آخر تحديث:00:04(بيروت)
الأربعاء 07/08/2019
share

ردٌ اشتراكيٌ يربكُ القصر

منير الربيع | الأربعاء 07/08/2019
شارك المقال :
ردٌ اشتراكيٌ يربكُ القصر الاستياء الاشتراكي والقواتي من العهد يتقاطع مع رؤية عربية ودولية لحقيقة الوضع في لبنان (ريشار سمور)

عندما تتغير اللغة بالصيغة التي اعتمدها المؤتمر الصحافي للحزب التقدمي الإشتراكي في مخاطبة رئيس الجمهورية، فهذا يعني أن القفازات خُلعت. وهذا يقود إلى خلاصة واحدة، تنذر بأن التسوية السياسية التي أرسيت منذ العام 2016 قد أصبحت مهددة جدياً. صحيح أن التسوية حصلت بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل تحت إشراف حزب الله ورعايته، وصحيح أيضاً أن القوى السياسية الأخرى لن تكون مؤثرة في تهديدها، لكن هذا لا ينفي أن الحملة تتسع. والمعركة تأخذ طابعاً مباشراً، من دون أي مواربات.

وزير القصر
ليس أمراً عادياً أن يخرج وزير، هو وائل أبو فاعور، يخاطب باسم الحزب التقدمي رئيس الجمهورية، سائلاً غياه عما يحدث من تدخلات في عمل القضاء بظل عهده. وليس بسيطاً أن يتحدث أبو فاعور عن وجود وزيري عدل، واحد ومعلن وآخر مضمر، يعرّف عن نفسه في تدخّله مع القضاة أنه وزير القصر، وأنه يتحدث باسم رئيس الجمهورية، طالباً منهم تنفيذ مناقلات وإجراءات، مقابل الوعود بمكافآت. عندما يصل الكلام إلى هذا المستوى، فإن ذلك يعني أن التسوية أصبح مشكوك فيها، بغض النظر عن مدى تأثير الاشتراكي وحيداً عليها. لكن المروحة تتسع. إذ أن موقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع كان واضحاً للمرة الأولى قبل أيام، حين توجه بشكل مباشر إلى رئيس الجمهورية أيضاً، على الرغم من تاكيده التمسك باتفاق معراب.

الحال التي رسى عليها لبنان حالياً، تمثّل واحدة من أسوأ المراحل، فلا يمكن للمرء الوصول إلى خلاصة، إذا ما كانت التسوية لا تزال قائمة أم أن الأمور عادت إلى انقسام عمودي يطيح هذه التسوية.

"الحزب" وبرّي والحريري
المقربون من حزب الله يتساءلون عما يريده وليد جنبلاط من هذه المعركة المفتوحة، التي لم يكن أحد يتوقع أنها سيفتحها. وهناك تقديرات يجنح فيها البعض إلى ربطها بتحركات إقليمية أو دولية، قد تؤسس إلى فرز سياسي جديد في لبنان. ولذا، يصر الحزب على الهدوء وعلى ضرورة تفعيل عمل الحكومة. بينما جنبلاط يشعر أنه في خانة الدفاع عن نفسه، ويعمل على فكّ الطوق الذي يحاول كثر فرضه عليه. أما الرئيس نبيه برّي، فأوقف مبادراته معتقداً أن أبواب الحلول مقفلة في هذه المرحلة.

وحده الرئيس سعد الحريري ما زال يراهن بشكل أو بآخر على حلّ الأزمة، وأنها ستصل إلى تسوية ما. لذلك، هو يلتزم الصمت، على الرغم من وقوفه إلى جانب وليد جنبلاط. وكانت الإشار الواضحة بإرساله النائب السابق أنطوان اندراوس إلى مؤتمر الاشتراكي تعبيراً عن تضامنه مع جنبلاط، وإن لم يرد لرسالته أن تكون بالغة الوضوح أو الاستفزاز.

كل الأفرقاء حتى الآن يرتبطون بعلاقة مصلحية في هذه التسوية. ولا أحد يفكر بالخروج منها إذا لم يكن خروجه مؤثراً ولا يتمكن من إسقاطها. لكن الاشتراكي فتح الأبواب أمام خيار المواجهة الشعبية السلمية، وفي ذلك إشارة إلى استعادة تجربة مرحلة الـ2005، وإن بظروف وأشكال مختلفة. إلا أن بنية التسوية بحدّ ذاتها، هي التي تهتز، والمسار الذي تسلكه هو الذي يتهددها من داخلها.

امتعاض عربي دولي
عندما أبرمت التسوية بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل وحزب الله، كانت نتاج التقاء مصالح إقليمية ودولية. وكان الرئيس سعد الحريري يمثل فيها أهميتين بارزتين، الأولى أنه الزعيم السنّي الأبرز والأوثق بالنسبة إلى جمهوره، والثانية ما يمثّله من علاقات إقليمية ودولية، عربية وأميركية بالتحديد. ما يعني أن الحزب والتيار كانا بحاجة إلى هذا الغطاء الإقليمي والدولي الذي يوفره الحريري. لكن اليوم الوضع يختلف. خروج الاشتراكي والقوات، وهما طرفان أساسيان في التسوية، نحو مواجهة ضد التيار الوطني الحر وضد ممارسات طاقم قصر الرئاسة، وتوجيه "الأسئلة" إلى رئيس الجمهورية.. فهذا كله لا يمثل الطرفين وجمهوريهما فقط، بل يتقاطع مع رؤية عربية ودولية لحقيقة الوضع في لبنان.

وهناك من يكشف عن رسائل عتب كثيرة وصلت إلى لبنان حول النهج الذي يسير عليه العهد وحزب الله، وسط تصعيد في اللهجة الأميركية تجاه الحزب، وواقع سيطرته على الدولة اللبنانية. وهذا يترافق مع معلومات تفيد أن الخريف المقبل سيشهد رزمة عقوبات جديدة، ستشمل مؤسسات وشخصيات سياسية محسوبة على حزب الله. وحسب المعلومات فإن الأميركيين سيتعاملون مع لبنان منفصلاً عن الملف الإيراني، بهدف عدم السماح لحزب الله بالسيطرة على مفاصل الدولة اللبنانية. وتفيد هذه المعلومات أن المسار الأميركي سيكون طويل الأمد، ولن يؤدي إلى أي حرب أو توتر. بل سيرتكز على إجراءات متصاعدة من العقوبات. وهذا النهج الأميركي، يجد ما يلاقيه في دول الخليج، التي أصبحت غاضبة من مسار التسوية. وبالتالي، إذا ما كان هناك اعتبار لدى الفريق الآخر، أن الحريري يمثّل شرعية دولية وعربية ومحلية للتسوية، فإن التحولات السياسية والمواقف الدولية قد توصلهم إلى قناعة أن رئيس الحكومة لم يعد يلبي لهم ما يريدونه. بالطبع، لا يزال من المبكر الحديث في هذا الوضع. لكن هناك من يطرح تساؤلات في الكواليس، بحال حصل هذا التباعد أو الافتراق، هل سيؤدي إلى استخدام سلاح الإطاحة بالحريري كما حصل في العام 2011؟ الأكيد حتى الآن أن الحريري يمثل حاجة إلى الجميع، ولذلك كلّهم حريصون عليه.

تشابك المسارات
لم يعد ما يتهدد التسوية فقط هو الوضع الاقتصادي أو المالي، ولا حرب الصلاحيات المفتوحة والتي ستستمر، بل أصبحت تطالها خلافات سياسية مبتدئة قبل المعارك السائدة اليوم. وهناك من يطرح تساؤلات حول ماهية موقف الحريري أو جمهوره إذا ما أصدرت المحكمة الدولية حكمها في الخريف المقبل؟ وكيف سيتعاطى جمهور الحريري مع هذا الاستحقاق؟

كل المؤشرات تفيد بأن الحريري لن يكون قادراً على الاستمرار في التسوية. فهو أقدم عليها تحت شعار حفظ التوازن، أما اليوم فقد تحول الاستمرار فيها عبئاً على الطرف الذي يمثله الحريري محلياً وإقليمياً.

أيضاً، وبالنظر إلى المسار السياسي الذي يسلكه فريق "العهد"، لا يبدو أن الطرف المحسوب على رئيس الجمهورية يريد مساعدة الحريري على الاستمرار بهذه التسوية. إذ يصرون على استنزاف الحريري إلى الحدّ الأقصى. وثمة من يخشى أن يكون هناك حسابات مختلفة تهدف إلى جعل الحريري يبتعد بنفسه عن التسوية، ظناً منهم أن انكسار التسوية قد يفتح لهم أبواب التفاوض مع قوى خارجية، لتعزيز ظروفهم السياسية ومطامحهم، بعدما أدى الحريري قسطه للعلى بالنسبة إليهم. هذه المعادلة، يحاولون من خلالها ابتزاز الرئيس سعد الحريري.

لكن لرئيس الحكومة خيار آخر، فبوجوده إلى جانب برّي وجعجع وجنبلاط، ومن موقعه وصلاحياته، قادر على تجميع كل خيوط اللعبة في يديه، وترسيم توازن سياسي فعلي. فيكون هذه المرة "رئيساً قوياً" وبموقع من يقبض الأثمان وليس من يدفعها. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها