آخر تحديث:19:10(بيروت)
الجمعة 09/10/2020
share

الحريري الذي اعتاد أن يُقبَّل لا أن يقبِّل

نادر فوز | الجمعة 09/10/2020
شارك المقال :
الحريري الذي اعتاد أن يُقبَّل لا أن يقبِّل لطالما طبع حلفاؤه وخصومه ومقرّبون منه وأعوان له قبلات الموت على رأسه (علي علوش)
أعاد زعيم تيار المستقبل، سعد الحريري، نفسه إلى واجهة الترشّح لرئاسة الحكومة. بعد 15 عاماً على دخوله المعترك السياسي، لا يزال الحريري على حاله. باعترافه، يتجرّع سموم التسويات، ويسير بها بانتظار حريق الطعنات المختلفة من كل حدب وصوب. ورغم ذلك، أطلّ مجدداً للتأكيد على حقيقة تجربته السياسية والرئاسية القائلة إنه يعجز عن البقاء حياً خارج الحكم. وُلد سعد الحريري سياسياً ليكون في السلطة، ولا يعرف غير ذلك. ينتمي إلى مدرسة السلطة، التي نشأ وترعرع فيها. وعلى الأرجح سيشيخ فيها ولو تغيّرت الأحوال والمعادلات وقدرته على التأثير والتمثيل. ليس في هذه المدرسة منهاجاً يدرّس الحياة في الظلّ أو الاعتراض بعيداً عن السلطة. ليس فيها دروساً عن المعارضة السياسية، أعرافها وآدابها وأصولها وحياكة تفاصيلها. خرج سابقاً من السلطة، فمات سياسياً. خرج منها اليوم، ولا يريد الموت السياسي مجدداً. لكنّ سعد الحريري اليوم، يطرح نفسه رئيس حكومة الـ"لا أعرف".

حق الصمت
وردت هذه العبارة "لا أعرف" على لسان الحريري في مقابلته الأخيرة، ما لا يقلّ عن عشر مرات. سُئل عن سبب معارضة قوى سياسية رئيسية لتسميته رئيساً فأجاب "لا أعرف". سئل عن سبب رفض حزب الله للانتخابات المبكرة فأجاب "لا أعرف". سئل عن مشروع ثنائي حزب الله وحركة أمل مع الخارج، فأجاب "لا أعرف". عن مصلحة الثنائي في الإطاحة بالمبادرة الفرنسية، أجاب "لا أعرف". وتسلّح بالجواب نفسه رداً على أسئلة الدور الإيراني في موضوع ترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي، وارتباط الملف برفض المبادرة الفرنسية وعقد صفقة مع الأميركيين، عن سبب تأخر ترسيم الحدود، عن موقفه إذا طالت العقوبات أحد المقرّبين منه، عن رغبة جمهورة بعودة اجتماع قادة 14 آذار وتكرار مشهد 2005. سعد الحريري لا يعرف جدياً الإجابة عن كل ما سبق، أو انه التزم بحق الصمت. عنوان عودته "لا أعرف". وبهذا العنوان يتماهى مع الـ"لاءات" الأخرى التي تحكم البلد. "لم أكن أعلم" و"ما خلّونا"، تنسج مع "لا أعرف" معادلة ثلاثية ذهبية جديدة.

المسيح الدجال
الالتزام بحق الصمت، يكفله القانون اللبناني بحسب المادتين 41 و47 من أصول المحاكمات الجزائية. إلا أنّ الحريري لم يكن في محكمة ولم يمثل أمام قاضٍ أو محقق. على العكس، أطلّ في مقابلة متلفزة للتبشير بعودته الرئاسية وللتأكيد على إمساكه بالمخارج اللازمة للأزمة وعلى وقوفه إلى جانب الناس والدولة وإعادة بنائها. ومن صلب مهام شخص يدّعي ذلك أن يمتلك الأجوبة ويطرح الحلول. وهذا ما لم يفعله الحريري أيضاً. أوقع نفسه في مأزق إضافي يوضح أنه حتى لو وُجد في الرئاسة وموقع المسؤولية لا يملك حلاً ولا مخرجاً. فقط يمضي في ما هو مكتوب من الخارج ومطلوب تنفيذه، وبإصلاحات وتسويات. كيف الحلّ؟ يمكن الاستعانة بما في جعبة الرئيس السابق والمرشّح الرئاسي الدائم، للإجابة: لا نعرف، سنرى، الله وليّ التوفيق. والمسيح الدجال، بحسب النصوص الدينية، يسبق وصول المخلّص.

قبلة "فريدو"
حتى في موضوع المنافسة التي يحاول أخوه بهاء الحريري فرضها على الساحة السنية، ردّ الحريري باقتضاب. بدل جواب "لا أعرف"، ردّ الحريري "بهاء أخي الكبير وأحترمه وأحبه هو يتحمل مسؤولية أعماله ونقطة على السطر ولن أتكلم أكثر". إلا أنه تكلّم أكثر ووضع نقطة أخرى على السطر، إذ قال إنه "لا أتكلم عن الأمور العائلية ونقطة على السطر إذا دخل بهاء الستوديو الآن، سأقبّل يده، هذا طبعي". في هافانا، في حفل ليلة رأس السنة 1958-1959، أمسك مايكل كورليوني أخاه فريدو وقبّله في فمه وقال له "أعلم إنه أنت (من خانني) يا فريدو، لقد حطّمت قلبي". وبعدها بأشهر، تلى فريدو صلاته الأخيرة على قارب للصيد قبل أن يقتل رمياً بالرصاص. مع بعد التشبيه، يمكن للقبلة أن تكون قاتلة للصديق قبل العدو. فالحريري لطالما طبع حلفاؤه وخصومه ومقرّبون منه وأعوان له، قبلات الموت على رأسه في 15 عاماً من العمل السياسي. اعتاد أن يُقبَّل لا أن يُقبِّل. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها