آخر تحديث:00:06(بيروت)
السبت 11/01/2020
share

شاشات لبنان: سعادة الحاكم والصهر المدلل.. واحتقارنا جميعاً

محمد أبي سمرا | السبت 11/01/2020
شارك المقال :
شاشات لبنان: سعادة الحاكم والصهر المدلل.. واحتقارنا جميعاً حوّل التلفزيون رياض سلامة إلى حاكم مصرف الجنّة (أم. تي. في)

لم أعد أذكر على أي محطة تلفزيونية لبنانية لمحتُ قبل أيام تعريفاً دعائياً بشخص يدعى فيليب زيادة، وتذكرتُ أن الإعلام اللبناني تداول اسمه مرشحاً لحقيبة وزارية في حكومة حسان دياب المرتقبة، وزكّاه للمنصب العتيد صديقه جبران باسيل، صهر القصر الرئاسي، وعرّاب العهد القوي، والوريث المحتمل للقصر بالمصاهرة والتبني، وللبيت والنّسل السياسيين اللذين أسسهما العماد العّامي ميشال عون بالعناد، وشتى أساليب الأحلاف الغامضة والمعلنة، والوصولية والتسلق، وشراسة عاميّة في عبادة المكانة السلطة.

صور الفضيحة وعكسها
وقد أكون لمحتُ في التعريف الدعائي التلفزيوني إياه صورة لزيادة، إلى جانب صديقه باسيل، مسافران في طائرة، شابان فرِحان مبتسمان، وموقنان بأن الحياة فرحة بهما وتبتسم لهما وتعدهما، بل بدأت تحقق ما حلما به منذ مراهقتهما على مقاعد زمالتهما المدرسية. فمشهدهما في الطائرة أبداهما كأنما يتحادثان في هناءٍ رخيّ عن رحلة مغامراتهما المبهجة - ممتلئين يقيناً برجولتهما المزهوّة، مثل شبان إعلانات العطور وعروض الأزياء - وعائدين منها إلى حياتهما العملية الشبيهة بالرحلة في مغامراتها وصفقاتها الموعودة المضمونة.

وكانت وسائط التواصل الاجتماعي، غداة تداول اسم زيادة وزيراً مرتقباً، قد نشرت له صوراً - قيل إنها التقطت في لاس فيغاس - تظهره في حفلة داعرة ماجنة في أحد كازينوهاتها.

والحق أن نشر مثل هذه الصور صار، منذ زمن، من أعمال الابتزاز الشائعة التي تطال الناس جميعاً في زمن التواصل الالكتروني الرقمي. وذلك بغية تهديدهم بنشرها وإغراقهم في الفضيحة، إن لم يستجيبوا طلبات المبتزين المالية، إذا كان أصحاب الصور من سائر خلق الله العاديين. أو نشرها إذا كان أصحابها شخصيات عامة، ومن علية القوم والمناصب في عالم السياسة والمال والفن والشهرة.

أما المحطة التلفزيونية اللبنانية التي بثّت شريط زيادة الدعائي، بعد شيوع صوره الماجنة في لاس فيغاس، فكانت غايتها بالتأكيد الرد غير المباشر والمداور على ما يُفترض الفضيحة التي وصمته بها الصور. وذلك بإزاحتها جانباً، وإغراقها بإبراز صورة أخرى للرجل، بيضاء ناصعة كالثلج على قمم لبنان الأبية السرمدية الشمّاء كالأرز. فإذا بزيادة في صورته الدعائية كصور لبنان في الأشرطة السياحية القديمة، شاب من شبان لبنان المُهَاجِر - أو المنتشِر حسب رطانة صديقه باسيل الانتخابية في خدمة الشِّيعة العونية التي يُكثر الأسفارَ حول العالم في سبيل وراثتها وتكثير مريديها وناخبيها - طلباً للعلم والمغامرة والنجاح خلف البحار. كأنما أميركا كانت أرضاً قفراً أو خراباً، قبل وصول زيادة إليها مهاجراً طموحاً، واكتشافه بذكائه اللبناني الفريد طريقةً لا مثيل لها في التطوير العقاري.

هذا ما يمكن استشفافه وفهمه من الشريط الدعائي. وفهمتُ ضمناً أن صديقه باسيل راغب في إعادته إلى وطن الأرز وتعيينه وزيراً. وذلك لأنه لا يعقل أن يبقى في ديار الإغتراب شخصٌ بمواهبه وحنكته وذكائه، فلا يستفيد منه لبنان في التطوير (النهب على ما ردد منتفضو 17 تشرين الأول) العقاري والمالي والاقتصادي، في الرهط الباسيلي الذي يريد صهر القصر الجمهوري ضمّه إليه. وقد بدت صورتهما في الطائرة قرينا فرح وبهجة، كأنما كانا معاً عائدين من تلك الرحلة في لاس فيغاس.

وقد لا تختلف غاية شريط زيادة الدعائي التلفزيوني ومبيّض صورته (المدفوع الأجر، على الأرجح، في وقت هذه الضائقة المالية التي ضربت المحطات التلفزيونية اللبنانية كلها تقريباً)، عن غاية الصور الفضائحية التي نُشرت على وسائط التواصل الاجتماعي.

الصفاقة والشفافيّة
فالمحطات التلفزيونية اللبنانية الأساسية - بعد احتفالها الحماسي الكبير بانتفاضة 17 تشرين، ومساهمتها الدعائية والإعلانية الكبرى لها طوال أيامها المجيدة - سارعت إلى خيار دعائي وإعلاني آخر (ربما لتحصيل أجور موظفيها في هذه الضائقة المادية): تبييض صفحات من انهال عليهم غضب الانتفاضة، وأصابتهم شتائمها الساخرة، المتألمة والفرحة. فأخذت تستضيفهم مطولاً على شاشاتها ليعودوا إلى علك هذرهم الخاوي، بعد عزلاتهم واختفائهم القسري، ليس عن الشاشات فحسب، بل عن الحياة العامة السياسية والاجتماعية كلها، والتي أمرضوها مرضاً عضالاً وانحطوا بها إلى درك بلا قاع. وحاولت الانتفاضة بغضبها وشتائمها التبرؤ أو الشفاء منه. والمحطات التلفزيونية بدورها وجدت في الانتفاضة وسيلة جديدة ناجعة للدخول إلى كل بيت تكثير مشاهديها أضعافاً مضاعفة.

وبعدما همدت الانتفاضة عادت المحطات إياها إلى سابق عهودها في استضافتها لساعات الراغبين في تبييض صورهم: من فتى القصر الرئاسي المدلل، بعد تغيّبه فيه أسابيع. إلى مدرّس مادة الإنشاء العربية في صفوف المرحلة المتوسطة، نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي، الطروب طرباً نرجسياً في البلاغة اللفظية الفارغة، والذي لا يفوّت فرصة كلما دعاه مذيع تلفزيوني إلى صبحيّة كلامية. إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي بدا في ساعتيه التلفزيونيتين، اللتين حضّر لهما مضيفه أسئلتهما ليظهره في براءة ونظارة وشفافيّة حاكم مصرف الجنّة، أو مصرف سويسرا المركزي.

وجيش مرتزقة الممانعة التلفزيوني الذي غيّبته الانتفاضة، عاد بدوره إلى مهنته ملتذاً في تعذيب مشاهدين حولتهم الحياة العامة اللبنانية المنحطّة إلى مازوشيين لا شفاء لهم من هذا المرض العضال. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها