آخر تحديث:03:25(بيروت)
الأربعاء 24/07/2019
share

لبنان المختنق بملفاته.. حلقة في "صفقة القرن"

منير الربيع | الأربعاء 24/07/2019
شارك المقال :
لبنان المختنق بملفاته.. حلقة في "صفقة القرن" يطمح الحريري في أن يتولى ملف التفاوض على ترسيم الحدود (الأرشيف)

قبل أيام أعلن الرئيس سعد الحريري موقفاً لافتاً، حول ترسيم الحدود البرية والبحرية اللبنانية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالزيارة التي أجراها الحريري لسفينة قيادة القوة البحرية التابعة لليونيفيل، كانت مهمة بحد ذاتها، قبل الموقف الذي أطلقه حول ترسيم الحدود، بعد فشل المساعي التي بذلها نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد.

بري - الحريري
كان الرئيس نبيه برّي هو من يدير تلك المفاوضات، لكن قول الحريري إن المفاوضات ستستأنف مجدداً، وتلميحه إلى استعادة مجلس الوزراء الملف، أوحيا وكأنما هناك خلاف بين القوى السياسية على من يتسلم دفة التفاوض.

قال الحريري حرفياً: "يأتي ذلك في وقت أعمل فيه جاهداً على بدء مفاوضات بشأن حدودنا البحرية. وهذا الموضوع والمفاوضات المتعلقة به سيتعين علينا في النهاية اتخاذ قرارات بشأنهما في مجلس الوزراء". أثار موقفه هذا تساؤلات عديدة، وخصوصاً أن الملف كان بحوزة الرئيس بري الذي كان يدير هذه المفاوضات، وسط إشارة واضحة من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حول الدور الأساسي الذي يضطلع به برّي في هذا الملف. أما كلام الحريري فأوحى وكأنه سيأخذ الأمر على عاتقه في مجلس الوزراء، طالما لم تصل المبادرة التي عمل برّي على بلورتها إلى نتائج محددة.

الحدود – "سيدر"
يتقاطع هذا الكلام مع أجواء تفيد بأن الحريري أبدى انزعاجه من تسليم ملف التفاوض إلى رئيس مجلس النواب، فيما يُفترض أن يكون هو من يتولى المفاوضات، انطلاقاً من موقعه رئيساً للسلطة التنفيذية. ويتقاطع هذا الكلام مع معلومات أخرى جرى تداولها في الكواليس: عملية ترسيم الحدود لا تختلف عن مؤتمر "سيدر"، ولا عن كل الاتفاقات الدولية المتعلقة بالشأن اللبناني. وملف الحدود جزء من سلسلة ملفات كان الحريري قد اتفق عليها مع مستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنير.

ملفات للتناحر
هذا يفيد - في وقت انشغال الأفرقاء اللبنانيين تارة بالموازنة، وطوراً بانعقاد جلسات الحكومة، وبحادثة قبرشمون - أن ثمة ملفات أخرى تطغى في الواقع، لكنها لا تزال خفية غير مظهّرة بما يكفي. ومنها، إلى جانب ملف ترسيم الحدود، ملف ضبط الحدود البرية على السلسلة الشرقية، وملف اللاجئين الفلسطينيين، وملف ترسيم الحدود البحرية مع سوريا.

والقوى السياسية تتناحر في تناولها هذه الملفات. لكنها تستخدم إثارتها بحسابات محلية ضيقة. مثلاً ينطلق ملف إقرار الموازنة وتخفيض العجز، من الخلفيات الضيقة للقوى السياسية، إما للمزايدة أو للحديث عن الحصول على المساعدات المقررة في مؤتمرات الدعم، وأبرزها "سيدر".

معابر "حزب الله"
ملف ضبط المعابر غير الشرعية، يستعمله الأفرقاء مادة لتسجيل نقاط، بعضهم على البعض الآخر. لكنه في الحقيقة ملف دولي أساسي مطروح بقوة من ضمن ملفات الخلاف والصراع في المنطقة. وإثارته دولياً هدفها تحقيق ضبط جديد لحركة الحدود والمعابر التي يستخدمها "حزب الله" لنقل الأسلحة والمقاتلين بين سوريا ولبنان. ومؤخراً زار مسؤولون دوليون كثيرون السلسلة الشرقية اللبنانية للإطلاع ميدانياً على وضع الحدود والمعابر. وذلك تمهيداً لوضع خطط وتفعيل عمل أبراج المراقبة البريطانية المنتشرة في تلك المنطقة. وزيارة كبير المستشارين البريطانيين لبنان، وقيامه بجولة حدودية في الجنوب، لا تنفصل عن هذه المساعي والاهتمامات.

وما يوضح أن كل هذه الملفات مترابطة، هو تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، الذي نوقش عصر الإثنين الماضي، ويتعلق بتطبيق القرار 1701، مع ادخال عنصر جديد إلى هذا التقرير الدوري: الأمم المتحدة جاهزة لمساعدة لبنان ورعاية أي مفاوضات لترسيم حدوده الجنوبية. وهنا يظهر الربط بين موقف الحريري الذي أطلقه في حضرة القوات البحرية التابعة لقوات الطوارئ الدولية، وبين موقف الأمم المتحدة التي تحدث تقريرها عن ضرورة ضبط الحدود وتطبيق القرارات الدولية، خصوصاً القرارين 1701 و1559.

طهران على الخط
في ظل هذا الترابط لن تكون عملية ضبط الحدود والمعابر غير الشرعية قابلة للتطبيق، من دون إحراز تقدم في ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية مع العدو الاسرائيلي. وهذا الأمر، بمعزل عن موقف الحريري، يبقى مؤجلاً، خصوصاً في ظل شدّ الحبال بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. وطهران لن تسمح بتقديم أي ورقة تمسكها، ومن بينها حدود لبنان، قبل الوصول إلى توافق معين مع الأميركيين. الأمور ستبقى معلقة إذاً على حبال تطور العلاقة الإيرانية – الأميركية. وزيارة حسين أمير عبد اللهيان الأسبوع الفائت إلى بيروت، كانت بالغة الوضوح في رسائلها.

وطالما الحدود الجنوبية لا تزال بعيدة عن الحلّ الترسيمي - على الرغم من زيارة السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد إلى الرئيس نبيه بري، وتبليغه رسالة أميركية حول الاستعداد إلى العودة مجدداً إلى المفاوضات التي سيدير دفتها ديفيد شينكر - تكون إيران، غير المستعجلة والممسكة بورقة تفاوض جديدة اسمها الحدود اللبنانية، قد سلّفت موسكو موقفاً لبنانياً بتعطيل عملية الترسيم، على أن تحصل في مقابله شيئاً ما في سوريا.

من الواضح أن الجو الدولي تزداد ضغوطه على لبنان، استعجالاً لإنجاز بعض الملفات المترابطة، بينما تتعاطى طهران مع ذلك بكثير من التمهّل، لأنها تمتلك ورقة الحدود الجنوبية وضبط الحدود الشرقية. وهذا لا ينفصل عن التحركات التي تشهدها المخيمات الفلسطينية رفضاً لتطبيق قانون وزارة العمل. وهنا أيضاً تستخدم هذه الورقة سياسياً، لأن الملفات تشكّل حلقات في سلسلة واحدة: صفقة القرن. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها