آخر تحديث:00:06(بيروت)
السبت 24/08/2019
share

بشير الجميّل: تمدّد الزمن الأسطوري وسجالات كل صيف

وسام سعادة | السبت 24/08/2019
شارك المقال :
بشير الجميّل: تمدّد الزمن الأسطوري وسجالات كل صيف تبقى الحاجة إلى كتابة سيرة غير متوترة، لكن أيضاً غير تبجيلية أبداً عن بشير (Getty)

هو إلى حدّ كبير مهرجان سجالي متقطّع. يتكرّر بلا كلل مع كلّ صيف. فالصيف السجاليّ الحارّ هذا يبدأ مبكراً في كل عام مع ذكرى بدء الإجتياح الإسرائيلي لعام 1982، ثم يعود القهقرى لـ"تروما" حصار ثم سقوط مخيم تل الزعتر والمجزرة التي أُعمِلَت في قاطنيه، ويبلغ صيف "النوستالجيا الشرسة" ذروة أولى، مع إحياء يوم انتخاب الشيخ بشير الجميّل رئيساً للجمهورية، وهو عند شريحة واسعة من الموارنة والمسيحيين أشبه ما يكون بـ"الحدث القياميّ". لكنها "قيامة" تسبق الموت وتحتّمه، فيحضر الموت إذاك بمشهديتين متناحرتين: اغتيال الرئيس المنتخب، وما تلى ذلك بعد ساعات من احتلال الجيش الإسرائيلي لبيروت الغربية، وارتكاب مسلّحي اليمين المتطرف لمجزرة صبرا وشاتيلا. مع كل صيف، تنتقل هذه الذاكرة المتوترة بإمتياز إلى جيل جديد لم يعاصر أيّاً من هذه الأحداث، لكنه مع ذلك يتعامل معها كما لو أنّه في صلبها، أو هي مقبلة عليه لتوّها.

التلفيق والتسويق
يتخلّل هذا الموسم الصيفي السجالي السنويّ عروض تلفيق ومجاملة، متأثرة إلى حدّ كبير بتقاطعات الراهن. فـ"يساريّ 14 آذار" (مجازفة في التوصيف) يحاول مثلاً تسويق موقف "سلبي" من اقتحام تل الزعتر بين اليمين، باختزال الوقائع كلّها إلى مدفعية النظام السوريّ. عبثاً، فالإجماع على سردية مشتركة حول تل الزعتر هو إجماع صلب للغاية بين الكتائبيين والشمعونيين، بين القواتيين والعونيين، ممتنع اختراقه ولا يمكن جرّهم "رمزياً" إلى معاداة الجيش السوري قبل معركة الأشرفية.

في المقابل، المجاملات عديدة ومتفاوت منسوبها بين "غير البشيريين" حين يتعلّق الأمر بذكرى انتخاب قائد "القوات اللبنانية" رئيساً وطروحاته بعد انتخابه. خصوصاً في معشر من يكثر الكلام ليلاً نهار حول مفهوم غامض هو "بناء الدولة"، فيتبرّع إذّاك بجملة من قبيل أن "بشير كان بالفعل ينوي إقامة دولة"، وكثيراً ما ينتظر البشيريون الصرف مثل هذه الجمل من "الأغيار" ويسعدون بها.

والبشيريّون الصرف هنا تُساق بالمعنى البحت هنا أي أولئك الذين يأخذ بشير الجميّل منهم، بتسجيلاته والأغاني التبجيلية له والدفاع المحموم المتواصل عنه جزءاً "حرزاناً" من أوقاتهم.

وتقابلهم الأكثرية من المسيحيين، ويظهر أنّها ما زالت بشيرية الهوى، وإن كان الموضوع يحتاج بالفعل لتقصي استطلاعيّ جدّي له لتعيين منحاه. هذه الأكثرية تلهيها مع ذلك مشاغلها اليومية عن "بشير اللي كان"، لكنها لا تلبث أن تستعيده كلما عاد الحاضر إلى الماضي بقوة.

مآل الكيانية اللبنانية
والسيرة التبجيلية لبشير في ذاكرة النوستالجيين المثابرين، المنقولة إلى جيل جديد، هي سيرة تحاكي "كريستولوجيا" ما، لا سيّما أن بشير شُعنِنَ رئيساً ثم اغتيل في عمر صلب وقيامة يسوع المسيح، وأنّ تاريخ الخلاص واحد. أما ما كان ينوي بشير فعله بالفعل بعد انتخابه، فهذه تقتضي عند النوستالجيين المثابرين إحالة ما إلى شيء يشبه "التحوّل" الجذريّ الحاسم في لحظة بعينها. شيء يشبه التحوّل الحاسم في حياة بولس الطرسوسي مثلاً، على طريق دمشق، وإنقلابه من عدوّ للمسيح إلى رسوله. من جهة، يحتاج البشيريون لتجذير النقلة النوعية لبشير بعد انتخابه، فيلامسون مفارقة الذهاب إلى أنّ "بشير تحرّر من بشير نفسه" وقت انتخابه، ثم يبعدون عنهم عواقب هذه الكأس مسارعين إلى أن بشير تكامل، وصار بمثابة "الإنسان الكامل" في "نحن" الجماعة، مع إنتخابه ثم مع إغتياله.

لم يعد هناك بين البشيريين الصرف، النوستالجيين المثابرين، من يشكّك بواقعة مقتله، لكن هذا التشكيك وجد واستمر لسنوات طويلة، وإلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي كانت تصادف كاتب هذه السطور امرأة، بالقرب من جامعته في الأشرفية، التي هي أيضاً الجامعة التي تعلّم فيها بشير، وكانت هذه المرأة مصرّة على انتزاع الإعتراف منا كل مرّة اعترضتنا في الزقاق، بأنّ بشير لم يزل حيّاً.

بشير الجميل شخص استثنائي بامتياز في تاريخ الموارنة، وانقسامي بامتياز في التاريخ اللبناني. استثنائيته في تاريخ الموارنة لا تلغي تصادمه مع أقسام مختلفة من المسيحيين، من مسيحيي اليسار إلى ريمون إدة وداني شمعون وطوني فرنجية، وليس نافلاً أبداً أنّه في آخر الأمر اغتيل على يد شخص مسيحي. انقساميته بامتياز في التاريخ اللبناني، لا تلغي هي أيضاً أنّه فرض نفسه بشكل أو بآخر على مآل الفكرة الكيانية اللبنانية بعد مماته، وهذا ما ظهر تحديداً مع قيام حركة 14 آذار. أليست 14 آذار هي مشروع توليد نزعة "بشيرية مختلطة" بكل مفارقات مشروع كهذا؟! ألم يوفر الرصيد الرمزي البشيري في المقابل للعونيين زاداً أسطورياً لـ"البحث عن بشير" ليس فقط في شخص ميشال عون أو جبران باسيل، بل أيضاً عند السيد حسن؟

سيرة لا متوترة ولا تبجيلية
لن يحدث نهوض نقدي تحرري نوعيّ بين المسيحيين ما لم ينتشر تفكيك هذه النظرة الميثولوجية، لكن أيضاً الكريستولوجية، حول بشير الجميّل، وحوله كنموذج أمضى لفكرة "الزعيم المنقذ" الذي يتحول إلى أقنوم قائم بذاته في تاريخ الخلاص.

وتبقى حاجة في هذا السياق لكتابة سيرة غير متوترة، لكن أيضاً غير تبجيلية أبداً عن بشير. سيرة تزرعه في سياقه لتشق سبيل تجاوزه، أو أقله سبيل "تقسيم العمل" بشكل أفضل وأكثر سوية بين الماضي والحاضر، بين ما للذاكرة وما للتاريخ. لا يعني ذلك أنّ المطلوب توحيد كل السرديات، ولا أن كل السرديات هي على درجة اللجوء نفسها إلى تقنيات الأسطرة أو الأسطرة السلبية (بمعنى الأبلسة).

رهبان وضباط نظاميّون وضباط ميليشياويون صنعوا بشير. صنعته الحرب والمكابرة عليها، ونشدان السلام فيها، إنما على قاعدة "نهاية من رعب أفضل من رعب بلا نهاية". وككل أسطورة، يقترن دهاء الحبكة بمنتهى السذاجة. بفكرة أنّ بشير "استخدم" الإسرائيليين بداعي "الدليفري"، وأنّ هذا هو أمر طبيعي وعادي.. ولدواعي خلاصية في الوقت نفسه!! مع هذا، تتضمّن هذه السذاجة بعض انعكاس لواقع الأمر، وهو أنّ بشير، في لحظته كرئيس منتخب أعطى الأولوية لإنتمائه إلى "نظام اليمين العربي الكبير". والحال أنّ هذه الإستفاقة لبشير، على الحاجة إلى "العروبة الرسمية"، تكثّف جزءاً أساسياً من حكايته وانتهائها السريع في زمنها التاريخي، ثم تمددها بعد ذلك في عالم الأسطورة.

الجزء الآخر أنّ بشير، الرئيس الكتائبي، قضى فعلياً على أكبر حزب سياسي جماهيري عند المسيحيين، حزب الكتائب، الذي لم يستطع بيار الجميل تأمين أحادية مطلقة فيه في أي مرحلة من مراحله، في حين تحولت الأحادية، على الطريقة البشيرية، إلى منهاج تسير عليه الأحزاب المسيحية العاملة اليوم.

اللحظة المزدوجة
ومن جملة ما يمكنه أن يؤمّن مفتاحاً لورشة تجاوزية لبشير مسيحياً أنّ فكرته عن "توحيد البندقية"، التي نجحت معه، بعد "الصفرا"، هي نفسها الفكرة التي أنهت الحرب اللبنانية في آخر الأمر بحرب اقتتال عاتية بين البشيريين أنفسهم.

يحتاج المسيحيون لبشير الجميّل في كل مرّة يحتاجون فيه إلى واقع بديل. المشكلة عندما يبحثون عن واقع بديل فيما هو بديل عن الواقع.. في عالم الأسطورة. تخفيض منسوبي الأسطرة والأبلسة في موضوع بشير قد تكون له في المقابل آثار نافعة وإيجابية. في نهاية الأمر، العقود من الزمن تمرّ الواحد منها بعد الآخر، والوعي بالمسافة الزمنية المتزايدة مسألة أساسية.

يجسّد بشير في وجدان قسم كبير من الموارنة لحظة مزدوجة: الشعور بأقصى الإنتصار، تلاه مباشرة الشعور بأقصى معنى للخيبة واليتم. لحظة ارتجاجية دائمة. لحظة مخيفة تحول دون ترك "الموتى يدفنون موتاهم". 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها