آخر تحديث:00:09(بيروت)
الأحد 26/01/2020
share

مسؤولية التحرك الشعبي الجديدة

أحمد جابر | الأحد 26/01/2020
شارك المقال :
مسؤولية التحرك الشعبي الجديدة مئة يوم تجاوزت عديد السنوات الكفاحية حضوراً وفعلاً وتأثيراً (مصطفى جمال الدين)

تشكلت الحكومة اللبنانية، وهي في انتظار ثقة مجلسية مضمونة. البيان الوزاري المرتقب سيحدد السياسات العامة للتشكيلة السلطوية، وإذا كان من غير المتوقع انقلاب التشكيلة هذه على ذاتها، إلا أنها باتت في موقع الاضطرار التجميلي، بعد أن أخرجت ما في جعبتها من قبح إدارتها السياسية.

التجميل والمناورة والالتفاف على الأزمة وعلى الاحتجاج الذي اندلع في الشارع ، سيظل كله سياسة مضمرة لدى الحاكمين المتحكمين، أي أن أولئك سينطقون جديداً سياسياً تلفيقياً، وسيمارسون قديماً سياسياً أصلياً، مما يعني أن التحرك الشعبي الذي افتتح مساراً اجتماعياً جديداً، سيكون عليه الانتقال من جديد ما قبل الحكومة الحالية، إلى جديد متقدم يضع في حسبانه حقيقة ملء موقع الرئاسة الثالثة الذي كان شاغراً، بسبب انفجار أزمة إدارة الشؤون اللبنانية بين أيدي مديريها، وبسبب ضغط التحرك الشعبي الذي أضاف من عندياته إلى عوامل هذا الانفجار.

مراجعة مئوية التحرك
افتتاح المرحلة الشعبية الجديدة يمر من باب مراجعة سردية الأيام التي تعدت المئة رقماً، وتجاوزت عديد السنوات الكفاحية حضوراً وفعلاً وتأثيراً. المراجعة مفتوحة بدورها على خلاصات واقعية. فهي مشتقة من سياسات محددة، ومن شعارات ووسائل وأساليب تعبير ملموسة، وعلى ذلك ترتبت نتائج جمعت بين النجاح والإخفاق.. إذن، مهمة النظر في اليوميات الشعبية السابقة، تشكل مرحلة متصلة اتصالاً فورياً ومباشراً بواقع الأيام الشعبية المقبلة، من دون مهلة انتظار نظرية، ومن دون استبعاد مهلة مراقبة عملية تقتضيها أسباب التحرك الشعبي وضروراته. منطق المراجعة والخلاصات، استبعاد العدمية التي تتصل باليأس أو التيئيس أو إعلان عدم الجدوى من ضغط الشارع الشعبي، كذلك استبعاد الاحتفالية التي تعطي لأيام الاحتجاج الصاخب فوزاً لم تحققه، وتفترض لها قوى وقوة ووحدة وانسجاما.. مما تنفيه العين البصيرة، وترفع كل ما مورس من قبل المحتجين إلى مرتبة "ما فوق النقد"، فتكرر بذلك مقولة حزبية رائجة صوتياً، مضمحلة عملياً، مفادها: لقد أثبتت الحياة صحة خط الحزب.

التحرك ومشكلة انتظامه
تبدو كلمة التنظيم مستهجنة لدى صف واسع من مجموعات التحرك، وهي مدانة من ذوي الانتماءات الحزبية السابقة. توجس المجموعات المدنية مفهوم، لكنه غير مبرر، لأن المنتمين إلى جمعيات العمل المدني يستبعدون كل دعوة تنظيمية، لأن ما تناهى إلى أسماعهم عن تجربة الأحزاب اللبنانية لا يتعدى عدداً من الجمل الاتهامية و"التحقيرية". لكن ما ليس مفهوماً هو ترويج الحزبيين السابقين للعفوية المطلقة، لأن ما رسب في عقول هؤلاء لا يتجاوز أحكام تجاربهم الفردية الخائبة أو المحبطة أو المستنكفة أو المنسحبة من ميدان النضال الشعبي. وقد اكتفت "من الغنيمة بالإياب".

الموقفان هذان أصابا قدرة التحرك العملية في الخطة والمتابعة وأساليب العمل والتعبير، وأصابت قدرته في المراكمة وفي مرحلة تحركه شعارياً وعملياً، وفي عجزه عن منع التحركات العنفية وغير العنفية التي خرجت ن سياق مطلبيته العامة، وعن سمة سلميته الجوهرية.

انتظام أو تنسيق واسع، أمر لا يستطيع التحرك الشعبي أن يتجاهله في مرحلته الجديدة، وتشكيل نواة صلبة واضحة القول والعمل والوجهة، تشكل قوة حضور مستدام في مواقع الاحتجاج والاعتراض، ومركز جذب وتحلق لكل مكون حيوي من مكونات التحرك، أمر تفترضه الاستدامة الكفاحية التي تتجاوز الموسمية، وتبتعد عن الاستنسابية في ابتكار وتنفيذ خططها البرنامجية.

وكي لا ينطوي الأمر على عملية إسقاطية، أو على اقتراح قالب تنظيمي أو تنسيقي جاهز يتنافى مع مضمون العملية الديموقراطية المفتوحة، ينبغي القول أن الصيغة " الجمعية" ضرورية، والحاجة إليها ماسة، وهي من شروط تفعيل التحرك وشد عصب وحدة أدائه، وتطوير تجربته ومراكمة خبراتها، كذلك ينبغي التشديد أن أمر ابتكار هذه الصيغة يعود إلى كل المنخرطين في معركة الحركة الشعبية، ويقع على كل المتقدمين وعياً وممارسة من بين أولئك، أن يتقدموا صفوف الداعين إلى تأطير فعل التحرك، وإلى صيانة سلامة مسالكه اليومية.

التحرك والمستقبل القريب
مع الحكومة الجديدة، وفي سياق مراجعة فترة الشهور الماضية، سيكون على التحرك تحديد خطة المواكبة المطلوبة سياسياً، وخطة الضغط المناسبة عملياً. في هذا المجال، لا يصح شعار إعطاء فرصة للحكومة حسب المفهوم الرائج شعبياً للفرصة، فمن يعتنق هكذا رأي يدعو إلى هدنة "خمود"، أو إلى المراقبة من حالة السكون، والحال أن التحرك، ولكي يظل تحركاً، عليه المتابعة من حالة الحيوية، ومن وضعية إعلاء صوت الاستعداد والتأهب والحضور. الوضعية المشار إليها هي مادة النقاش بين مجموع قوى الحراك، فإذا كان الحضور واجباً، وهو كذلك، فالسؤال: كيف يكون الحضور؟ أهو حاشد في كل مرة أم بواسطة مجموعات "تذكيرية"؟ وكيف يكون إثبات الحضور؟ بصخب أم بصوت مسموع؟ ثم ما وتيرة النزول إلى الشارع وما مواقيتها؟ أهي مستقلة عن ما يصدر عن السلطة؟ أم هي مبادرة سباقة إلى طرح المطالب المبادرات؟ أم أن الوتيرة تجمع بين الفعل ورد الفعل في آن معا؟ ما يمكن استنسابه والدعوة لاعتماده في هذا المقام، هو ضرورة وأهمية عدم إخلاء الساحة لأهل الحكم، بحيث يتوسمون تعباً في التحرك أو تبدداً لقواه، ومن الواجب إبقاء سيف الضغط مصلتا على "رقاب" قرارات من آلت إليهم مهمة إقتراح وإصدار القرارات. هذه الوجهة في الدعوة تفترض أن المعركة السياسية والمطلبية مع السلطة الحاكمة والمتحكمة طويلة وصعبة، لذلك يجب أن يكون الاستعداد عالياً، والحيوية السياسية والنضالية دائمة التجدد.

خلاصة
من المراجعة، إلى أساليب العمل، إلى ربط ما مضى بما هو آت من مهمات شعبية.. يبقى الفيصل تقدير الوضع الذاتي للتحرك وهو يتقدم ليتبلور في "كينونة" سياسية واجتماعية.. نعم، ما تقدير موقف التحرك لذاته؟ الكلمة الفصل للتقدم صوب المستقبل لميزان القوى، ولحقيقة واقع القدرة الذاتية، وصفارة التحرك تطلقها الحناجر وترفعها الأكتاف، لا تحملها الأمنيات ولا الرغبات.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها