آخر تحديث:00:12(بيروت)
السبت 18/01/2020
share

ليلة الحمرا والانتفاضة: عود على بدء في مسألة "العنف"

وسام سعادة | السبت 18/01/2020
شارك المقال :
ليلة الحمرا والانتفاضة: عود على بدء في مسألة "العنف" أجمل مشهديات الانتفاضة: الاحتجاج أمام "ثكنة" وليس "مصرف" (مصطفى جمال الدين)

عنف تختزنه مقالة محمد أبي سمرا "الحمرا والمصارف: أحفاد علي شعيب وثوار ما بعد الحداثة". من النوع الكافي لإشعال  واجهة مصرف. فالأوصاف تتوالى ضدّ شباب في سن العشرين، من المتّسع الوقوف على عيّنة منهم في الأسماء الخمسين أو الستين التي أوقفت وأفرج عن معظمها، بعد أن امتدت الحركة الاحتجاجية "من أمام" المصرف المركزي إلى "من أمام" الثكنة. "أحفاد علي شعيب – الدونكيشوتيّون – ثوار ما بعد الحداثة – مرتزقة الممانعة – المسحورون"، وسواها.

هجاء "انثروبولوجي" غنائي
سياسياً، مشكلة أبي سمرا مع هؤلاء الشباب يفترض أن تكون أنّهم "عنّفوا" واجهات المصارف، واستفزهم حديث حاكم "المركزي" الجاثم منذ 28 عاماً هي هي عمر نبيه بري في رئاسة "النواب". حديثه عن حق المصارف في تسديد الحساب الذي بالدولار بالليرة، فيما سعر صرف الليرة الفعلي يتهاوى، وسعرها الرسمي يقترن بسحب معظم أموال الناس عن الناس، وإفساد في الأرض تمارسه السوق السوداء في لعبة تضخّم متفاقم.

لنفترض أن شباب الحمرا لبسوا الثياب إياها، بغيفارا إياه، لكنّهم توّجوا صوب أقرب مركز لـ"حزب الله" وهاجموه وكتبوا بالأحمر "خذها من حسين مروة ومهدي عامل". لو فعلوا ذلك هل كان أبي سمرا ليصفهم بالنعوت الهجائية المتتالية التي أخرجها من جعبته؟ أراهن أنه لو حصل ذلك، كذلك، لما وجد أبي سمرا، في وصف المهاجم منهم غير "قاومت لتحرّر دمك".

إذاً، مشكلة أبي سمرا هي مع هذا الشبح في أبي سمرا نفسه. بما أنّ الثائرين لم يتوّجهوا لأقرب مركز لـ"حزب الله" لإخضاعه، فإنهم على ضلالة. ليست المشكلة إذاً مع "العنف في ذاته" بل المشكلة في وجهته. المصارف بدلاً من "حزب الله". فيما المنهاج الصحيح "حزب الله" قبل المصارف.

لماذا يتوجه الشباب لمهاجمة المصارف بدلاً من مهاجمة مراكز "حزب الله"؟ هذا هو السؤال "الأرق" الذي يخفيه عنف اللوحة الأمامية للنص. الجواب السريع الذي هو النص نفسه، لأنّ هؤلاء هوّامون ومسحورون. يريد أبي سمرا أن يفكّ السحر عنهم "من حرقة قلبه".

النتيجة، أن نصّه يكابر على الباعث السياسي له. لو اكتفى بهذا الباعث لقال: المشكلة يا شباب مع حزب الله وليست مع المصارف، وليتكم صرفتم هذا الجهد الكفاحي ضدّ حزب الله. لكن لا، الكاتب يريد أن يقرن باعثه هذا بقول هجائي في العنف ذي الجذور الريفية المؤدلجة. هجاء "انثروبولوجي" غنائي في آن.

لا تكاد تسأل نفسك ما الذي يفرّق بين أوصاف ثوار بعد الحداثة والدونيكشوتية والمسحورية والإرتزاقية وما يجمعها، حتى يخبرك أبي سمرا بأن اسم علي شعيب الذي "رشّه" أحد الشبان على أحد الجدران كان منسياً في ذاكرته، واحتاج لجهد كي يخرج هذا الإسم من غياهب النسيان.  

والحال هذه، يبدو أن أبي سمرا لم يقرأ هذه المرة مقالة وضاح شرارة في "المدن"، شباط الماضي: "قيام الساعة على باب مصرف أميركي في بيروت" أو غفل عنها. اختزل شرارة صورة شعيب كما هي بادية في "مدوّنة" رواية عباس جعفر الحسيني "26 ساعة: بنك أوف أميركا" على أنها ثلاثية "جروح نفسه وموت أخته وحصره الجنسي". بدوره يحمل أبي سمرا على "تهاويم أمثال علي شعيب الطبقية وأحقادهم المستلة من كلمات ومحفوظات مدرسيّة فقيرة. وهي تهاويم وأحقاد تختلط بشهواتهم وأحلامهم المقموعة المستحيلة، الخلّبية والملتهبة". الفارق أنّ ما أرّق شرارة في مقالته هو شيوع علي شعيب لا غيابه. يقول: "على خلاف اليساريين التقدميين، وانقطاع ذريتهم تقريباً واقتصار إرثهم على معالم (سياحية) خاوية لا يقف عليها أو بها غير بعض أحفادهم، تملأ "ذراري" مقاتلي الحركة الثورية الاشتراكية، من غير انتساب ولا انتماء، أنحاء واسعة من بلانا، وتنزل أفكارهم ومعاييرهم ومثالاتهم في العقول والقلوب وعلى الألسنة و"تستعمرها" أو تكاد".

ما بعد الحداثة؟
لا يكاد يمرّ يوم واحد لا نرى فيه احتجاجات خشنة لمتظاهرين على امتداد العالم، وقد داومت "القمصان الصفر" لأسابيع متتالية على ذلك في وسط باريس. كوكبية الظاهرة لا تخطر على بال أبي سمرا، مع أنّه يصف المهاجمين بـ"ثوار ما بعد الحداثة". فقط لأنهم كتبوا علي شعيب، يلهو عن "الجيلي جون" وأخواتها.

ترى ما الذي يقصده كتاب صحفنا ومواقعنا حين يغدقون صفة "ما بعد الحداثة" على كل ما غمض أو نفر؟ ما تقسيمهم للزمان؟ هل للزمان من تقسيم عندهم؟ ما فهمهم للحداثة، ووجه علاقتها بالتنوير؟ ما فهمهم للتحديث وعلاقته بالتغريب؟ هل ما بعد الحداثة حداثة ثانية أو عود أبدي أو عماء أو آخر الزمان؟ أو هي الراهن والسلام؟

على ما يظهر من نص محمد أن ما بعد الحداثة عنده شيء هجين، مرذول لهجانته، وأنّها تخبّط يعود بشكل أساسي إلى "تمازج الأعراق": عرق المدينة، وعرق الريف. مشكلته أنّه ينظر إلى الحداثة نفسها كـ"نقاء"، أو لإستعادة المضمر "الشراريّ": كسويّة.

تطبيقياً، ما هي السويّة في الحالة التي أمامنا؟ أن يقعد المتظاهرون في منازلهم؟ أن يذلوا أمام كونتوارات المصارف؟ أن يتوجهوا إلى أقرب مركز لـ"حزب الله" لإخضاعه؟ أن ينتظروا الفرج من متغيرات في السياسة العالمية؟ ربّما كان الإبتعاد عن السوية في مثل هذه الأسئلة. في أي أسئلة تفترض "الحقيقة" قبل "الفعل". لا حقيقة إلا التي ينتجها الفعل نفسه، أو التي تعيد إنتاج نفسها على محك هذا الفعل.

أن تتنامى الاحتجاجات "الخشنة" على الصعيد العالمي، وأن تكون مثالات "العمل المباشر" حاضرة، على اختلافها على مدار العالم، من دون أن يكون هذا الاستحضار هو إحياء للوقائع نفسها المنعزلة عن الجموع، بل هذه المرة من خلال حركة الجموع نفسها. فهذا يجعلنا أمام جيلين عالميين مختلفين إلى أبعد حد. ومع أنّ أبي سمرا يتكلم عن "ثوار ما بعد الحداثة" فإنّ هكذا مقابلة لا تعنيه، لأنها ستفسد عليه لعبة الغميضة "القرية المعدية – المدينة المصابة بالعدوى".

"تصحيح" علي شعيب
لو شئنا الاستئناس بشيء من "السوية" لقلنا مع مؤرخ الأفكار الفرنسي فرنسوا كوسيه أن العنف الانتفاضي لا يكفي لوحده لتشكيل الذات الجماعية الكفاحية، وتبجيل العنف كعنف يضرّ عملية هذا التشكيل أكثر مما يفيدها، لكن تشكيل أي ذات جماعية كفاحية فعلية لا يمكن أن يحدث من دون عنف ما، طالما أنّها ذات تناضل من أجل إعادة توزيع كل من الثروة والعنف في مجتمعها، انطلاقاً من مثالات عن المساواة أو العدالة.

ليست ظاهرة شعيب ورفاقه في السبعينيات هي نفسها في الذاكرة وفي التاريخ، وليست هي نفسها في جيلها وفي الاستحضار لها ضمن الانتفاضة حالياً، بنتيجة التصادم الفعلي حالياً بين المصارف والمودعين، وبين المصارف وذوي الأجر ككل. وإذا كان ثمة شباب في الانتفاضة يشعرون بـ"سحر" علي شعيب ورفاقه، فالأحرى الإنصات إلى هذا لفهمه، وليس الإغلاظ عليه. ما لم ينتبه إليه محمد أن شباب الحمرا يستعيدون وهج علي شعيب، وراهنية المواجهة مع المصارف أولاً، لكنهم أيضاً "يصحّحون" شعيب، ذلك أنّهم لا يقومون مثله بعمل "بلانكي" معزول عن الجماهير، بل عمل احتجاجي في الإطار الجماهيري، وهو ما تجلّى في واحدة من أجمل مشهديات الانتفاضة: الاحتجاج أمام "ثكنة" وليس "مصرف". هذه نقطة نوعية استعجل أبي سمرا كتابة مقالته قبل انتظارها. الشيء نفسه، بالنسبة للشباب و"حزب الله". قد يكون قسم أساسي منهم "معلّقاً" لمسألة "حزب الله، أو مرجئاً، أو مسوّغاً، لكنهم بالمحصلة ينتجون طاقة، من التعسف ردّها إلى طاقة "حزب الله" نفسه.

العنف والحقد
ومن مشكلات مقالة أبي سمرا وسواها في اليومين الأخيرين، استسهال الدمج بين العنفية والحقد. والحال أنّه لو حظي المرء بمتعة قراءة "تفكرات حول العنف" (1908) لجورج سوريل (ت1922) لظهر له أنّ الإشكال التأسيسي لمقولة العنف الثوري انعقد بشكل مختلف كلياً. حارب سوريل مذهب جان جوريس في الاشتراكية البرلمانية و"التطور" الجوريسي الذي هو ثورة متدرجة قوامها سلسلة إصلاحات. قال سوريل بـ"النقابية الثورية" الساعية وراء تحقيق ما سمّاه "الإضراب العام" في سياق حرب اجتماعية هي كأي حرب بالنتيجة، ترسم فيها خطط لإغارات وكرّ وفرّ ومحاصرة. الإضراب عند سوريل فعل حربي. في الوقت نفسه كان سوريل عدوّاً لمقولة "الحقد"، ويأخذ على الثورة الفرنسية الكبرى أنّها غرقت في الأحقاد، وعلى الديموقراطية بشكل عام أنّها فكرة حقودة. كان يجد في الحقد شيئاً غير نبيل، وغير حربي. هذا بخلاف جوريس نفسه، الذي كان على سلاميته وبغضه للعنف غالباً ما يثني على ما كان ينعته بـ"الحقد الخلاق". وأنا أقرأ مقالة أبي سمرا لحّ عليّ هذا السؤال: هل يفضّل صديقنا الحقد الخلاق أم العنف اللاحقد؟ العنف بلا حقد هو عنف أكثر تركيزاً. هو عنف بذهنية حربية.

لربما كانت السجالية القديمة بين جوريس وسوريل من "المحفوظات المدرسية القديمة" بموجب قاموس أبي سمرا الطريف. ولربما اعتبر "نظرية العنف" (مكتبة فرين الفلسفية، 2007) للفيلسوف الماركسي الفرنسي جورج لابيكا أيضاً من جملة هذه المحفوظات، علماً أن الراحل لابيكا يشدّد فيه على أنه كثيراً ما ينعت الحقد بأنه أعمى للتعمية على أصناف من الاضطهاد شتى، ولم يتردّد في الدعوة إلى "واجب الحقد الكفيل بتحويل أنواع الغضب الذي يستثيرها نظام (السيطرة) ضدّه من كل حدب إلى أنواع غضب منتجة". أيضاً كتاب الفيلسوفة النسوية السا دورلين "المدافعة. فلسفة للعنف" (2018). هذا يصعب تسجيله "قديماً". تنقض فيه دورلين التبرير اللاعنفي القائل بأنّ العنف عدوى ينقلها المسيطِرون إلى المسيطَر عليهم، والأقوياء للضعفاء، وترى في هذا التبرير جزء من العمل على نزع سلاح المضطهدين، وترى في اللاعنفية مركب ذكورية. تنطلق دورلين من فلسفات العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك، مشدّدة على أنّ الدفاع الذاتي لا يلتغي عندهما حتى مع الانتقال من حال الطبيعة إلى حال المجتمع المنظم أو المدولت. وهي تعرّف المدافعة على أنّها أن يحتفظ المرء بقدرته على إلحاق الضرر بالآخرين، وأنّ هذه إشكالية صميمة في العصور الحديثة، ذلك أنه كان يمكن لكل الناس أن تكون مسلّحة في العصور الوسيطة. حملت الحداثة معها مشروع صناعة أجسام معزولة من السلاح. وحمل هذا المشروع بدوره معه مشروع مصادرة هذه الأجسام نفسها، لأنّ الجسم هو بحد ذاته سلاح للدفاع الذاتي. ليس يمكن لأي منظومة دولة أن تسحب كل هذه الطاقات العنفية الدفاعية من أجسادنا وصدورنا. وفي كل نطاق مجتمعي، هناك دائماً مسعى لتجريد قسم من الناس من أسلحتهم، بل ومن كل قدرة على الدفاع عن أنفسهم، في مقابل صيانة هذه القدرة عند قسم آخر، والإغداق عليها بعد أكثر، سواء من معين الدولة نفسها، أو بمعية الشركات الأمنية الخاصة و"الأمن الذاتي".

واقعة كونية مزدوجة
ولو التفتنا إلى كل هذا التراكم الفكري حول العنف، من سوريل إلى دورلين، لربما امتلكنا مداخل أفضل لتفكير التفاوت في العنف في كل مجتمع، وبشكل أساسي في الوضع اللبناني، حيث مركز تمركز العنف خارج نطاق الدولة، محوره منظومة "حزب الله" المسلّحة، لكن مركز تمركز الثروة محوره الأوليغارشية المصرفية، في حين تستجيب منظومة العنف الشرعي التي هي الدولة، لهذين التمركزين المختلفين، المتواطئين حيناً، والمتشنجين حيناً آخر، مع فارق أساسي يغيّبه أبي سمرا تماماً، وهو أخطر ما حصل في تاريخ الدولة اللبنانية منذ عقود، وهو إيثار وزارة الداخلية في حكومة تصريف الأعمال حماية المصارف برجال الدرك أنفسهم الذي تقيّد هذه المصارف السحوبات على معاشاتهم وعلى ودائعهم وتتسبب سياسة وسلوكيات المصرف المركزي والمصارف والصيارفة في تبديد القوة الشرائية لمعاشاتهم بما أخذ يتخطى الثلث، مع ارتفاع التشكيك بالقدرة على دفع هذه الأجور نفسها في الأشهر المقبلة. هذا الإنحياز بهذا الشكل، من قبل وزيرة داخلية مصرفية في الوقت نفسه، لحماية المصارف من المودعين في وقت تحبس فيه هذه المصارف أموال المودعين، وتضرب عرض الحائط بمبدأ الملكية الخاصة المكرس في مقدمة الدستور اللبناني، هو فعل عنف. إنكار ذلك هو تغليف عنيف لفعل عنيف.

وفي آخر الأمر، لنا في ليلة المصارف حالة. فهي تكثف واقعة كونية مزدوجة، وهي أن كل شيء يمكن أن يقاس إما بالسعر وإما بالسعرة. إما بقانون القيمة وإما بقانون الطاقة. الكهرباء التي هي في كل واحد منا هي طاقة، هي عنف. إخراج ما في الصدور وما في الأجساد هو إخراج لهذا العنف. هذه الكهرباء لا تأتي من حقد ولا من تهويم. إنها قانون الطاقة المحفوظة، والمحتبسة، والمنبعثة، والمتشابكة. وعندما يعتدي قانون القيمة، في واحدة من الإعتداءات الضمنية على منطق قانون القيمة نفسه، على العدد الأكبر من الناس، فالعجب أن لا يتحرك في الناس قانون الطاقة!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها