آخر تحديث:14:42(بيروت)
الخميس 29/10/2020
share

حكومة الحريري على قياس التوازنات

أحمد جابر | الخميس 29/10/2020
شارك المقال :
حكومة الحريري على قياس التوازنات صوت من بقي في الشارع وهو قليل، صار غير مسموع (علي علوش)

الحكومة التي ينتظرها اللبنانيون، يُعاد إنتاجها على قياس التوازنات التي تحفل بها اليوميات السياسية والأهلية، لذلك، فهي ليست "حكومة" تحمل الصوت الشعبي، وفي الوقت ذاته، هي ليست الحكومة التي تحمل السوط "الإصلاحي"، بل هي واقعياً، حكومة إدارة الواقع المستجد الذي تتخبط فيه التشكيلة الحاكمة والمتحكمة، وما نجم عن تخبطها من أضرار كارثية أصابت مجموع البنيان الوطني.

عين الخارج
طرْح الرئيس سعد الحريري نفسه مرشحاً لرئاسة الحكومة، ثم تكليفه بمهمة تكليفها، جاء، على الأرجح، بعد "غمزة عين" دولية وإقليمية. ما يثقل ميزان هذه الفرضية، الاعتقاد بأن الرئيس المكلف لم يكن في وارد اختيار الفشل خلاصة لموقعه التمثيلي، وهو لم يكن ليتقدم، لولا أنه استشعر، أن حبكة التكليف ومن ثم التأليف، قد نسجت من خيطان اتصالات الخارج، وفي مقدمة هذا الخارج فرنسا، ومن خلفها غضّ النظر الأميركي، وعدم الرفض بشقيه، الإيراني والسعودي.

إشارة الخارج الدولي والإقليمي، لم تكن لتنطلق لولا أن استعداداً داخلياً لتدوير الزوايا السياسية، بدا ممكناً، وهذا يعني، من ضمن ما يعنيه، أن التسهيل التشكيلي، بُنيَ على أساس "تفاهمات" خارجية، تقتضي تمهيد الطريق أمام تشكيلة حكومية، تتولى تنفيذ مهمة "تجميلية" للنظام اللبناني الذي تفاقم قبحه السياسي، ويكون من نتائجها، إقامة العوائق أمام عربة الانهيار العام، والتخفيف من اندفاعتها، صوب هاوية اللاعودة.

التفاهم المفترض حول تسهيل ولادة الرئاسة الثالثة، يعني أن المعنيين الخارجيين بالشأن اللبناني، قد أدركوا صعوبة القفز فوق أحكام التشكيلة المتحكمة بلبنان، ولمسوا، على طريقة "توما"، أن هذه التشكيلة لن تزيح ذاتها بذاتها، وأن أقصى ما يمكن أن يذهب إليه "كهنة النظام"، لا يتعدى الاجتهاد التجميلي الذي يظل مضبوطاً تحت سقف "المعبد" الأهلي العام.

عيون الداخل
يتوزع الداخل عيوناً، وتختلف نظراته ونظرياته، ويجمع على شاشات إبصاره، صنوف احتجاجات شعبية، وصفوف مناكفاتٍ رسمية، هذا من دون القدرة على تنسيق الرؤية، وجلاء وضوحها، والسير على هدى هذا الوضوح.

على صعيدٍ شعبي، أو على صعيد احتجاج الشارع، شهدت يوميات التكليف والاستشارات الرسمية، غياباً لصوت الجمهور، هذا الغياب كان قد بدأ يتراكم قبيل تشكيل حكومة الرئيس حسان دياب، وتفاقم حتى بلغ حدَّ الصمت السياسي، وكما هو معلوم، ليس كل صوت صوتاً، فغياب الصراخ عن موقعه الاجتماعي يحيله نبرة من دون مردود، وفي أحسن الأحوال يظل صوتاً بلا صدى.

لقد فقد الضغط الشعبي تأثيره، وكان حريّاً بكل أبناء الاعتراض في الشارع، أن يدلوا بما لديهم البارحة واليوم، وأن يجتمعوا على أداء ضاغط على أهل التشكيلة الرسمية، إذ ليس مفهوماً الوضع الانتظاري الذي يقيم فيه المجتمعون، وليس "منطقياً" أداء المناشدة التي يخاطبون به ناهبيهم. إن الصخب في الشارع اليوم، لا يمر بلا أثر على من يتولى إعادة إنتاج المحاصة الحكومية، ولا يخفى أنه في غياب الصخب، تعود "حليمة" إلى عادتها، عودة تحتفظ بجوهر أعطابها، وتكتفي بإجراءات ترقيعية لا تنال من أساس فشلها العام.

أما على صعيد رسمي، أي صعيد مناكفة النظام من داخله، فقد صدرت مواقف رددت كلامها السابق نفسه الذي يمكن تلخيصه بجملة واحدة: عجز الحكومة الموعودة عن القيام بعملية إصلاحية. من بين تلك الأصوات، يبدو صوت القوات اللبنانية هو الأبرز، ويتولى المسؤولون في الحزب القواتي تظهير هذه الجملة، وشرحها، وإسنادها بجملة من الشواهد ومن التقديرات والتفسيرات.

موقف القوات اللبنانية هذا، يبدو فئوياً وهو يقصد أن يكون عاماً، ويُظهر اختزالاً ما، وهو يحاول أن يعطي لنفسه الدور الأول في حركة 17 تشرين، بدليل اندفاعة هذه الحركة، عندما انخرط فيها حزب القوات بكثافة، وبدليل انكفاء هذه الحركة، بعد اعتراض الحزب على "كلّن يعني كلّن"، ثم انسحابه من الشارع.

في نقاش موقف القوات اللبنانية، يمكن أن يُعزى إليها التخلي عن الواقعية، وأن ترمى بظن استعجال قطف مكاسب لم يحن أوانها بعد. من ذلك، التمسك بمطلب حكومة مستقلة استقلالاً تاماً عن الأحزاب، أي عن الكتل الأهلية، والإصرار على مطلب الانتخابات النيابية المبكرة.. المطلبان يطرحان سؤالين، الاستفهام فيهما يتضمن معرفة الجواب على كل منهما. السؤال الأول: هل الاستقلالية الحكومية ممكنة حالياً؟ والسؤال الثاني، هل الانتخابات وفق القانون الانتخابي الحالي، ستؤدي إلى انقلاب توازنات البرلمان. الجواب على السؤالين هو النفي، لذلك فإن نعت موقف القوات اللبنانية بالمزايدة الاستقلالية يظل صحيحاً حتى تثبت الوقائع خطله، ونعت موقفها بالاستغلالي، أي استغلال اللحظة المزاجية الشعبية، في الانتخابات الجديدة، من شأنه أن يزيد حصتها في البرلمان، على حساب الحصة العونية أولاً، وبشكل خاص جداً.

حصيلة موقف القوات اللبنانية تزيد من سلبية الوضع، من دون أن تشارك في صناعة إيجابياته، وحصيلة الموقف الشعبي المنكفئ، تسقط الشارع لدى إجراء حسابات المصالح، وتوزيع الغنائم، على أرباب التشكيلة الطائفية.

عين الناس
بعد انكفاء زخم حركة 17 تشرين، وبعد الانهيار المتسارع الذي أصابت نتائجه الشرائح الواسعة من اللبنانيين، بات هذا المعترض أو ذاك كمن يخاطب ذاته، ذاته الحزبية، أو الجمعياتية، أو الأهلية الخاصة. هذا يعني، أن صوت من بقي في الشارع وهو قليل، صار غير مسموع إلاّ ضمن المحتشدين، وأن صوت القوات اللبنانية، ومن ماثلها، صار سجيناً ضمن صفوف بيئته. لقد وُلد من هذه الوضعية واقع انقطاع، وهذا الأخير يتخذ سمات كل بيئة ينتمي إليها.

في موازاة ذلك، أي في مقابل الاعتراضات المختلفة، تراجع المزاج عند الناس إلى مرتبة "القبول"، قبول الجهة التي تكبح تدهور أحوالهم، وقبول إجراءات الحد الأدنى التي تمكنهم من البقاء على خط الثبات الشخصي والاجتماعي. لا ينكر إلاّ مكابر، أن نقاش الناس اليوم، يدور حول دعم الدواء، ودعم الغذاء، ودعم القمح، ولقاح كورونا... وما سوى ذلك، صار من حديث الجلسات السياسية، في مكاتب الأحزاب، أو في مكاتب الجمعيات التي ترفض كل سياسة.

بناءً على ذلك، يقول الواقع أن ثمة رجاء يعلَّق على تشكيل الحكومة، لأنه لم يرسب في عين الناس إلا سياسة الرجاء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها