آخر تحديث:00:03(بيروت)
الجمعة 27/09/2019
share

جاك شيراك "اللبناني" كثيراً

نبيل الخوري | الجمعة 27/09/2019
شارك المقال :
جاك شيراك "اللبناني" كثيراً أطلق جاك شيراك دينامية دولية لدعم لبنان (Getty)

لا يمكن كتابة تاريخ لبنان في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين من دون ذكر اسم ودور الرئيس الفرنسي الراحل، جاك شيراك. كما لا يمكن تأريخ السياسة الخارجية الفرنسية خلال ولايتي شيراك الرئاسيتين، بين عامي 1995 و2007، من دون ذكر لبنان بوصفه ميداناً حققت فيه الدبلوماسية "الشيراكية" إنجازات كثيرة وفعلية، أو من دون ذكر المسألة اللبنانية باعتبارها اختباراً ناجحاً لبراعة ومهارة الدبلوماسية الفرنسية في عهد شيراك.

هذا الرجل كان يولي لبنان اهتماماً خاصاً. ولصداقته الاستثنائية مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، دور أساسي ومباشر في ذلك. لكن النظرة الفرنسية تجاه لبنان، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كانت تتأثر أيضاً بدوافع أخرى. مثل عودة فرنسا إلى الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب الباردة. وتأدية فرنسا دوراً فاعلاً في عملية السلام بين العرب والإسرائيليين. فالرئيس جاك شيراك، ينتمي إلى مدرسة الجنرال الفرنسي شارل ديغول، الذي حكم فرنسا بين عامي 1958 و1969، على أساس تكريس مبدأ استقلالية بلاده وعدم التحاقها بسياسات حليفها الأميركي، وعدم الخضوع له على الساحة الدولية. انطلاقاً من المبدأ ذاته، لم تكن الدبلوماسية الفرنسية في عهد شيراك تستسيغ الهيمنة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط بعد "حرب الكويت" (1990 ـ 1991)، وانهيار الاتحاد السوفياتي. ولم تكن ترضى بالتفرد الأميركي في رعاية مفاوضات السلام. وكانت تبحث عن بوابة تعود منها إلى منطقة الشرق الأوسط، ليكون لها دور وتأثير في إدارة أزمات هذه المنطقة، ولحماية نفوذها وتأمين مصالحها فيها.

سقف اتفاق الطائف
هكذا، شكّل لبنان مدخلاً مزدوجاً لتأمين تلك العودة الفرنسية إلى الشرق الأوسط. مدخلٌ مزدوجٌ لأن التعامل مع لبنان في مرحلة ما بعد الحرب، كان عملياً بمثابة تعامل مع سوريا ولبنان في آن معاً، لأن الثاني كان خاضعاً لوصاية وهيمنة الأولى. فرنسا التي كانت تستقبل على أرضها، أرض المنفى، الجنرال ميشال عون، المعارض الأول للاحتلال السوري للبنان، كانت في الوقت نفسه منفتحة على نظام حافظ الأسد، وتتطلع إلى التعاون معه رغم استمرار بعض التباينات، انطلاقاً من حسابات جيوسياسية. وكان شيراك الرئيس الغربي الوحيد الذي شارك في جنازة الأسد في صيف عام 2000.

المناوئون للوجود العسكري في لبنان كانوا يلومون شيراك على تساهله مع هذا الواقع، وعلى عدم مطالبته بالانسحاب السوري في تلك الفترة، خصوصاً في المرحلة التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ثم في السنوات الثلاث التي أعقبت هذا الانسحاب. لكن الرئيس الفرنسي ارتأى التريث. وفضّل احتضان نجل الرئيس السوري الراحل، الرئيس الشاب بشار الأسد، ووفّر له رعاية فرنسية، إلى حد أن هناك من وصف شيراك، في تلك الفترة، باعتباره العراب الدولي لبشار الأسد. وقد ظن معارضو الهيمنة السورية أن شيراك كان يضحي بلبنان على مذبح المصالح الفرنسية.

لكن في الواقع، كان لشيراك نظرة مختلفة حيال تلك المسألة. لم يكن بإمكانه إنكار الأمر الواقع السوري الذي تكرس في لبنان، بفعل اتفاق الطائف ونتيجة الموافقة الضمنية الأميركية على تفويض سوريا إنهاء الحرب الأهلية، وضبط الأمن والاستقرار في هذا البلد. لذلك، قرر التعامل مع الموضوع ببراغماتية. وافق ضمنياً على هذه الوصاية السورية بشروط. أولها يتمثل في أن تلتزم سوريا بتعهداتها حيال إعادة بناء الدولة في لبنان، وتمكين هذه الدولة في المستقبل من ممارسة سلطتها ووظائفها من دون الحاجة إلى وصي خارجي. لذلك، كان شيراك يعتقد أنه في حال تحقق هذا الهدف، أي في حال لم تعرقل سوريا عملية بناء دولة فعلية في لبنان، سيكون من الممكن عندئذٍ مطالبتها بالانسحاب من لبنان. بمعنى آخر، كانت الدبلوماسية الفرنسية في عهده ملتزمة سقف اتفاق الطائف، وكل ما كانت تريده هو تطبيق هذا الاتفاق بشكل كامل.

حماية لبنان ورفيق الحريري و"تفاهم نيسان"
انطلاقاً من ذلك، راهنت فرنسا في عهد شيراك على دور رفيق الحريري في عملية إعادة إعمار لبنان وبناء اقتصاده في مرحلة ما بعد الحرب، ولو في ظل سيادة منقوصة. وقدمت للحريري دعماً غير محدود. وقد أطلق جاك شيراك دينامية دولية لدعم لبنان، تمثلت في ما يعرف بمؤتمر باريس (1 و2 و3)، الذي جمع الدول والأطراف الدولية المانحة والدائنة من أجل مساعدة لبنان في مجال البنى التحتية والاستثمار وإعادة الإعمار (يعتبر مؤتمر سيدر عام 2018 النسخة الرابعة من مؤتمر باريس). وحين لاحظ شيراك أن عملية السلام دخلت في مأزق، بعد اغتيال اسحق رابين عام 1995، راح يتعامل مع ضرورة حماية لبنان ومشروع الحريري من تبعات فشل مسار السلام، بوصفها إحدى أولويات الدبلوماسية الفرنسية في الشرق الأوسط. وتُرجم هذا الموقف حين شنت إسرائيل عدواناً ضد لبنان وحزب الله في نيسان 1996. آنذاك، لعبت فرنسا دور الوساطة ونجحت في انتزاع ما يعرف بـ"تفاهم نيسان" الذي فرض على إسرائيل الكف عن استهداف المدنيين خلال عملياتها العسكرية في جنوب لبنان. هكذا، افتتح شيراك عهده الرئاسي بنجاح دبلوماسي لا جدال حوله. وقد اعتبر المؤرخ الفرنسي هنري لورانس، في أحد كتاباته، أن "تفاهم نيسان" الذي رعاه الفرنسيون، مهّد للانسحاب الإسرائيلي التاريخي عام 2000 من جنوب لبنان، لأنه فرض قيوداً شديدة على تحركات وعمليات جيش الاحتلال.

بشار يكسر الجرّة
اندفاعة شيراك لدعم الحريري ولبنان اقتصادياً حتى وإن كان البلد خاضعاً أمنياً وسياسياً لسوريا، ارتكزت على مقاربة مفادها أن قواعد اللعبة في النظام العالمي الجديد، الليبرالي، تعطي الأفضلية للتعاون الاقتصادي وما يوفّره للدول من قدرات اقتصادية معززة وازدهار، وستقلّص بالتالي إمكانية وقوع حروب بين الدول لأنها ستحدّ من سلوكها العدائي. ثمة إذاً فرضية فرنسية كانت تقول إن النظام في سوريا، خصوصاً بقيادة الأسد الإبن، سينفتح أكثر فأكثر ديموقراطياً وسينتهج سياسات منسجمة مع اقتصاد السوق والتبادل الحر، بدافع الاستفادة من الفرص المتاحة لتعزيز وتطوير الاقتصاد السوري. وكان الرهان على أن الانفتاح الاقتصادي والتكيّف مع العولمة سيدفعان دمشق إلى مزيد من التعاون في السياسة الإقليمية والانخراط في عملية السلام في الشرق الأوسط، وسيجعلان نظام الأسد يدرك أن المنافع الاقتصادية تحميه. وهذا يَفترض أن تكفّ سوريا عن النظر إلى لبنان بوصفه عدواً محتملاً لها أو إلى بعض الأطراف اللبنانية باعتبارها صاحبة سياسة عدائية محتملة ضدها. كما يَفترض تخلّي النظام السوري عن سياسة الاحتفاظ بالأوراق الرابحة، في المنظور العسكري. وعليه، كان شيراك يتوقع ليونة سورية في لبنان تُتيح إعادة بناء الدولة وفقاً لرؤية ليبرالية متكيفة مع العولمة، وتصل إلى حد الالتزام بتطبيق "اتفاق الطائف"، لاسيما في ما يتعلق بإعادة الانتشار العسكري. وكان يأمل أن تؤدي تلك الليونة إلى رفع القبضة الأمنية السورية المفروضة على كل شاردة وواردة في البلاد.

غير أن الواقع لم يثبت تلك الفرضية وأظهر أن الأمر كان يتعلق برهان خاسر. فالنظام العالمي الجديد لم يؤسس لعلاقات دولية مستقرة. ولم يُبعد شبح الحرب. وتتحمل الولايات المتحدة الأميركية المسؤولية الأولى في ذلك، بسبب عنجهيتها على الساحة الدولية. فبقيت دول، مثل سوريا، متمسكة بأولوية الاحتفاظ بنقاط القوة العسكرية وبالمكاسب الجيوسياسية الإقليمية، على اعتبار أنها توفر لها الحماية بوجه المخططات الغربية والأميركية وتحصّنها بمواجهة سياسة "تغيير الأنظمة" التي تم تطبيقها عام 2003 في العراق. هكذا، ترجمت سوريا رد فعلها من خلال سلوك إقليمي مخالف لنصائح شيراك، وسلوك لبناني تسبب في "كسر الجرة" نهائياً بين شيراك وبشار الأسد.

تسمية إميل لحود
في ما يتعلق بالنصائح على المستوى الإقليمي، كان شيراك يدعو الأسد لتحويل سوريا، بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، إلى قوة توازن إقليمي بين العرب والإيرانيين. أي ألا يلتحق كلياً بالإيرانيين، لأن من شأن ذلك أن يتسبب بضعضعة التوازن وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. وكان الرئيس الفرنسي يبدي استعداداً لمساعدة الأسد في هذا الخيار، لا سيما أن فرنسا تتطلع بدورها إلى تأدية دور دولي متوازن، بعدما عارضت بشكل قاطع، شأنها شأن سوريا وروسيا وألمانيا...، الحرب الأميركية على العراق. إلا أن حسابات الأسد قادته إلى توطيد التعاون مع إيران، متجاهلاً النصيحة الفرنسية، وإلى محاولة التفاهم مباشرةً مع الأميركيين ولو أتى ذلك على حساب التضحية بالمصالح الفرنسية في سوريا. وهو ما أغضب شيراك.

صياغة القرار 1559
في ما يخص لبنان، انتهج الأسد سياسة متناقضة مع الحريري، وبالتالي مع حليفه شيراك. ولم يعط أي مؤشر لرفع الهيمنة السورية عن مقدرات لبنان. ومع اتساع الهوة بين الطرفين، انفجر الخلاف عندما فرض السوريون تجديد ولاية رئيس الجمهورية الأسبق، إميل لحود، لثلاث سنوات في صيف 2004. أتى رد فعل الفرنسي حاداً، من خلال التعاون مع الأميركيين لإصدار قرار في مجلس الأمن الدولي، يدعو لانسحاب الجيش السوري واستخباراته من لبنان. لكن هذه المسألة لم تكن تمثل أولوية لدى واشنطن بقدر مسألة نزع سلاح حزب الله. فصدر القرار 1559 في 2 أيلول 2004، في إطار تسوية فرنسية ـ أميركية، ووفق صيغة تدعو إلى تحقيق المطلبين معاً.

بعد ذلك، عمل جاك شيراك بحيوية من أجل فرض تطبيق القرار 1559، ببنده المتعلق بسوريا. هذا ما يكشفه السفير الفرنسي السابق في الأمم المتحدة، "جان مارك دو لا سابليير"، والمؤرخ الفرنسي "فانسان نوزييه"، في كتابين لكل منهما. وإصرار شيراك على فرض الانسحاب السوري، كان يواجه بحذر أميركي، لأن واشنطن كانت تنظر إلى هذا الانسحاب باعتباره "مجازفة بالغة الخطورة"، بحسب ما ورد في مذكرات "دو لا سابليير" الصادرة عام 2013. والحجة التي كان يتسلح الأميركيون بها في الفترة التي سبقت اغتيال الحريري في شباط 2005، تتمثل في الخشية من إعادة اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في حال الانسحاب السوري، حسبما يذكر "نوزييه" في كتاب له عن أسرار العلاقات الفرنسية الأميركية، صدر عام 2010. كل ما كان يركز الأميركيون عليه هو سلاح حزب الله، على عكس جاك شيراك الذي تمسك بمطلب الانسحاب السوري، وحافظ في المقابل على الموقف الفرنسي التقليدي من مسألة حزب الله. ومفاده أن فرنسا تريد نزع سلاح هذا الحزب، وتعتبره مطلباً أممياً، لكن تحقيق هذا الأمر يجب أن يتم في إطار حوار لبناني ـ لبناني، أي على أساس التوافق بين اللبنانيين.

حرب تموز
حتى بعد اغتيال الحريري وانخراط شيراك شخصياً في عملية الضغط من أجل إجبار الأسد على سحب جيشه من لبنان، ومن أجل تدويل حادثة الاغتيال وتشكيل لجنة تحقيق دولية بشأنها، لم يتخل الرئيس الفرنسي الراحل عن سياسته المتوازنة في لبنان، والرافضة لتحقيق مطلب نزع سلاح حزب الله بالقوة. هذا الموقف تجلى مجدداً خلال حرب تموز 2006. فتمايز شيراك عن موقف إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، والتي دعمت العدوان الإسرائيلي بهدف فرض نزع سلاح الحزب. رفض رفضاً قاطعاً هذه المقاربة غير البناءة. وشدد على أن حل هذه المسألة يكون سياسياً وليس عسكرياً. وهذا ما تحقق مع صدور القرار 1701 وتعزيز قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان، وترك سلاح حزب الله كملف يجب أن يتم بحثه ضمن الاستراتيجية الدفاعية اللبنانية المنتظرة. هكذا، أنهى جاك شيراك عهده عام 2007، تاركاً بصماته على أهم الأحداث والمحطات السياسية والأمنية والاقتصادية في لبنان. بصمات يستحيل محوها من السياسة والتاريخ والذاكرة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها