آخر تحديث:01:09(بيروت)
الثلاثاء 23/07/2019
share

نواف الموسوي: "متمرد" أخافَ حزب الله

خضر حسان | الثلاثاء 23/07/2019
شارك المقال :
نواف الموسوي: "متمرد" أخافَ حزب الله جمهور حزب الله لا يخرج إلى الشارع دفاعاً عن حقوقه لأن الشارع لدى حزب الله محرّم سياسياً (عباس سلمان)

ليست فرديةً الأحداثُ المتواترة والمتسارعة والمتعلقة بالنائب نواف الموسوي، ولا يمكن عزلها عن بيئتها الحاضنة. فالرجل الذي حمل صفات إيجابية اعترف بها الخصوم قبل الحلفاء، رسم لنفسه مسارات متناقضة ومثيرة للجدل أحياناً. وهي إيجابية واكتسبها طوال سنوات، وبدأت تتهاوى رويداً، وتميل إلى السلبية، وتحديداً في فترة التحضير للانتخابات النيابية الأخيرة. حينذاك ضاق الموسوي ذرعاً بهدوئه وقرر التحوّل إلى شخصية تثير الجدل، بدءاً باستفزاز خصومه في بيئته، مع أنه كان الخصم الأحب إليهم.

المُستفِز الصريح
لم يكترث الموسوي لشيء، وأصرّ على "شتم" مرشّحي "المعارضة" في دائرة صور - الزهراني، فوصف لائحتهم المدعومة من شيوعيين ووطنيين علمانيين، بأنها "لائحة محمد بن سلمان". فحزب الله يرى في ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ممثلاً لأميركا وإسرائيل، ولخيار التخلي عن فلسطين. لذا كان لا بد من رفع شعار "الموت لآل سعود"، بهدف عسكرة الناخبين سياسياً وتحريضهم للولاء لـ "المقاومة"، حتى في وجه من حملوا السلاح يوماً في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد إسرائيل وحلفائها. وهذا الموقف - المسار ليس ببعيد من الحزب الذي استعمله عسكرياً قبل السياسة، بين العام 1985 والعام 1990 .

قاد الموسوي "جبهة" الجنوب الانتخابية ضد آل سعود و"الخونة". ففازت "مقاومته"، وتربّع على عرش الاستفزاز الصريح مثقلاً بفائض قوة مكّنه من تصنيف الناس وتوزيع شهادات الوطنية والعمالة، وبلغ به الأمر فتح صفحة الحرب الأهلية. هذا ما فعله حين ذكّر في مجلس النواب بعلاقة حزب الكتائب وقائده الراحل بشير الجميّل بإسرائيل إبّان اجتياحها للبنان عام 1982، فأحرَج بذلك حزب الله وعُوقب بتجميد عمله النيابي جزئياً. وبدل اتعاظه طوّبَ نفسه "قديساً" استفزازياً، ولم يعد مُستغرباً بعد ذلك إقدامه على أعمال مشابهة. فنائب حزب الله تفوّق على نفسه وعلى حزبه وارتقى بفائض قوته، وصولاً إلى إطلاقه النار على مخفر لقوى الأمن الداخلي، حمايةً لابنته غدير التي هاجمها طليقها حسن المقداد، فاقتيد الطرفان إلى مخفر الدامور في قضية عمادها الأساسي مطلبٌ إنساني عام في وجه التشريعات الفئوية.

حادثة المخفر قسمت ظهر الموسوي وحزبه. فهو قبل الاعتداء على ابنته ليس كما بعده، عقب معاناتهما معاً وبصمت ظلم المحاكم الشرعية. الحزب لم يعد يجديه ترقيع سلوك أحد عناصره، بأن  يقدم فروض الطاعة والولاء والالتزام الحديدي التي تتبعها وترسمها القيادة في أولوياتها ومساراتها كلها.

دولة ولاية الفقيه
طَلَب الحزب من نائبه تقديم استقالته من كتلة "الوفاء للمقاومة"، وعنى ذلك حكماً الاستقالة من البرلمان. وهنا تُستَحضر أدبيات الحزب الشمولي المبني على عقيدة صارمة ترى في نظرية ولاية الفقيه الضيقة مرشداً وسبيلاً للوصول إلى الجنّة وكسب الرضى الإلهي. فالحزب لا يرى في الدولة ومؤسساتها قناةً لممارسة السلطة. فالسلطة نفسها محط تساؤل لدى الحزب. ما هي السلطة، من يحددها، من يمارسها، على من تُمارَس؟ أسئلة كثيرة إجاباتها في مكان آخر خارج الدولة اللبنانية ومؤسساتها. ومن هذا المنطلق يسهل فهم كيف يصبح التخلي عن مركز حزبي، مرادفاً للتخلي عن منصب رسمي جرى تقلّده في انتخابات شعبية قانونية، وليس بتعيينات حزبية.

من منظور أبوي عاطفي فعل الموسوي ما قد يفعله أي أب، أخ، أو صديق يعيش أو يشاهد ظلماً. في هذا الجانب لا مجال لخوض نقاش أخلاقي وقِيَمي، لأن حجم المأساة أحياناً كافٍ لإسقاط أي قيم ومفاهيم في لحظة تخلٍ، خصوصاً حين يكون الظالم متسلحاً بشرعية سماوية تساوي معارضتها معارضة الله.

وعليه يبدو الجانب السيادي والقانوني هو المجال الأفضل لخوض النقاش. فالموسوي الذي صوّر نفسه متمرداً ينتفض دفاعاً عن المقاومة، رسب في امتحان السيادة، لأنه أخضَعَ مكانته التشريعية في الدولة اللبنانية، لقرار حزبي. وبرّر استقالته من المجلس النيابي بأنه اختار أن يكون أباً وليس نائباً، وبأنه لا يريد تحميل الحزب مسؤولية أي عمل يقوم به حيال قضية ابنته. لكن ما تجاهله، أو لم يفكّر فيه هو أن استقالته وموقفه من "المسؤولية" تجاه الحزب، هما إعلان استقالة من الدفاع عن قضية ابنته. فالقضية المشتركة بين آلاف الأمهات والنساء، تستفيد من السلطة التشريعية التي كان يتمتع بها الموسوي في المجلس النيابي، وهو فقدها باستقالته. وفي الشارع فقد الموسوي حصانته النيابية في مواجهته القضية القانونية التي يواجهها اليوم بادعاء النيابة العامة العسكرية عليه بجرم إطلاقه النار من مسدس حربي غير مرخص وبجرم التهديد بالقتل في مخفر قوى الأمن. وفي المجلس النيابي كان في إمكانه كمشرّع الضغط في إتجاه إقرار قوانين أحوال شخصية أكثر إنسانية، وصولاً إلى إقرار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، اختيارياً كان القانون أم إلزامياً.

خوف حزب الله
لكن خطوة الموسوي، أكانت ذاتية أم حزبية، تجرّده من قوته وقدرته على المواجهة. ولعلّ هذا هو القصد، إذا نظرنا إلى الملف من زاوية حزب الله. فتمرد الموسوي الأب على الانضباط الحزبي والمركز السياسي، كفيل في حال تكراره بإيقاظ مئات وربما ألوف النساء الخاضعات لتسلط الرجال وظلم الشرع في المحاكم الدينية، والصامتات صوناً لوحدة الطائفة أو المذهب أو الحزب.

ففي حال فوز الأب في انتصاره لابنته، يكرّس مبدأ التمرد من داخل الحزب. وإذّاك لن يتمكّن أحدٌ، بإسم الدين والطائفة والحزب، من منع التمرد أو الثورة، لأن شخصاً كالموسوي، غير مشكوك بانتمائه وإيمانه وتمرده على الظلم، يصير مثالأ يقتدى ولا غبار عليه، وأتباعه سيُنزَّهون عن الخطأ. وكل ما يدور في فلك هذا التحرّك يضرّ حزب الله ومنظومته العقائدية. واحترازياً أقصي الموسوي كي لا يستمر صراعُه ضد الظلم، بغض النظر عن طبيعته وأدواته، ويتخذ طابع صراع فردي لا يتحمله حزب الله الذي لا وجود لمثل هذا الصراع في عقيدته.

استقالة الموسوي هي رصاصة الرحمة التي أطلقها حزب الله على إمكان تحوّل المتمرد الفردي إلى مجموعة متمردين قادرين على تغيير المعادلة العقائدية الداخلية التي يستعملها الحزب للسيطرة على جمهوره. أو على الأقل قادرة على إسقاط عرش المحاكم الشرعية وإخراج مظالم النساء فيها إلى الشارع. والشارع لدى حزب الله محرّم سياسياً مثل الفردية والتفرد، فلا خروج إليها حتى في حالات الدفاع عن لقمة العيش أو رفض الظلم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها