آخر تحديث:00:42(بيروت)
الأحد 04/08/2019
share

باسيل ينتقي من تاريخ دير القمر فتنة البشير الشهابي

منير الربيع | الأحد 04/08/2019
شارك المقال :
باسيل ينتقي من تاريخ دير القمر فتنة البشير الشهابي كل ما يفعله باسيل في الجبل استئناف لحرب 1860 لشفاء غليله من التاريخ (الأرشيف)

يتصدّر تمثال الأمير فخر الدين المعني الثاني في سراياه بدير القمر، تماثيل الشمع لشخصيات لبنانية بارزة، تعاقبت على التصدر والمكانة في لبنان منذ العام 1512. سرايا الأمير التي يقال إنه منها أسس النواة الأولى لدولة لبنان الحديث، عمرها أكثر من 400 سنة، وتقع وسط البلدة - مدينة القرون الوسطى التي كانت عاصمة الإمارة الشوفيّة، أو لبنان الصغير.

الماضي كلاماً وتماثيل
داخل القصر - السرايا، الذي تحوّل إلى متحف "ماري باز"، ويضم غرفاً واسعة تحمل أسماء رؤساء من لبنان- نجد تماثيل لأكثر من 80 شخصية سياسية وثقافية وفنية أثّرت في تاريخ لبنان طوال نحو 500 سنة. وهي شخصيات تحاكي سنوات من تمرّد الجماعات "اللبنانية" وقيام بعضها على البعض الآخر.
والمسافة القصيرة نسبياً بين دير القمر وبيت الدين في جبل لبنان الجنوبي، لا تكفي لإظهار غزارة الدماء التي سالت في صراعات النفوذ بين قصور الشوف، ولا للتأريخ لسنوات الخصام والوئام والحرب والسلام في تلك الديار.

كانت دير القمر عاصمة جبل لبنان، واتخذها فخر الدين معقلاً لإمارته، ساعياً إلى الاستقلال بها، عبر إقامته حلفاً بين الدروز والموارنة. والأوروبيون الذين كانوا على علاقة حسنة بالأمير المعني، أطلقوا عليه لقب "حامي النصارى"، إذ عمل على التحالف معهم وفتح الطريق أمامهم ليقطنوا في جبل لبنان الجنوبي. تجاوز فخر الدين في سياسته الصراعات التي حكمت سابقاً علاقة الدروز بالموارنة، واتجه إلى هدف واحد: الاستقلال بجبل لبنان، استناداً إلى دعم دولي، فخاض في سبيله حروباً ومعارك كثيرة ضد السلطنة العثمانية. ويقال إنه كان أول من وضع فكرة استقلال لبنان بحدوده المعروفة اليوم، أي لبنان الكبير.

وقال البطريرك الدويهي في تاريخه: "في أيام فخر الدين ارتفعت رؤوس النصارى وعمروا الكنائس وركبوا الخيل ولفوا شاشات بيضاء...". وقال فيليب حتي في تاريخه : "كانت سياسة التسامح الديني في عهد فخر الدين عاملاً في هجرة الموارنة من شمال لبنان الجبل إلى جنوبه الذي كان درزياً صرفاً، وكانت تلك المرة الأولى التي تجتمع فيها الطائفتان بمنطقة واحدة وتعيشان بصفاء ومودة".

هدوء وتاريخ دموي 
الهدوء المخيم اليوم على الطريق من المختارة إلى دير القمر، مروراً ببيت الدين، يجسّد انسجاماً طبيعياً واجتماعياً وسياسياً ملتبساً في الشوف، ولا يعكس لمن لا يبحر في التاريخ حجم الحروب والصراعات الدامية التي كانت تحكم مراكز القوى في المنطقة. في دير القمر يجول المرء في حقبات تاريخية متعددة: من سراي المير فخر الدين، إلى سراي الأمير يوسف الشهابي، ومسجد الأمير فخر الدين الأول الذي يعود تاريخ تشييده إلى القرن السادس عشر، ويعتبر تحفة الفن الهندسي المعماري القديم، ويشتهر بمئذنته المثمنة الأضلاع التي تضررت في زلزال عام 1630. وفي الدير أيضاً، إلى الكنائس الكثيرة، أقدم كنيس يهودي في جبل لبنان.

كان الدروز سباقين في خوض معارك الاستقلال عن السلطنة العثمانية. استند فخر الدين إلى علاقاته بإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية. ورفع الموارنة لواء فخر الدين الاستقلالي. ولطالما ارتكز الأمير المعني في سياسته على مبدأ "صفر مشاكل داخلية"، وعمل على مبدأ تحقيق وحدة الشعب، فقاتل الموارنة والدروز في خندق واحد وتحت إمرته لنيل الاستقلال. بعيد إعدام فخر الدين، تضعضع حكم الإمارة المعنية التي آلت بعد أكثر من ستين سنة إلى بشير الشهابي، ابن شقيقة آخر الأمراء المعنيين. لم يتمكن الشهابيون من تمتين ركائز حكمهم إلا باعتماد منطق فرقّ تسد، وزرع الشقاق بين المكونات المختلفة، للاستثمار في القلاقل بغية الاحتفاظ بالحكم.

90 سنة بين بشير الشهابي الأول، وبشير الشهابي الثاني الذي صار مارونياً، بعد تخلي الأمير يوسف الشهابي عن مذهب التوحيد واعتناق المسيحية. تولى الأمير بشير الثاني الحكم بعد فشل يوسف في الانقلاب على والي عكا المعروف بالجزار. ووصل الأمير بشير الثاني إلى الحكم بدعم من آل جنبلاط. وفي عهده بدأ يتجدد الصراع الماروني – الدرزي. انتهج سياسة تطويع الدروز وضرب إقطاعاتهم، ونجح في تثبيت ركائز حكمه، إلى أن ضاقت به دير القمر، فاتجه نحو بيت الدين، فبنى فيها قصره الشهير، ونقل العاصمة السياسية من الدير إلى "بتدين".

صراع البشيرين
سنة 1820 قامت احتجاجات شعبية على سياسات الأمير الشهابي، فاضطر إلى مغادرة جبل لبنان، بعد خوضه معارك عديدة في جبيل وكسروان لجباية الضرائب. وبعد سنة واحدة ناصر الأمير بشير والي عكا بمواجهة والي دمشق، ما استدعى تجهيز جيش عثماني لشن حملة عسكرية أرغمت الأمير على ترك البلاد إلى مصر. في غيابه دعم الجنبلاطيون أحد أقارب الأمير بشير حفاظاً على الإمارة الشهابية، حتى عودته من منفاه، مستنداً على دعم الشيخ بشير جنبلاط. لكنه عاد مستاءً من اتساع النفوذ الجنبلاطي في الإمارة. في استقبال بشير الشهابي، بدأ التنافس السياسي رمزياً بين البشيرين، حول من يتقدّم الآخر في المسير على حصانه. وعندما دعا الشيخ بشير جنبلاط الأمير الشهابي إلى المختارة، توجه الثاني إلى بيت الدين. في القصر حصل الافتراق سريعاً، وتوجه الشهابي إلى الجنبلاطي بالقول: "الجبل لا يتسع لبشيرين". دعم جزء من الأمراء الشهابيين الشيخ الجنبلاطي، واعتبروا أنه تعرّض لطعنة من الشهابي، فوقعت معركة كبرى بين البشيرين انتهت باعتقال زعيم آل جنبلاط الذي كان يلقب "عمود السما"، وشُنِق في عكا بضغط من الأمير بشير.

عنُفَ الصراع الدرزي - الماروني في عهد بشير الثاني، الذي عمد إلى اضطهاد الدروز وانتزاع ممتلكاتهم وأراضيهم، ونجح في تزكية الخلافات والصراعات في ما بينهم، أدى إلى حركات تمرد واسعة، أكبرها في العام 1840، والتي أنهت حكم الشهابيين، وولّدت نظام القائمقاميتين. وحسب الرواية التقليدية لحرب العام 1860، بين الدروز والموارنة، بدأت الحرب في دير القمر، وامتدت لتطال البلدات والقرى. وبعد هذه الحرب ولد نظام المتصرفية الذي كرّس انتصار المسيحيين مجدداً، وفصل لبنان عن سوريا.

لا يريد جبران باسيل، حين يذكّر بالماضي، سوى استدعاء الشقاق، وتذكر التجربة الشهابية وطعناتها، لا تاريخ الوحدة ولا تجربة فخر الدين. ومن هذا الانتقاء تنكشف عقليته كفتنة ثأر، طمعاً بتدمير المختارة.. وحتماً دير القمر وبيت الدين، ولبنان كله. وكل ما يفعله باسيل في الجبل هو استئناف لحرب 1860 بحثاً عن شفاء غليله من التاريخ.

اقتصاد وسياسة وحروب
كانت دير القمر عاصمة الإمارة، وسوقاً اقتصادية لجبل لبنان. هي بلدة مختلطة ضمت البرجوازيتين الدرزية والمارونية. أحداث العام 1860 كانت مأسوية فيها، فنجمت عنها مذبحة بحق المسيحيين. تراكمات تلك الأحداث ظلت بلا مصالحة حقيقية. بعض المسيحيين يستعيد اليوم تلك المعركة. آخرهم هو الوزير جبران باسيل الذي نكأ جراح الماضي في قداس سيدة التلة في دير القمر.

بعد حوادث 1860 حصل فرز ديمغرافي - طائفي. فالجيش الفرنسي الذي دخل إلى الجبل آنذاك، قبض على أربعة آلاف درزي وسجنهم في حرج بيروت. وأصر الفرنسيون على إبقاء الموارنة في الدير. سياسة باسيل في الجبل، ومعه بعض القوى الدرزية، غايتها شق صفوف الدروز ونسج تحالفات مع أجزاء منهم. إنها نسخة منقّحة عن سياسة الأمير بشير الشهابي الثاني، القائمة على مبدأ فرّق تسد. وهذه سياسة تبدو واضحة لكثيرين في دير القمر هذه الأيام.

في المرحلة الانتقالية، أثناء نظام المتصرفية، سيطر الهدوء على الجبل، وحافظت دير القمر على رمزيتها السياسية، على الرغم من نقل المتصرفية إلى بعبدا، فظلت الدير العاصمة الاقتصادية للجبل، باحتوائها السوق التجاري الأهم فيه، من الحرير، إلى الصناعات والحرف الأخرى المختلفة. ولطالما بقيت دير القمر تمثّل رمزاً للقوى المتناحرة. ففي أحداث العام 1958، والثورة التي قادها كمال جنبلاط ضد كميل شمعون، عمل أنصار جنبلاط على تطويق سرايا دير القمر، إلى أن تدخل الجيش اللبناني وفك عنها الحصار. لكن الموارنة سجلوا مأخذاً على فؤاد شهاب الذي حلّ الأزمة سلمياً وليس عسكرياً.

في العام 1975 حصل اتفاق ضمني بين كمال جنبلاط وكميل شمعون: تحييد الجبل عن الصراع العسكري، لعلمهما بخطورة التلاعب بالاستقرار هناك، لأن نتائجه ستكون دموية ومدمرة. وكانت لدى كميل شمعون قناعة راسخة: جذور الدروز في الجبل أعمق من جذور الموارنة، بوصفهم قدامى أصحاب الأرض، بينما عمل الموارنة مزارعين لديهم. فالوقفيات المارونية والأديرة، كانت بمعظمها وقفيات درزية. وموارنة الشوف يغادرونه في حال تعرضهم لأي ضائقة، حسب اعتبارات شمعون الذي قال مرة إنه لا يريد حرباً في الجبل، لأن حتى التعادل بين الموارنة والدروز يكون خسارة للموارنة، على الرغم من قناعته بأن الهزيمة ستكون مححقة. كان هذه اعتباراته، لإدراكه أن مسيحييّ الجبل لا يحتملون الحرب.

اغتيال ومراسم دفن
قبل وفاته، حاول كميل شمعون، مع وليد جنبلاط، إعادة بعض أهالي القرى المسيحية غير المدمرة في الشوف إلى ديارهم. مجموعة ضمت أنور الفطايري، سمير فرنجية، خالد الشرتوني، الياس عطاالله، وسواهم، عملت على صوغ الاتفاق من دون إعلام السوريين الذين دبّروا اغتيال أنور الفطايري، فور علمهم بالأمر. في العام 1987 اتخذ وليد جنبلاط قراراً، بالتنسيق مع نجلي كميل شمعون، لإقامة مراسم دفن والدهم في دير القمر، بينما أراد بعض قيادات الجبهة اللبنانية إقامة مراسم الدفن في الكسليك.

الهدوء السياحي
في آخر حروب الجبل الشوفي، حُوصر مقاتلو القوات اللبنانية في دير القمر عام 1984، فأبرمت صفقة لخروج القوات من المنطقة، في مقابل عدم الهجوم على الدير والحفاظ على رمزيتها التاريخية وعمرانها. آنذاك تقدم الجانب التراثي العمراني والسياحي على السياسة.

واليوم يظهر مدى تراجع التأثير السياسي والفاعلية السياسية لدير القمر التي تعيش في هدوء وسكينة، على الرغم من محاولات كثيرة لإعادتها إلى صورة منبع الانقسام في الجبل. فالزيارات التي تهدف إلى إعادة إحياء لغة الضغائن أو نبش قبور الماضي، لأهداف سياسية، تماثل ما فعله الأمير بشير الشهابي في انقلابه على حلفائه، بغية تثبيت ركائز حكمه، بضربه الوحدة الدرزية - المارونية التي كانت سائدة أيام فخر الدين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها