسلاحها أو صداقاتها الجديدة". باختصار، "في ما يخص لبنان، نحن غير قادرين على وقف الانهيار، سنواصل الانهيار".

حزب الله و17 تشرين
يرى متري أنّ لدى حزب الله في لبنان القوّة الفعلية وأنّ الحزب يعي مدى قوته، "وعلى الرغم من قوّته يشعر أنه مستهدف ومحاصر من الجميع، وعلاقته العربية تدهورت، وشعبيته العربية تدهورت". ويعرف حزب الله أيضاً أنّ "تركيبة لبنان الطائفي، مهما كانت الطائفة قوية ثمة حدود لممارسة نفوذها. ولذلك هم حريصون على تحالفاتهم غير الشيعية، لأنهم يعرفون أن قوّتهم مهما بلغت لا طائفة ستحكم الطوائف الأخرى". أصبح حزب الله "يستخدم منطق الطوائف اللبنانية حيناً والحسابات الإقليمية حيناً آخر، ويتنقلون بين هذين الحسابين". وعن العقدة التي مثّلها حزب الله في تحرّكات 17 تشرين ومطالبها، يشير متري إلى أنّ جاذبية انتفاضة 17 تشرين "في وجود جيل شاب يعي نفسه أنه مواطن". من باب الملاحظة لا اللوم، كما يقول متري، "لم تعر الانتفاضة اهتماماً للعلاقة الوثيقة بين الطائفية والفساد، حكت عن الفساد ولم تحكِ عن الفاسدين". لا يعارض شعار "كلن يعني كلن" ويفهم معانيه وأسبابه، "لكن في كل المعارك ضد الفاسدين تسمّي الفاسد، ويمكن فهم هذا الأمر لأنّ مكوّنات الانتفاضة لايعرفون بعضهم البعض. هم متنوّعون ومن خلفيات مختلفة، ولم يكن لهم موقف واحد من تغيير النظام السياسية والطائفية".

عجز الإصلاح السياسي 
يؤكد متري على أنّ الإصلاح السياسي الأهم هو في تجاوز الطائفية السياسية. وفي هذا الإطار، يقول إنّ "هناك فئة من معارضي إلغاء الطائفية السياسية وفئة من المطالبين بإلغاء الطائفية السياسية، ثمّة يخاف من أن إلغاء الطائفية سيؤدي إلى غلبة طائفة على الطوائف الأخرى". وهو ما يجعل التقدم على طريق إلغاء الطائفية السياسية صعب. ويضيف متري أنّ هذا الواقع يدفع اللبنانيين إلى البحث عن حلول أخرى، منها طرح "حياد لبنان، النظام الفدرالي، ومؤخراً سمعت من يطرح فرض لبنان تحت وصاية مجلس الأمن تحت الفصلين 12 و13 من شرعة الأمم المتحدة، وهو مبدأ توقف العمل به عام 1994 بعد نيل كل الدول استقلالها". يصل الأمر ببعض اللبنانيين إلى التفكير باقتراح ممثال، "يعني أنهم فقدوا الأمل بالتغيير من الداخل، وكل هذا دليل على عمق الأزمة". يقول متري إنه "من حزب الانتظار النشط لقيام كتلة من اللبنانيين هم مواطنون وليسوا أعضاء في طوائف، وبعدها يتم التغيير السياسي". خارج هذه الكتلة التي يجب أن تقوم لا تغيير سياسياً جدياً، "ربما إصلاحات محددة يجب تحقيقها والمطالبة بها، والطاقة الموجودة ستظل أداة ضغط على قضايا محددة من أجل التغيير. أما التغيير الشامل فبحاجة إلى وقت".
في جولات 17 تشرين توسّم متري خيراً وجود "شباب وشابات يعون أنفسهم كمواطنين، حتى لهجتهم لا تدلّ على انتماءاتهم الطائفية أو المناطقية". يتكلمون لغة مدينية، وينطقون بكلمات تقرب هذه اللهجة من لجهة أخرى، "غير معلّبين". وانتظار تعميم هذه الحالة سيطول، وحتى ذلك الحين، الانهيار سيستمرّ.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها