آخر تحديث:13:31(بيروت)
الأحد 18/10/2020
share

تشرين الاعتراض: مراجعة شعبية

أحمد جابر | الأحد 18/10/2020
شارك المقال :
تشرين الاعتراض: مراجعة شعبية لا معارضة من دون تنظيم (علي علّوش)

أحيا الشارع اللبناني ذكرى مرتاديه المعترضين. تنقلت أحاديث الذكرى بين ألوان المختلفين والمتفقين، ومن كان موزعا على ضفتي الحالة الإعتراضية. لم تحجب ألوان التعدد، المجتمعي والسياسي، لون الاتفاق على تحديد أصل البلاء اللبناني، ذاك المتمثل في النظام الطائفي، وكان واضحا التلاقي حول تحميل مسؤولية الانهيار للزمرة السياسية الحاكمة والمتحكمة. هذه اللمحة الموجزة عن حال حركة الشارع، بعد سنة من بدئها، تعيد بلورة الأساس الثابت الذي نهضت فوقه "عمارة" ما تلا من يوميات شعبية، وتسمح، في الوقت عينه، بمعاينة مدققة، منصفة نقدياً، تتجنب العدمية، ولا تقع في مديح" الظل العالي"، وتتمسك بالواقعية اللازمة، عند انصرافها إلى صياغة خلاصاتها العامة.

في البدء
كثرت أسماء الحالة الشعبية التي نشأت في 17 تشرين الأول 2019. العودة إلى الإسم المحدد، الذي يشبه واقع الحالة الشعبية، ليس اجتهاداً لغوياً، فالتسمية تعطف على مضمون اجتماعي، ذي سياق محدد، ومسار مرجح، ووصف سياسي غالب، يشبه حقيقة الموصوف، ويقترب منها، على غير مطابقة قسرية، وعلى غير مفارقة مفتعلة. على خلفية الاعتراف المتفق عليه، مازالت حالة الاعتراض غير مؤطرة ضمن أشكال تنظيمية، وحركتها لا تلتزم بمادة برنامجية، ووجهة سيرها، تقدماً أو تراجعاُ، لا ترسمها قيادة جماعية، أو إئتلاف جبهة وطنية مشتركة، أو توافق عدد من الهيئات التنسيقية.. بكلمة، ما زالت حالة الاعتراض حرة من دون قيد تحديدي، في السياسة كما في التنظيم، لذلك فإن وصف هذه الحالة لا يكون إلا عاماً وتعميمياً، والإشارة إليها تكون من خلال جملة: الحركة الشعبية، وهذه الجملة الأخيرة، هي الإسم "الطبيعي" لاحتشاد الجمهور الذي حركته أسباب مختلفة، فقال ما قال، وفعل ما فعل، وكان هو مرجع ذاته، عند بدء إعلان غضبه، وعند لجوئه إلى كل القنوات التي تدفق فيها غضبه.

هي الحركة الشعبية في الشارع إذن، وهم الناس "بالفطرة" وبالحدس، وبالوعي، وبالأمل، وبالألم، وبالواقع، وبالأوهام. ما سبق، يحرر النقاش من أسئلة ما هي الحركة الشعبية؟ وكيف تكون حركة؟ وهل تستوفي الحركة هذه شروط الحركة؟ الجواب واضح وسلس: هذه هي الحركة الشعبية اللبنانية في نسختها الواقعية عام 2019، هي نسخة "طفلة"، وعلى كل مهتم أن يواكب نموها وتطورها واشتداد عودها، فهي ستكون شابة، وستبلغ سن رشدها، وستكون أماً.. إذن، وكخلاصة، لا يمكن إعطاء إسم الصبية للحركة الطفلة، ولا يمكن أن تكون الصبية أماً قبل حدث الولادة.. نلخص بالقول، إن جملة الحركة الشعبية تفتح على المستقبل، فلا تستبق مراحله، وتتصل بزمنها القبلي، فلا تلغيه، وإن انقطعت عنه وتجاوزته بما هو ماض عتيق.

نجاح البداية
لقد خالفت الحركة الشعبية القراءات الحزبية التقليدية، ففاجأت حركتها الظن" الحزبياتي" بموات القلب الشعبي، وأعادت كرة الموت السياسي إلى ملعب الذين صمتوا دهراً، فقالوا إيماناً قليلاً، وكثيراً ما نطقوا كفراً.

نجاح الحركة التشرينية، الأول، والأبرز، تجلى في بلورة توق كتلة جماهيرية واسعة من اللبنانيين، إلى الحرية، وإلى الكرامة الفردية والجمعية، وإلى كسر قيد التأبيد الطائفي، وتحطيم الصنمية المذهبية. في تشرين هذا، حضرت لبنانية طامحة إلى بلورة تعريف لها، يتجاوز ما هو متداول من تعريفات لصيقة بأكثر من لبنانية.

النجاح الثاني الهام الذي حققته الحركة الشعبية، برز واضحاً في الشجاعة التي أظهرها الجمهور الشعبي، حين أنزل الأسماء المسيجة "بالتعالي" إلى أرض إرادته، وعندما هتك ستار الرفعة الرسمية المدعاة، فأظهر الحقيقة الوضيعة، لأصحاب الألقاب والمقامات الرفيعة.

الشجاعة بما هي معطى أخلاقي، هي سبيل عمل سياسي، وهي أسلوب ممارسة نضالية. لقد كانت الحركة الشعبية شجاعة أخلاقياً، ومقدامة سياسياً ونضالياً، لذلك، كانت موضع ثقة في بدايتها، وكانت فعلاً تنعقد عليه الآمال.

نجاح ثالث، يمكن أن ينسب إلى الحركة الشعبية، فحواه، كشف هشاشة البنية النظامية اللبنانية، وعشوائية سياساتها، وأكذوبة تماسك ماليتها واقتصادها، وكشف مسؤولية إدارتها عن الخراب الوطني العام، الذي غطت عليه "ديمقراطية" التناهب المذهبية، ففضحته اللفحة الاعتراضية الشعبية، بعيد هبوب ريحها.

هذا على الضفة الرسمية، أما على الضفة الشعبية، فقد رفعت الحركة الشعبية الغطاء عن عجز الحزبيات السياسي، وعن جمودها الفكري، وعن ضيق رقعة مساحتها الشعبية.. كان من شأن ذلك، أن يضع الأحزاب الموروثة في الصفوف الخلفية، فإذا حضرت لبست لبوس الجمعيات المدنية، وارتضت النزول تحت سقف كلامها.

ارتباك السياق
لم يطل الوقت، فبرز ارتباك الحركة الشعبية في مسارات سياقها. كان ذلك متوقعاً من قبل من قرأ الحركة بما هي عليه، أي بالاستناد إلى معاينة ممكناتها، وما هو خارج هذه الممكنات.

ظهر الارتباك في مواقف ومحطات، وفي أداء وممارسات. الأبرز من بين ما سبق ذكره، حملته شعارية التعميم التي جعلت كل شرائح النظام كتلة متراصة واحدة، من دون أدنى تمايز أو تمييز مصلحي خاص. هذا الارتباك التصنيفي حمل أخطاء سياسية تكتيكية، كان يمكن تلافيها في حال امتلاك البرنامج، وفي حال توفر هيئات القيادة والتنظيم والتوجيه.

تشرين 2020
حصيلة عام من النهوض، فالمراوحة، فالتراجع المتمادي، تضافرت على صياغتها الحركة الشعبية "الطفلة"، وقوى النظام المضادة، التي تضم النسقين، الرسمي والأهلي. هذا صحيح، لكن الصحيح مساءلة الذات أولاً، ومن ثم مساءلة الآخر، ومن الطبيعي أن تقوم الحركة الشعبية، وكل حركة معارضة، بتقدير موقف سياسي عام، يضع في حساب معارضته، ممكنات النظام وأساليبه، وقدرات المعارضة وأساليبها أيضاً.

بناء على حسابات السياسة وتقدير الموقف، يمكن القول، إن على الحركة الشعبية إعادة النظر في مواقفها من:

- التنظيم، فلا معارضة من دون تنظيم.

- ومن مسألة القيادة، فليس صحيحاً أن كل فرد قائد.

- ومن السياسة، فالحركة الشعبية عمادها السياسة، وأهدافها سياسية، لذلك لا بد من انبثاق أحزاب سياسية تشبه حركتها الشعبية، فلا تكون نسخة عن أحزاب سابقة، ولا تكون استنساخا لحزبية خارجية تسقط على واقع لبنان، شعاراتياً أو انتظامياً، أو على صعيد سياسي واجتماعي.

وفي موازاة ذلك، لا عذر لكل الأحزاب الموروثة، في إحجامها عن فتح الأبواب التي أغلقتها نسخة الحركة الشعبية الحالية، قصداً إرادياً أو استخفافاً عفوياً، فالعمل السياسي، تكراراً، لا تقوده جمعيات مدنية، لذلك فإن من يجهر بالتغيير السياسي، عليه اقتحام السجال المجدي، مع كل جهة تجهر بوضع السياسة جانباً.

في تشرين 2020، تكفي الإشارة إلى أخطاء ألحقت ضررا بحركة الناس، وإلى ضرورة تجاوز هذه الأخطاء، حتى يكون ممكناً إعادة ضخ الزخم في حركة شعبية ستظل هي معقد آمال الناس، ووسيلة عملهم المتدرج المتواصل، حتى بلوغ محطة التغيير الشامل، الذي لا بقاء للوطن اللبناني من دون الوصول إلى تحقيقه، كغاية وطنية مصيرية. إلى ذلك، ارتبكت الحركة الشعبية عندما صار كل برنامجها رفض ما يطرح عليها من خارجها، وهي بذلك، انكفأت إلى حالة رد الفعل، بديلاً من الثبات في موقع الفعل، والمبادرة إلى تطوير أساليبه.

إضافة إلى ما جرى ذكره، خاصمت الحركة الشعبية الحزبيات الموروثة، فاختزلت تجاربها بكلمة: الفشل. كان ذلك كفيلاً بعدم انتظام الود بين الجمهور الحزبي، وبين الجمهور الجمعياتي، مثلما كان رفض الأحزاب ذريعة لرفض كل الدعوات التأطيرية الانتظامية، وكرس العفوية والتلقائية، كمرادف للحرية التي هي ميزة الحركة الوليدة الجديدة.

لم يتأخر الارتباك عن التفاقم، فصار مراوحة، ثم غدا سكوناً، ثم انفتح على سياق الاستنزاف والانسحاب.. فكان ما بات ملموساً، من موسمية يفصل بين محطاتها سكون وسكون.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها