آخر تحديث:17:09(بيروت)
الجمعة 23/10/2020
share

طرابلس والحريري.. والرصاص ثالثهما

جنى الدهيبي | الجمعة 23/10/2020
شارك المقال :
طرابلس والحريري.. والرصاص ثالثهما ثقافة إطلاق الرصاص ابتهاجًا (الأرشيف، علي علّوش)

لم يعد تفصيلًا انتشار السلاح المتفلت في طرابلس، لا سيما في المناطق الشعبية والأكثر فقرًا. وبشكل أوضح، في المناطق التي تخضع لحضور أمني استثنائي، في باب التبانة ومحيطها، منذ تنفيذ الخطّة الأمنية التي أنهت جولات القتال في العام 2014.

ثقافة "قادة المحاور"  
ينتشر السلاح بالتوازي مع انتشار المخدرات، وهو ما سبق أن تناولته "المدن" في أكثر من تقرير بالسؤال "من يوزع السلاح والمخدرات في طرابلس". لكن السؤال الأهم، والذي لم يسبق أن لقي جوابًا لا من جهاز أمني ولا من جهة سياسية ولا من قيادات فاعلة في المدينة هو: كيف يمرّ السلاح إلى أحياء طرابلس الشعبية؟ من يؤمن له الطريق؟ من هم الوسطاء بين تجار السلاح والشارين؟ من يؤمن كلفته الباهظة لشباب ورجالٍ عاطلون عن العمل ويعيشون فقرًا مدقعًا؟  

هذه الأسئلة البديهية، تنعش الذاكرة بالرجوع إلى مرحلة ما قبل 2014، حين استغلت معظم قيادات المدينة أهالي جبل محسن وباب التبانة ومحيطهما، لتغذية الأحقاد السياسية والطائفية عبر توزيع السلاح وتعزيز ثقافة "قادة المحاور"، التي يبدو أنها ما زالت حية رغم مرور سنوات على إعلان الهدنة. 

رعب "الابتهاج"
منذ بداية الأسبوع، عاد الظهور المسلح إلى طرابلس، بإشكال بين عائلتين أودى قتيلًا (راجع "المدن") ، ثم إطلاق نار حصل في حي الزراعة بالميناء على خلفية مخالفة بناء، إلى أن تجلت ذروة انتشار السلاح في طرابلس مع إعلان تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، يوم أمس الخميس. وما إن خرج الحريري بعد لقاء رئيس الجمهور ميشال عون لإعلان تكليفه، حتّى عمّ الرصاص سماء طرابلس على مدار ساعات، ونتيجة كثافته دبّ الذعر والخوف بين المواطنين العزّل، كما جرى إلقاء قنبلتين صوتيتين قرب مجرى نهر أبو علي لابتهاج أنصار تيار المستقبل بعودة الحريري!  

وبطبيعة الحال، أسقط هذا الرصاص الذي عمّ شوارع طرابلس أكثر من خمسة جرحى، بينهم رجل مسن وشاب آخر كان يعمل على تنظيف الرصيف أمام مكان عمله، فأصابته رصاص طائشة بظهرهز كما وقع إشكال بين عناصر من الجيش وبعض مناصري تيار المستقبل في باب التبانة، أثناء محاولة الجيش توقيف شخصين يطلقان النار ابتهاجاً بتكليف الحريري، عدا عن إلحاق الضرر بعشرات السيارات وتحطيم زجاجها.  

ومنذ صباح اليوم الجمعة، انطلقت وحدات من الجيش اللبناني بمؤازرة من مديرية المخابرات بسلسلة مداهمات في طرابلس، حيث أوقفت عددًا من الأشخاص وصادرت أسلحة وذخائر. وقد جاءت المداهمات على خلفية اطلاق الرصاص "الابتهاجي" بتكليف الحريري.  

توزيع السلاح وتجارته
وواقع الحال، لن تنجح هذه المداهمات التي ينفذها الجيش باستمرار ما لم يتم البحث لمداهمة موزعي السلاح وتجاره وداعميه (سياسيين وغير سياسيين) من الرؤوس الكبيرة. وحسب معلومات ميدانية لـ"المدن"، فإن توزيع السلاح وتجارته ما زال ينشط على نطاق واسع في المناطق الشعبية. وحتى من يعجز عن حجز حصة له، صار يبحث عن مصادر لشرائه رغم عجزه الاقتصادي. ووفق المعلومات نفسها، بدأ يلجأ عدد كبير من طالبي السلاح في طرابلس إلى بيع ذهب نسائهم (إن وجد) أو بيع مقتنيات منازلهم بأي ثمن، بغية تأمين كلفة سلاح. وقد صار أشبه بهواية، أو حتى عدوى تنبع من غيرة المسلحين من بعضهم البعض، إذ انتقلوا من مرحلة حمل السلاح إلى مرحلة التفاخر بنوعيته وكلفته.  

لكن، لا بد من التذكير أن مطلقي النار ابتهاجًا بالحريري، هم جزء من أنصاره، الذين سبق أن وعدهم بـ 999 ألف وظيفة حين زار طرابلس في العام 2018 أثناء حملته الانتخابية. وهم إن كانوا ضحايا البطالة والتهميش والظلم المتراكم، وصلوا لمرحلة لم يجدوا وسيلة لإثبات أنفسهم وتعزيز شعورهم بالقوة، سوى بإشهار السلاح، سواء غضباً أو ابتهاجًا من دون الاكتراث لتداعيات ذلك.  

وهذه هزيمة إضافية من هزائم ما بعد انتفاضة 17 تشرين: تراجعت ثقافة التمرد على أركان السلطة، لصالح تقدّم ثقافة إطلاق الرصاص ابتهاجًا بتسويات جديدة على حساب الناس.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها