آخر تحديث:16:40(بيروت)
الجمعة 23/10/2020
share

"الثورة" تتحول إلى معارضة سياسية باتجاهين متناقضين

مارك ضو | الجمعة 23/10/2020
شارك المقال :
"الثورة" تتحول إلى معارضة سياسية باتجاهين متناقضين القوى المنضوية في الثورة تتحضر لدخول الصالون السياسي (الأرشيف، علي علّوش)

ها قد تمت تسمية سعد الحريري. خرج من رئاسة الحكومة في 29 تشرين الأول 2019 وعاد إليها في 22 تشرين الأول 2020 (358 يوماً). ليس هناك من حدث رمزي أكثر تعبيراً عن انتهاء محاولة التمرد لإسقاط المنظومة الحاكمة، عبر الثورة الشعبية، من عودة وجه أساسي من وجوه المنظومة.

في 2019 كانت الثورة شعبية. في تشرين 2020 تستمر روحية الثورة لكن خاسرة شعبيتها. فما المسار الذي سيسلكه مئات الآلاف من اللبنانيين الذين حسموا موقفهم بضرورة الاستمرار بمواجهة النظام برموزه وأحزابه ومنطقه السياسي؟ هل يتحول هؤلاء إلى معارضة ثورية، لا ترضى بأي تسوية، وتنتظر كل خطأ لدى المنظومة الحاكمة للإنقضاض عليها، أم تراهن على فشل المنظومة والانهيار الكامل، حتى يعود نبض الشارع وتستعيد الأفكار الثورية شعبيتها.. وعندها قد تنتصر بقلب المنظومة تحت شعار "كلن يعني كلن"؟

في ظني أن هذا ضرب من الخيال. الزمن لن يعود إلى تشرين 2019. والدليل القاطع، هو ضعف رد الفعل الشعبي على انفجار 4 آب، الذي أكد أن الشعب اللبناني لم يعد يحبذ المواجهة مع المنظومة. خصوصاً مع تهويل حزب الله بـ"عدم الاستقرار الداخلي" والتلويح بحرب أهلية. العبارة التي عاد وذكرها الرئيس ماكرون في خطابه ما بعد استقالة الرئيس المكلف مصطفى أديب.

مرة جديدة تدخّل حامي المنظومة الحاكمة، شاهراً العنف وسلاحه الطائفي، بعد انقضاضه على المتظاهرين في الساحات، والتلويح به في حال استمر الضغط عليه، خصوصاً بعدما عُلّقت المشانق لرموز المنظومة ومن بينهم أمين عام حزب الله حسن نصرالله. الشعب اللبناني قال كلمته، عندما لم يشارك بكثافة وعنف وشراسة بعد انفجار 4 آب. وبصريح العبارة اتخذ موقفاً ضد التصعيد الدموي بوجه من يهوّل به.

إذاً، لا عودة إلى صراع شعبي ثوري في الشارع، يحاول قلع النظام برمّته. ولذا، يتبقى خيار واحد، هو أن يتحول مئات الآلاف من الذين انخرطوا في الثورة، ورفعوا قبضاتهم، إلى معارضة سياسية. معارضة تتعاطى مع الممكن في السياسة، وترضى بميزان القوى الذي انقلب لصالح المنظومة، بعد انكفاء التأييد الشعبي للثوار، ووصول الدعم الدولي الفرنسي وتجييش حزب الله للعنف والتهديد بزعزعة السلم الأهلي، وآخرها استرضاء الحكومة الأميركية بعد تقديم المنظومة مفاوضات ترسيم الحدود كفدية للبقاء، وتجنباً للعقوبات.

الخيار الوحيد لمئات الآلاف من المواطنين الذين يريدون الاستمرار في المواجهة وكسر هذه المنظومة، هو تشكيل معارضة وطنية، ذات شرعية شعبية، ورؤية سياسية، وقدرات تنظيمية وإعلامية ومادية، لتتمكن من مقارعة المنظومة على كل الصعد، ومنها النقابات والبلديات والجامعات.. وفي السياسة، عبر الطروحات والبرامج، وكذلك على مستوى العلاقات الدولية، كما في القدرة على تحريك الشارع والمواجهات عبر الاعلام.

القوى المنضوية في الثورة أصبحت تدرك ذلك الواقع، وتتحضر لدخول الصالون السياسي، بينما يبقى بعض منهم متمسكاً "بدرابزين" الشرفة، راضياً أن يكون على هامش الحياة السياسية، من دون برنامج يتخذ مواقف واضحة من القضايا الأساسية، وتقوّضه التناقضات الداخلية التي يعنى بها المواطنون والمواطنات اللبنانيين.

أما الأكثرية، وبعد أشهر من التحضير، فيبدو أنها أصبحت جاهزة للانتقال إلى الحياة السياسية المعارضة. وقد برز منهم اتجاهان واضحان. الأول، يرى أن حزب الله هو العنصر الأقوى في المعادلة، وصاحب الفيتو الكاسح. لذا، معارضتهم للمنظومة مصاحبة لتحييد حزب الله، بل وتسعى للحوار معه لتنظيم عملية تسليم السلطة من منظومة الفساد إلى "المعارضة الحقيقية". وهذا الموقف كما يظهر تتبناه الكتلة الوطنية وحركة مواطنون ومواطنات. وهؤلاء يرون أن الثورة يجب أن تتحول إلى معارضة سياسية وتشكل جبهة، استراتيجيتها جذب الحزب أو عدم استعدائه للوصول إلى السلطة.

أما الاتجاه الثاني، فهو يطرح معارضة للمنظومة الحاكمة التي يترأسها حزب الله ويشكل عمودها الفقري وحاميها. وبالتالي، يضع مواجهته كأولوية في برنامج الوصول إلى الحكم. وذلك يكون عبر حكومة مستقلة عن المنظومة، تحد من نفوذ الزعماء أو عبر انتخابات نيابية بأحسن قانون ممكن. وهذا الاتجاه الذي يجتمع فيه عدد من الأحزاب ومجموعات الثورة، يجد في النواب المستقيلين وأحزابهم مثل الكتائب وحركة الاستقلال الفريق الأكثر تماهياً وتجانساً سياسياً، عكس الاتجاه الأول الذي يخاطب حزب الله.

ستستمر التحولات داخل الثورة نحو تشكيل معارضة سياسية بأكثر من برنامج، وسيختار اللبنانيون المؤيدون لطرح الثورة من سيقنعهم، ومن سيجدون لديه أفضل طرح سياسي، وتنظيم، وقدرات، وكذلك قيادات ذات شرعية شعبية، وشرعية ثورية، قادرة على أن تكون البديل الجدّي للمنظومة الحاكمة في إدارة البلاد وتحقيق أهداف ثورة 17 تشرين، ولو بأساليب مختلفة عن المواجهات الشعبية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها