آخر تحديث:19:45(بيروت)
الأربعاء 21/10/2020
share

"جماهير الثورة المضادة".. تيّار يحرق قبضة الثورة وثانٍ يركَبُها

نادر فوز | الأربعاء 21/10/2020
شارك المقال :
انتهت حقبة أخرى من حقبات 17 تشرين، وفيها فصل أساسي يتطلّب خروج جماهير أحزاب السلطة من جحورها. قد تكون الثورة فشلت، لم تنجز، لم تحقّق المطلوب. راكمت وتراكم، لكنّ اللبنانيين اليوم أمام ثورة مضادة فعلية جديدة تقودها السلطة، بشقيّها المتجدّدين، في الحكومة وخارجها. قبيل ساعات من استشارات تكليف زعيم تيار المستقبل، الرئيس السابق سعد الحريري لتشكيل الحكومة، خرج العشرات من أنصاره إلى شوارع بيروت احتفاءً بعودته إلى الرئاسة.
وفي مقلب آخر، في السلطة نفسها، جمهور التيار الوطني الحرّ، الذي بات يدعم مجموعات إلكترونية تنطق بمطالبه، فتدعو إلى منع إجراء الاستشارات من خلال قطع طريق بعبدا ومنع وصول النواب والكتل النيابية إلى القصر الرئاسي. وجها عملة السلطة الواحدة، يحاولان استعادة الشارع من باب التظاهر والاحتجاج، بمطالب سياسية وشخصية بحتة، وفق المصالح والمحاصصة نفسها. تيار أول يحرق قبضة الثورة، وثانٍ يركبها. إنها الثورة المضادة.

"سعد سعد سعد"
لجمهور تيار المستقبل ثلاثية دائمة ومستمرّة لا تموت، ولو أنّ كل ما في التيار مات. مات مشروعه السياسي، ماتت مؤسساته، ماتت قدرته على استجداء العطف والتعبئة، إلا أنّ ثلاثية "سعد" لا تزال حيّة. هو هتاف "سعد سعد سعد"، الذي يردّده أنصار التيار في كل مناسبة، الذي لا يعبّر عن شيء إلا عن دعم الحريري. لماذا وصول الحريري إلى الرئاسة اليوم؟ جواب: سعد. ما الحلّ الإنقاذي الذي يحمله؟ جواب: سعد. ألم يعرف بعد أن من يأتي به رئيساً ثانية يخلعه عن الكرسي بأخرى؟ جواب: سعد. هل يجلس في السلطة مع حزب مسؤولين فيه أدينوا بتفجير والده؟ هل يثبّت على نفسه تهم الفساد وسوء الإدارة والنهب؟ هل سيأخذ في صدره الفشل الإضافي المقبل إلى لبنان؟ هل بات مدمناً على التجرّع الذاتي للسمّ؟ كل هذه الأسئلة، جوابها واحد: سعد.

انصهار السلطة
فراغ هتاف "سعد" المثلّث، دفع أنصار تيار المستقبل في وسط بيروت إلى الاستعانة بهتافات مجموعات الـ"شيعة شيعة"، بما فيها من جمع لـ"الشياح والغبيري" وباقي الأمثولة. ثم تلبّسوا الدور فعلياً، فهاجموا ساحة الشهداء وأضرموا النار في قبضة الثورة، وبعض الخيام الموجودة فيها.
مقابل التجمّع الحريري، تجمّع آخر لعشرات الناشطين من مجموعات 17 تشرين، عملت القوى الأمنية على الفصل بينهم والحؤول دون أي احتكاك. في السلطة، انصهار كامل بين المكوّنات وتكامل في الأدوار والمهمّات. وفي إحراق "القبضة"، رسالة واضحة من هذه الأحزاب بأنّ الثورة انتهت إلى غير رجعة. عودوا إلى منازلكم وذلّكم اليومي لأننا كرّسنا أنفسنا سلطة أزمات ولا حلول. وكعادة الأحزاب الحاكمة، صدر عن تيار المستقبل بيان نفى فيه أن يكون أنصاره قاموا بإحراق قبضة الثورة في بيروت، في صيغة منقّحة لمفهوم "العناصر غير المنضبطة".

الفصام الباسيلي الكامل
في المقلب الآخر، تيار سياسي حاكم فعلياً بموقع رئاسة الجمهورية وبأكبر كتلة نيابية. قرّر التيار الوطني الحرّ أن يطوّر فصامه السياسي ولعبه الدائم على الحبال، فبات فعلياً خارج الحكومة برفض تكليف الحريري. إلا أنه سيكون ممثلاً فيها بحصة رئيس الجمهورية. ومن المتوقع أن تبلغ المكيافيلية الباسيلية المشوّهة والمفضوحة مداها الأوسع في الأسابيع المقبلة. سيكون التيار منسجماً أكثر مع فصامه. ففي فترات 17 تشرين، كان التيار يتظاهر رفضاً للفساد وهو على رأس السلطة. واليوم دعوات مبطّنة مدعومة من التيار للوقوف بوجه الاستشارات بقطع الطريق عند قصر بعبدا. هي الطريق نفسها التي "لا تُقطع، لأنّ في بعبدا جبلاً". فأمام التيار فرصة ذهبية لترجمة ازدواجية خطابه الدائمة، ليجعل من الثورة خنجر بروتوس يطعن به من يشاء وكيفما يشاء، حتى نفسه. سيستخدم التيار عنوان "الثورة" كدرع واقٍ، يهجم ويدافع عن نفسه من خلاله. واقي يستخدمه ثم يرميه ليعقد الصفقات والمصالحات. فالمرحلة ذهبية للتيار لتحقيق فصامه الكامل.

أعادت الساحة السياسية تشكيل نفسها بعد عام من ثورة 17 تشرين. سلطة تحكم، وأخرى تشاركها وتعارض وتركب موجة الثورة، وبينهما مجموعات ناشطة وائتلافات غير ناضحة لا في التنظيم ولا في السياسة ولا في العمل الميداني. كأن اللبنانيين عادوا إلى المربّع الأول، إلى مربّع سياسي أصعب من ما سبق 17 تشرين. إنها الثورة المضادة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها