آخر تحديث:14:49(بيروت)
الجمعة 13/11/2020
share

ترامب: "بطّة عرجاء" في أميركا و"نسر مفترس" في لبنان؟

نبيل الخوري | الجمعة 13/11/2020
شارك المقال :
ترامب: "بطّة عرجاء" في أميركا و"نسر مفترس" في لبنان؟ ..ولن يكون آخرهم جبران باسيل (مصطفى جمال الدين)

قُدّرَ للفترة الانتقالية في الرئاسة الأميركية بين الرئيس المنتهية ولايته والرئيس المنتخب، ألا تكون مجرد موضوع دولي في الصحافة والنقاش العام في لبنان، بل أيضاً موضوع محلي بامتياز. أبت الإدارة الأميركية الحالية أن تغادر قبل فرض عقوبات على رئيس التيار الوطني الحر، النائب جبران باسيل، بموجب قانون "ماغنيتسكي"، الذي يمكن اللجوء إليه لمعاقبة كل من ينتهك حقوق الإنسان أو يتورط في عمليات الفساد.

خطوات عدوانية؟
هكذا، ظل الملف اللبناني مفتوحاً على طاولة صنع القرار في مرحلة تصريف الأعمال أميركياً. أي المرحلة الممتدة لحوالى ثلاثة أشهر، بين تشرين الثاني وكانون الثاني، والتي تُطْلَق فيها صفة "البطّة العرجاء" (Lame duck) على الرئيس المنتهية ولايته. الوقت الأساسي فيها يُكرّس لعملية تنسيق الاستلام والتسليم بين فريقي عمل الإدارتين السابقة والمقبلة. والرئيس لا يتخذ خلالها عادةً قرارات ذات أهمية، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك.

صحيح أن دونالد ترامب يرفض الاعتراف بفوز منافسه، جو بايدن، وينوي الطعن بنتائج الانتخابات. لكن هذا لا يحول دون وصفه بـ"البطّة العرجاء" في أميركا. ويترقب الجميع سلوكه وقراراته ومفاجآته في الداخل والخارج. ثمة تكهنات حول إمكانية إقدام ترامب على خطوات عدوانية في الشرق الأوسط ضد إيران. وإنْ لم يقرر عملية أميركية مباشرة، تعارضها ربما القيادة العسكرية في واشنطن، قد يعزز العقوبات ضدها، أو يوكل إلى إسرائيل مهمة توجيه ضربة لإيران أو لحزب الله، من شأنها تغيير المعادلة في المنطقة قبل استلام بايدن مهامه الرئاسية.

تكثر إذاً التوقعات بأن يترك ترامب بصمة أخيرة في الشرق الأوسط قبل مغادرة البيت الأبيض. بصمة قد تكون أشد وطأة على خلفه من تلك التي تركها له سلفه، الرئيس السابق باراك أوباما، حين اكتفت إدارته بالامتناع عن التصويت بدل فرض "فيتو" على قرار مجلس الأمن الدولي، رقم 2334، الصادر في 23 كانون الأول 2016، والذي يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة. آنذاك، كان أوباما "بطّة عرجاء"، لكنه أراد استباق استلام ترامب للرئاسة وفرض هذا القرار كأمر واقع عليه.

فرائس سهلة
ها هو ترامب يباشر المهمّة من لبنان، مستهدفاً الطرف المسيحي الأقوى في السلطة، جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية، ميشال عون. تتذرع إدارة ترامب بمسألة الفساد التي تشمل كل النخبة السياسية الحاكمة بحسب الموقف الرسمي الأميركي المعلن، وكذلك بعلاقة باسيل مع حزب الله. وكأن ترامب، بوصفه "بطّة عرجاء" في أميركا، يريد أن يكون "نسراً مفترساً" في لبنان حيث يمكنه أن يجد فرائس سهلة المنال في أوساط الطبقة الحاكمة الفاسدة.

تبدو إدارة ترامب مصمّمة على المضي بسياسة فرض العقوبات وفق قانون "ماغنيتسكي". وقد مهّد الأميركيون لقراراتهم الجديدة بحق مسؤولين رفعي المستوى ــ ليس أولهم يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل ولن يكون آخرهم جبران باسيل ــ بسلسلة مواقف بشأن الفساد المستشري في لبنان. منذ سنوات، تشدد واشنطن على ضرورة أن تبدأ الحكومة اللبنانية بمكافحة الفساد وبتكريس مبدأ الشفافية في إدارة الشأن العام، عبر إقرار مجموعة إصلاحات بنيوية، وذلك كشرط مسبق لمساعدة لبنان من قبل صندوق النقد الدولي والمانحين الدوليين. صحيح أن لدى إدارة ترامب شرط أساسي في هذا الصدد، يتعلق بمسألة حزب الله وسلاحه، لكن لا يمكن تجاهل أن مسألة الفساد والإصلاحات تمثل أولوية أيضاً بالنسبة للأميركيين، أقله في وثائقهم وبياناتهم الدبلوماسية المعلنة. وهذا يمثل نقطة تقاطع بينهم وبين الأوروبيين الذين يقولون بكل بساطة وصراحة أنهم غير مستعدين لمنح مليارات الدولارات إلى لبنان، كديون أو هبات، لكي تذهب الأموال في النتيجة إلى جيوب المسؤولين السياسيين فيه.

أسئلة مشروعة
يبقى أن العقوبات الأميركية على باسيل وغيره تثير تحفظات وشكوك لا يمكن تجاهلها. أولاً، حول مداها: متى ستشمل جميع الفاسدين، سواء كانوا من خصوم أو حلفاء واشنطن؟ كم مسؤول وزعيم ستطالهم التدابير العقابية من الآن وحتى نهاية ولاية ترامب؟ وهل سيتمخض عنها زلزال سياسي يليه تجديد جذري للحياة السياسية اللبنانية؟ ثانياً، حول حيثيات هذه العقوبات: هل تملك الإدارة الأميركية أدلة دامغة حول تورط السياسيين المعنيين بعمليات فساد ونهب المال العام، أم نجحوا في إخفائها؟ هل تأتي العقوبات بعد تحقيق دقيق، وملاحقة متأنية لحساباتهم المصرفية للتأكد من مصادرها، وبعد تبيان أن هناك ودائع أو تحويلات مشبوهة؟ ولماذا لا تضع واشنطن بتصرف الرأي العام شرحاً كافياً لمسوغات قرار العقوبات، ليطلع على أكبر قدر ممكن من تفاصيل ومعلومات حول عمليات الفساد؟

هذه التساؤلات وغيرها مشروعة، لأن "تسييس" العقوبات وإقرارها على أساس استنسابي، غالباً ما يؤديا إلى نتائج عكسية. هذا ما حصل في حالة حزب الله الذي لم يضعف ولم تنسلخ عنه بيئته الحاضنة، كما افترض الأميركيون. صحيح أنه في حالة جبران باسيل، من المرجح أن تؤدي العقوبات إلى تعميق الهوّة بين النخبة الاقتصادية المسيحية وكبار رجال الأعمال والمتعهدين والمقاولين المسيحيين وبين التيار الوطني الحر. لكنها لن تدفع أحد الآن إلى التسرع والمجازفة في سياسة الصدام مع حزب الله، طالما أن التسوية الأميركية ــ الإيرانية الكبرى ليست مستبعدة في المرحلة المقبلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها