آخر تحديث:18:09(بيروت)
الإثنين 05/10/2020
share

بين "أرتاساخ" و"قره باغ": أرمن لبنانيون يشاركون في الحرب

نادر فوز | الإثنين 05/10/2020
شارك المقال :
بين "أرتاساخ" و"قره باغ": أرمن لبنانيون يشاركون في الحرب "إذا خسرنا هذه المعركة، فيعني أنّ الإبادة نجحت" (مصطفى جمال الدين)
تبعد المعركة الأرمنية-الأذرية ألف ومئة كيلومتر عن برج حمود. لا يعني ذلك شيئاً، طالما أنّ يريفان تسير فيها الأمور عكس الطبيعة. في أيام السلم يغادرها شبانها، ويعودون إليها عند قرع طبول الحرب. ليس في برج حمود اليوم صورة نمطية لضاحية، ذي الكثافة الأرمنية، يتحلّق فيها الحيّ حول راديو أو تلفزيون لمتابعة أنباء الحرب. لا بل إنّ هذه البقعة مثقلة بهمومها اليومية، الاقتصادية والاجتماعية، في أزمة لبنانية مستمرّة منذ عام. لا تزال أعلام أرمينيا تطغى على سائر الألوان الأخرى، على الشرفات وأبواب المحال التجارية. فما اجتمع اثنان في برج حمود إلا وكانت اللغة الأرمنية ثالثهما. الجميع هنا مهتمّ بما يدور على الجبهة. فالقضية، قضية وطن وشعب وأمّة، محفورة في وجدان تأسّس على ذاكرة الإبادة في معركة الوجود الدائمة.

"الوطن الأم"
بين تسمية "أرتاساخ" الأرمنية، وتعني غابة الإله آرا، وتسمية "قره باغ" التركية التي تعني الحديقة السوداء، صراع بين دولتين تحوّل إلى صراع إقليمي قد يتطوّر. في هذا الصراع، تتداخل القضية الأرمنية مع التركية، المسيحية مع الإسلام، الشيعية مع السنّية، المدّ الإيراني وذلك التركي، المصالح الروسية وغيرها من العوامل الأخرى للوصل بين البحر الأسود وقزوين، وشبكات الغاز والنفط والتجارة. وبين كل هذه التفاصيل والمعارك، شعب أرمني في لبنان يؤكد على الدفاع عن "الوطن الأم".

معركة الوجود
تحت الجسر الفاصل بين برج حمود وحيّ النبعة، مظاهر طلاء جديد لا تعبّر حتماً عما تعيشه أكبر ضواحي بيروت الشرقية. هنا الحارات الضيّقة التي لا يُعرف مدخلها من مخرجها، وتشابك الأبنية والمحال التجارية، والمشاغل الحرفية المتوارثة وبيع الأنتيكا ومحال "البالي" وورش تصليح أصغر ساعة وأكبر سيارة. منطقة موصوفة لتعريف "الأحياء الشعبية". فيها، الكل يقف في موقف واحد: نحن في معركة وجود مستمرّة منذ 100 عام. الفتية، قبل الشبان وكبار السنّ، منتمون لأرمينيا الوطن الأم. فالرابط المتشرّب باللغة والانتماء والعادات والثقافة غير قابل للانحلال. يتحدّثون الأرمنية، وإن اضطروا يتكلّمون العربية المشوّهة لكن المفهومة بعد عِشرة عقود مديدة. يدرسون في مدارس أرمنية، يلعبون في أندية أرمنية، يتبضعون ويعيشون في أحياء أرمنية. هم أرمن، وهم لبنانيون. زافين، "ستيريو" زياد الرحباني، على حاله.

المشاركة في الحرب
وفي الضفة الأخرى من برج حمود، شارع أرمينيا أطول الشوارع في بيروت، الذي يمتدّ على ثلاثة كيلومترات، من الدورة إلى الجميّزة. هنا عاصمة الدولة الأرمنية في لبنان. تختلط اللغات والجنسيات، بين لبنانيين وسوريين وعراقيين وجاليات أثيوبيا وسريلانكا وغيرها، ويبقى الطابع الأرمني طاغياً. يقول بعض هؤلاء إنّ "أرمينيا في أزمة، وطالما هي بأزمة، فنحن بأزمة". ليس "الوطن الأم" بحاجة إلى عسكر، ولو أنّ العشرات من أبناء العائلات الأرمنية غادروا هذه الشوارع إلى يريفيان لـ"الالتحاق بمهمة الدفاع عن الشعب الأرمني". هذا شيء مبرّر بالنسبة لأهالي برج حمود، "فنحن هنا وهناك، وفي كل العالم، شعب واحد يدافع عن نفسه"، عن قضيته ووجوده. لا شيء جديداً، إذ سبق لمئات الأرمن في لبنان أن غادروه إلى أرمينيا مطلع تسعينيات القرن الماضي للمشاركة في الحرب. ولو أنّ الحرب وتفاصيلها تغيّرت اليوم.

عشرات المقاتلين
طوني أوريان، ناشط في التيار الوطني الحرّ، ترك لبنان قبل يومين وتوجّه إلى أرمينيا من تلقاء نفسه من دون قرار حزبي. يقول لـ"المدن" إنه وصل إلى "أرتاساخ قبل ساعات، ومعي كاميراتي ولست هنا لحمل السلاح بل للوقوف إلى جانب شعبي، أنا لبناني وأرمني". أوريان، الذي سبق واتّهم بالمشاركة في القتال في سوريا، وسبق أن قام بتمزيق صور على حائط السفارة التركية في بيروت، يؤكد أنّ "الدولة الأرمنية لها سيادتها وجيشها ولا يحق لي حمل السلاح هنا طبعاً". فقام بزيارة بعض الملاجئ "ولم أصل أساساً إلى خط المعارك، أقوم فقط بواجبي من باب تقديم الدعم المعنوي". ويؤكد مطلعون على الأجواء الأرمنية لـ"المدن" على أنّ "العشرات من الشبان الأرمن غادروا بيروت إلى أرمينيا خلال الأسبوع الأخير بنية القتال والدفاع عن أرمينيا للتأكيد على انتمائهم ووقوفهم إلى جانب شعبهم الأرمني". أغلب هؤلاء، بحسب الأجواء نفسها، بقوا في يريفان ولم تأذن لهم السلطات الأرمنية بالتوجّه إلى الحدود. ناداهم "الوطن الأم"، فلبّوا.

استدعاء الاحتياط
يؤكد رئيس حزب الرمغفار في لبنان، سيفاك أغوبيان، لـ"المدن" على أنّ "لا شيء منظّم في لبنان لنقل شبان للقتال في أرمينيا"، ويضيف أنّ "الشبان الذين يرغبون بالتوجّه إلى أرمينيا يفعلون ذلك من دون أن يكون هناك أي دعوة من أحزاب أو تنظيمات". وفي هذا الإطار، يشير أغوبيان إلى أنّ "العديد من هؤلاء يحملون جنسيات لبنانية وأرمنية، وفي حال كانوا قد شاركوا في واجب خدمة العلم في أرمينيا، فهم اليوم مستعدون للاحتياط على اعتبار أنّ أرمينيا استدعت الاحتياط". ويؤكد على أنّ مغادرة لبنانيين أرمن إلى يريفان لا يشكّل ظاهرة فعلياً، على اعتبار أنّ أبناء الأرمن في مختلف البلدان ومن مختلف بقاع الأرض يتوجّهون إلى أرمينيا: "ونسبة للأعداد التي تأتي من بلدان أخرى، لا يزال العدد الذي ترك لبنان قليلاً مقارنة بالأعداد التي أتت من أميركا أو أوروبا". ويلحظ أغوبيان أمراً آخر، وهو أنه "في آخر أسبوعين، كنت أغلب الرحلات المدنية من بيروت إلى يريفان ممتلئة، وفي هذا دلالة ما". فوقت السلم، يغادر الأرمن يريفيان، ويعودون إليها عند قرع طبول الحرب.

حرب 100 عام
من جهة أخرى يؤكد الأمين العام لحزب الطاشناق في لبنان، النائب آغوب بقرادونيان، أنّ "الأرمن يعتبرون الحرب الدائرة حرباً وجودية وتستهدف كل الأرمن في كل العالم، ومسؤولية الدفاع عن أرمينيا هي مسؤوليتنا جميعاً". وعن تنظيم حركة الدفاع عن أرمينيا في لبنان، يشدد بقرادونيان في اتصال مع "المدن" على أنّ "الجيش النظامي يقاتل في هذه المعركة ولا حاجة إلى متطوّعين"، لكن في الوقت نفسه "كل واحد يعتبر نفسه عنصراً في الجيش الأرمني". يضيف بقرادونيان أنّ "في لبنان ثمة حماسة واندفاعاً للدفاع عن الشعب والوطن لأنها أهم حرب تخوضها أرمينيا منذ 100 عام، إن خسرناها فهذا تأكيد على أنّ الإبادة نجحت". ويؤكد أنه "ليس لدينا قرار بتنظيم حركة تطوّع أو جلب مقاتلين. وثمة شبان يذهبون من تلقاء أنفسهم إلى أرمينيا". الأكيد أنه قد يكون ثمة حاجة إلى أطباء أو ممرضين أو دواء، وتنظيم حملات دعم "وكل الذي غادروا إلى يريفان لا يزيد عددهم عن 30 أو 40 شاباً".
منذ 2018 إلى اليوم، تسجّل حركة هجرة من لبنان إلى أرمينيا. وتشير مصادر حزبية أرمنية إلى أنّ ما يقارب 2000 إلى 2200 من الأرمن غادروا إلى يريفان للعيش فيها. منهم من ذهبوا للعمل، ومنهم من حملوا الأموال وبدأوا الاستثمار فيها. غادر هؤلاء قبل الأزمة الاقتصادية، وقبل ثورة 17 تشرين، وقبل تفجير 4 آب، فاستقبلتهم أرمينيا بمعركة وجود متجدّدة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها