آخر تحديث:13:36(بيروت)
السبت 24/10/2020
share

سعد الحريري: رئيس المزاج اللبناني

أحمد جابر | السبت 24/10/2020
شارك المقال :
سعد الحريري: رئيس المزاج اللبناني سعد الحريري هو الأقرب إلى مزاج الشارع المعترض؟ (علي علّوش)

بات الوضع اللبناني كتابا مفتوحاً، أي إن سطوره واضحة، ومعانيه كذلك، ومن يقرأ لا يعوزه طويل شرح، هذا لأن النشأة اللبنانية أشبعت درساً، ولأن السيرة الكيانية أتخمت تمحيصاً وتدقيقاً، ولأن السياسة المتداولة بلغت مستوى من الانحدار جعلها في مرمى السياسي الذي كان ذكياً، و"المتسيس" الذي بات غبياً. وفقاً لذلك، يتنحى التحليل "العميق" جانباً، ويجلب النظر المباشر، مخفوراً، إلى طاولة المزاج اللبناني. المزاج لا يقصد به النفس وأحوالها، بل الواقع اللبناني الذي حوله ورثة المسؤولية إلى تقلبات يومية، فبات الحديث عن ثوابت مرحلية متعذراً. وكما هو معلوم، أو كما هو منطق السياسات وبرامجها، فإن اللقاء السياسي، والائتلاف البرنامجي، والتحالف الجبهوي.. يبنى على مشتركات لها طابع الديمومة، القصيرة المدى، أو الطويلة الأمد. الثوابت متعذرة لبنانياً، لأن أساس الارتكاز الداخلي مائع ومائج، والرمل الطائفي ينزاح مع حركة الأمواج، والمد والجزر المذهبيان يخضعان للغة اليابسة وحركة الرياح.

سعد الحريري الأول
إذا استخدمت مسطرة القياس السياسية العامة، يسهل ضم سعد الحريري إلى تشكيلة الائتلاف الحاكم والمتحكم، هذا من موقع حركة الاعتراض الشعبية، أما إذا اعتمد توزيع المسطرة على سنتيمتراتها، الثلاثين أو المئة، فإن النظرة تختلف جزئياً، وهذا مما يقتضي التدقيق في المصالح وفي الأوزان، وفي الصراعات وفي الطموحات، وفي المطالب، التي يلتف حولها الطاقم الحاكم مجتمعاً، ويتوزع فوق مساحتها أثناء سعيه إلى الفوز بما يستطيعه منها، بأداء التسلل، أو الزحف، أو الوثبة المفاجئة، أو الانقضاض المباشر على الموارد التي تكون شراكة بين مجموع السلطويين.

على قياس المسطرة، يشكل سعد الحريري مسافة فصل مقبولة، عن حدود كل مذهب، وعن حدود حصته، فيكون هدوء خطوط التماس، مضموناً، ويكون عدم المساس بما خلف الخطوط، مرعياً، هو الآخر. هذا واقع عرفه الحريري الأب، سابقاً، وتابعه، ويتابعه، الحريري الإبن، حالياً، في ظرف مختلف، ووفق أداء فيه مزيج من الكفاءة، حيناً، ومن قلة الكفاءة، أحياناً كثيرة. "مزيج" الحريرية هذا، هو الذي صار واقعاً مزاجاً، يلائم واقع الأطراف اللبنانية، ولا يستفز أمزجتها. بناءً عليه، يشكل سعد الحريري، داخل التوليفة السلطوية، نقطة التقاء أمزجة، وإذا كان أركان التوليفة يبدون مشاكسة مزاجية، أي واقعية ووقائعية، في مواجهة رجل المزاج " الأول"، لبنانياً، فإن سياق الأمور، وكما تنكشف التفاصيل لاحقاً، تشهد على رياء الساسة المشاكسين، الذين يضمرون مصلحياً، غير ما يظهرونه في أدائهم المزاجي، في الاعتراض على الحريري الذي لا يختلفون، جوهرياً، على أنه سفينة نجاتهم الصالحة، حتى مزاج واقعي آخر.

سعد الحريري الثاني
إذا كان سعد الحريري الأول، هو رجل مزاج التشكيلة" الفوقية"، فإنه، وعلى خط متصل، رجل مزاج "الشعبية التحتية". يخالف هذا الافتراض ما هو شائع في الإعلان وفي الإعلام جهراً، لكن الافتراض له حيثياته التي يدلى بها همساً، بين صفوف واسعة من جمهور كل مذهب، وكل طائفة. نقطة التقاء المزاجين، الحاكم والمحكوم، إعطاء سعد الحريري صفة "الرجل القادر" في ظرف تناثر القدرات اللبنانية العامة. يكاد تعريف القدرة يكون واحداً، على صعيد المستويين، فوق وتحت، تعريف يختزل الحريري بالجانب المالي الذي هو مؤهل لاستدراج مبالغه من الخارج، الواهب أو المقرض، وهو قادر على التغطية على "تمرير" توزع المال الوافد، على حسابات الشركاء المحليين. بعض من بنود هذا الافتراض ترد في متن الكلام السياسي الذي يصف سعد الحريري برجل المرحلة، والكلام ذاته يرد في الحلقات الشعبية، الموالية لخط الحريرية، أو المعترضة عليه. إذن، عندما يكون الموضوع متعلقاً بالكلام المرسل العادي، يكون الاختلاف واضحاً مع كلام الحزبيات الرسمية، ومع منمقاتها البلاغية، غير البليغة. والحال، يمكن الخروج من المعروض، بخلاصة موجزة هي، إن سعد الحريري هو رجل مزاج شعبي متداخل، يفترض عدم اصطدام الرجل بمجموع المصالح الشعبية المتداخلة، وعدم معاداتها عند افتراقها في محطات سياسية ومغنمية.

سعد الحريري الثالث
"الثالث" ليس ترتيباً رقمياً للرئيس الحريري، بل هو ترتيب موقف وسجال مع أجواء من الحركة الشعبية التي نزلت إلى الشارع بشعار رئيسي: "كلن يعني كلن".

ينطوي الشعار المذكور على حقيقة عامة، إذا كان المقصود "بكلهم"، مسؤولية التشكيلة الحاكمة عما وصلت إليه الأوضاع اللبنانية. لكن الأمر، في السياسة، يتعدى تحميل المسؤولية، كحكم عام، إلى البحث والنقاش في المترتبات التغييرية، أو التعديلية، التي تقود كل سياسة اعتراض.

تقتضي اليوميات السياسية، وبرامجها العملية، قراءة في "وضعية" كل طرف على حدة، أي إن وعي المصالح المفردة، يتطلب فرط عقد المجموع الحاكم وبعثرة حباته. في هذا السياق، لا يستوي سعد الحريري الثالث مع طرفي الثنائية الشيعية، ولا يغيب التمييز بين حركة أمل وحزب الله، ولا يقام التطابق بين القوات والكتائب، ولا بين هذين التنظيميين والتيار الوطني الحر. إلى ذلك، تفرض التجربة والوقائع، تعيين حيز خاص لقراءة موقع الجنبلاطية مع وليد جنبلاط، وتبيان نقاط الفصل والوصل، مع الجنبلاطية القديمة، ومن ثم تعيين موقع كل الجنبلاطية من حركة الاعتراض الشعبي عموماً.

التمييز ذاته، يجب أن ينسحب على موقع التنظيم الشعبي الناصري، هذا المندمج بتاريخ مدينة صيدا عموماً، وبتاريخ كل منوعات الحركة الشعبية فيها.

لكن، لماذا هذا التدقيق "التشريحي"؟ هذا لأن على من يبادر إلى الاعتراض، البحث عن لقاءات آنية، وظرفية، ومرحلية، وبرنامجية، مع أطراف مختلفة، تشترك مع المعترض في اجتياز مسافة عملية ما، ثم تفترق عنه بعدها.

هذه العملية التشريحية، تقودها بنى سياسية منظمة غير عشوائية، واللقاء والافتراق، تحكمه المصالح البرنامجية الشعبية، كما تحددها وتلتزمها هذه البنى، هذا يعني أن شروط العمل المشترك، تقتضي وجود الكائن المعارض المحدد، ببنيته وبكلامه، وبأطره وبرنامجه، وبشعاراته وبأساليب عمله... وهذا مما لا يتوفر، ولم يتوفر، في الحركة الشعبية التي ناصبت الجميع عداء" عدم التمييز"، وتحكم بها الخوف من سرقة شعاراتها، فكان سلوكها أقرب إلى الدفع في اتجاه تكتيل خصومها، بديلاً من الاستفادة والنفاذ، من الشقوق الواضحة في جدران النظام.. غير المتناسقة. هذه الاستفادة، درس من دروس العمل الشعبي القديم، وهي مما كان يميز الانسداد التام، في بلاد عربية عديدة، سادت فيها الديكتاتورية، وشاع في حياتها السياسية القمع العاري المطلق.

بناء على التمييز، سعد الحريري الثالث، هو الأقرب، بمصالحه ومصالح من يمثل، إلى مزاج الشارع المعترض الداعي إلى بناء الدولة، فهو، أي الحريري، يرى مصالحه ضمن الدولة، هذه الدولة، ولا يريد الانقلاب عليها.. ولا يمكن الادعاء أن تلك هي الحال لدى أطراف أخرى، تسعى إلى أعادة قولبة الدولة، أو إعادة إنتاجها، وفقا لنسخ لا تبقي من الدولة إلا إسمها، وامتدادها الجغرافي المسجل في الخرائط الدولية. ما جرت الإشارة إليه، يتضمن صراعاً بين التشكيلة ومعارضيها، لكنه ليس صراعاً خطياً، بل هو صراع ذو خط بياني متعرج، على من يريد التصدي لمهمة رسمه، أو السير في محاذاته، أو اقتفاء أثره، أن يتمسك بمبضع التشريح السياسي، ليتمكن من إنقاذ المريض، فلا يكون عاملاً من عوامل تقصير مدة حياته.

لبنان أولاً
بعيداً من سعد الحريري وشركائه، وبعيداً من الحركة الاعتراضية وتخبطها، وفي منأى عن شعارية الصراع مع الإمبريالية والاستكبار العالمي.. بعيداً من كل ذلك، يبقى مطلب صيانة الاستقرار اللبناني، المطلب الأول والأهم، الذي لا يتقدم عليه مطلب شعاري، أو طلبات فئوية. الاستقرار أولاً، ليكون للبنانيين مكان يلتقون ويفترقون في ظل أحكامه.. ولا يغرب عن بال كل ذي بصيرة، أن الاستقرار "منظومة" وطنية عامة، تبدأ من قهوة الصباح على الشرفة، وتقف حارساً على حدود السيادة الوطنية.

لبنان المستقر أولًا.. هو المزاج اللبناني العام، وهو المطلب الواقعي الذي يسقط كل الطلبات، والرغبات، الخيالية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها