آخر تحديث:00:05(بيروت)
الثلاثاء 14/01/2020
share

سقوط "الطائف" واقتصاده: أي لبنان جديد سيصنعه حزب الله؟

منير الربيع | الثلاثاء 14/01/2020
شارك المقال :
سقوط "الطائف" واقتصاده: أي لبنان جديد سيصنعه حزب الله؟ لبنان بكليته سيتغير، والأزمة أكبر من مجرّد حكومة ومصارف (عباس سلمان)

في معرض حديثه عن قاسم سليماني، كشف أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، عمق العلاقة الشخصية التي ربطته به. منذ العام 1998، والعلاقة بعيدة المدى بينهما. يفهم من ذلك، البعد الشخصي لدى نصر الله تجاه اغتيال أحد أوثق الشخصيات الإيرانية به. يكاد سليماني يكون الشخص الأقوى في إيران، نظراً لدوره في رسم توسع نفوذ طهران في المنطقة العربية. هذا الدور يفوق أدوار غيره من كل القيادات الإيرانية. كل حلفاء إيران في المنطقة العربية، يتبعون للحرس الثوري، ولسليماني بشكل خاص. وبالتالي جميعهم تلقى ضربة على الرأس. أخطر ما في ذلك، أن اغتيال سليماني يعني رفع الغطاء عن أي مسؤول في القوى الحليفة لطهران، ونصر الله بالذات يعرف حجم التهديد الذي يلحق به منذ سنوات.

الأدوار العسكرية والنفوذ
في النظرة العربية لسليماني، هو الرجل الثاني بعد مرشد الجمهورية علي الخامنئي، واغتياله قد يفتح الباب أمام اغتيالات لقادة كثر من هذا المحور. الأسباب كثيرة خلف استهداف سليماني، منها ما يتعلق بحسابات شعبوية انتخابية لدى ترامب في الداخل الأميركي، أو في استقطاب إيرانيين أميركيين لصالحه، عبر طي صفحة التوسع العسكري وفتح صفحة المفاوضات السياسية، والتي أيضاً ستُكسب إيران بنظر شرائح واسعة من الإيرانيين. لكن الأهداف الأبعد لهذا الاغتيال، هو الإشارة الأساسية إلى أن ثمة أدوار عسكرية يجب أن تنتهي، تمهيداً للانتقال من مرحلة القتال العسكري في مشروع بسط النفوذ إلى مرحلة العمل السياسي لتكريس هذا النفوذ، ورسمه، أو لتقويضه في مكان وتعزيزه في آخر.

في هكذا مراحل، قد تقتصر عمليات الاغتيال والتصفية على شخصية واحدة، يتكفل اغتيالها بتغيير موازين قوى أو مسارات سياسية. لكن أيضاً قد تتوسع لتطال شخصيات أخرى، حسبما تقتضيه المصالح. وبعيداً عن الأسباب الاستراتيجية والكبيرة لاغتيال سليماني، هناك بالتأكيد أسباب أخرى مكمّلة، ليست على الدرجة نفسها من الأهمية السياسية ذاتها، منها الرد على آخر التحركات التي شهدها العراق من قبل حلفاء ايران، خصوصاً الهجوم على السفارة الأميركية ومحاولة اقتحامها، والكتابة على جدرانها شعارات "قائدنا سليماني". هذا الشعار الشخصي والذي قد يكون أساء للأميركيين، أساء أيضاً للعراقيين والإيرانيين، خصوصاً أن لا مصلحة لإيران ولا العراق في إظهار سليماني بشكل علني كأنه هو الحاكم الذي يقود اللعبة كلها.

من الحرب إلى التفاوض
ربما من نتاجات هذا الخطأ "التقني"، أن سرّع (تقنياً أيضاً) في اغتيال سليماني، بينما الرجل كان على ما يبدو مطمئناً لتحركاته وكأن لا احتمال لاغتياله. وهذا سيفرض على حلفاء إيران، أو فرق الحرس الثوري، التحسب لأي احتمال مماثل، خصوصاً إذا ما ارتكب خطأ في التقدير بأي عمل ضد المصالح الأميركية، وسط معطيات تفيد بأن الأميركيين وجهوا تحذيرات للإيرانيين وحلفائهم بأن أي عملية ضد الأهداف الأميركية، قد تستدعي رداً أميركياً أعنف. هذه التحذيرات حتماً تؤخذ في الحسبان.

في السياسة، ما بعد اغتيال سليماني، تحدث متغيرات في المنطقة، تتغلب فيها وجهة المفاوضات (ولو بعد مناوشات) على وجهة المعارك العسكرية المستدامة. وهذه ستفرض على حلفاء إيران تغيير توجهاتهم. حزب الله كان يعرف ذلك تماماً حتى ما قبل اغتيال سليماني، ومنذ توسيع مروحة العقوبات ضده وضد إيران. لذلك كان يركز اهتمامه منذ ما قبل الانتخابات النيابية في أيار 2018، على الغوص أكثر في الملفات المحلية، مهتماً بعناوين محاربة الفساد والقضايا الأخرى، ومتورطاً أكثر في طموح التغلغل في إدارات الدولة ومؤسساتها المدنية، على قاعدة التقاسم مع حركة أمل. وحتماً، في مرحلة ما بعد سليماني، سيتعزز هذا التوجه لدى الحزب، على الرغم من انشغاله حالياً بتداعيات الحدث، بقدر اهتمامه بتشكيل حكومة تلبّي له ما يريد.

لبنان المتغيّر
توسع حضور حزب الله وانغماسه أكثر في المعترك السياسي المحلّي، سيكون له آثار تغييرية على بنية النظام اللبناني برمّته، سياسياً واقتصادياً. فهو الطرف الأكثر تنظيماً وتسلحاً. قوة حزب الله ستنعكس أكثر على ممارسته السياسية، لا سيما أنه يمسك بملفات أساسية ستكون هي عنوان دخوله بقوة للإمساك بالحياة السياسية اللبنانية، على رأسها أمن الحدود وترسيمها والتنقيب عن النفط. هذه المتغيرات تتطابق في مداها البعيد بين وجهة حزب الله وتوجه رئيس الجمهورية ميشال عون في نمط الممارسة السياسية وفي معارضة اتفاق الطائف كما في معارضة النموذج الاقتصادي القائم. وفي المحصلة فإن الطائف والنظام الاقتصادي سقطا، من دون اتضاح النموذج الجديد الذي يتجه نحوه لبنان.

وفي هكذا مراحل تعيشها الدول تشهد مخاضات سياسية عسيرة، ستتفاقم التباينات في الآراء، وستقع الخلافات الكثيرة، كما هو الحال بالنسبة إلى الخلاف بين الحلفاء أنفسهم على تشكيل الحكومة المقبلة. وهو ما ينتج ترهلاً واضحاً وإدقاعاً سياسياً انعكس على هؤلاء الحلفاء الذين اجتمعوا على تكليف حسان دياب تشكيل الحكومة. فيرفض حزب الله طمع جبران باسيل، فيما الأخير يلوح بالخروج من الحكومة، وعدم المشاركة فيها ضمن مناوراته المستمرة للحصول على كل شيء. في هكذا مخاض، وبانتظار جلاء الصورة، لن يكون الحزب فيها قادراً على التدخل للمواءمة بين حلفائه وجمعهم على ما يريد. لكنه حتماً سيعمل بعدها على فرض ما يريده. وهنا تصبح الحكومة مجرد تفصيل، سواء تشكلت أم لا، لأن لبنان بكليته سيتغير، والأزمة أكبر من مجرّد حكومة. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها