آخر تحديث:02:41(بيروت)
الثلاثاء 02/07/2019
share

عودة إلى معارك سوق الغرب

يوسف بزي | الثلاثاء 02/07/2019
شارك المقال :
عودة إلى معارك سوق الغرب لا شيء شريراً اليوم قدر شر "نابش القبور" (Getty)
نصل إلى محاذاة حي السلم، ونسلك الطريق التي سُميت حينها "طريق الكرامة" التي كانت تربط الضاحية الجنوبية بالجبل، بمسالك عسكرية وعرة، كخط إمداد استراتيجي يصل إلى عالية ومنه إلى ضهر البيدر والبقاع.

على طول الطريق كانت آثار عمليات القصف المتوالية على مدى سنوات، جعلت الأرض والعمران والطبيعة كتلة واحدة على صورة كارثية بالغة العنف، فيما وحشة القرى المدمرة والخالية وخرائب البيوت المبقورة أو المستوية بالأرض، تجعل الصمت الشاسع نقيضاً للهدوء والسكينة، مرادفاً للرعب الذي يتحول إلى رجفة في العمود الفقري. قشعريرة الصمت قرين الموت والحرب.

حتى وقبل ساعة المغيب كانت العتمة تنمو وتنتشر. لا ضوء في أي مكان، إلا بعض النيران الصغيرة التي أشعلها حراس الحواجز والمواقع العسكرية للتدفئة. لا كهرباء ولا بشر ولا حياة هنا. ومضات تأتي من خلف التلال، تليها أصداء انفجارات متقطعة.

وصلنا إلى بيصور.. ملصقات صور الشهداء على الجدران لعشرات الشبان، خصوصاً من آل ملاعب وآل العريضي، وكأن ما يحدث هو إبادة عائلية. رحت أتخيل حياة بلدة انقصفت أعمار شبانها كلهم. أمهات سيعشن بقية أعمارهن بلوعة الفقد. حزن ستتم وراثته لأجيال. حزن سينغرز في التراب والهواء وسيطلع دوماً مع أصوات الأحياء وحكاياتهم وسيعشش في جدران البيوت.

نستريح في قبو بيت حجري عتيق. أخبار الليلة السابقة مروعة. أكثر من 15 شهيداً سقطوا في الهجوم. لقد أتوا بنا لتدعيم الجبهة بالمدد البشري. رحنا نجهز الأعتدة ونعبئ مخازن الرصاص ونفتح صناديق قواذف الآر بي جي، ونرتب موجات الاتصال اللاسلكي، لننقسم مجموعات قتالية ستتوزع على امتداد جبهة كيفون - عيتات مقابل سوق الغرب.

ما بين بيصور وكيفون، كانت مرابض الهاون تطلق قذائفها، وعلى التلة القريبة كانت المدافع المضادة (الرباعية والثنائية) تواصل رشقاتها النارية المضيئة "الخلابة" نحو التلال المقابلة، فيما تسقط قذائف مدافع الميدان التي يستخدمها الجيش اللبناني هنا وهناك عشوائياً. ظلام ثقيل وملتهب، ومحاثات محمومة عبر أجهزة اللاسلكي. نقف قليلاً لنحتمي داخل مبنى مدمر ومحترق.

عند دخولنا إلى كيفون، يبلغنا "الاشتراكيون" أن الشهداء ما زالوا في الأرض الفاصلة بينهم وبين الجيش الذي هو أيضاً سقط له شهداء على الأرض نفسها، والجميع عاجز عن التقدم لسحبهم. لا أحد يجرؤ على الخروج من مواقعه نحو هذا الخلاء المزروع بالشبان المقتولين.

كانت "فسحة الموت" هذه، بمحاذاة محور "قصر عساف" (على ما أذكر)، وقد مضى يوم على تمدد هؤلاء الشبان اللبنانيين (جنوداً و"ميليشيات")، مضرجين بدمائهم وجروحهم المميتة.

عم الهدوء فجأة. ولا رصاصة واحدة تكسر هذا السكون الهابط بغتة على أنحاء الجبل كله. يطلب مني مقاتل من أهل المنطقة أن آتي معه إلى المتراس الأمامي، يدلني على تلة 888 إلى يميني، وعلى مواقع الجيش أمامي على مبعدة 300 متر. هنا، كان علي أن أقضي الليل، ناظراً بعماء العتمة، منصتاً بيأس وخوف لأي حركة أو نأمة أو صوت.

عند الفجر، ينقشع المشهد ببطء: أجساد منثورة بين الشجيرات الصغيرة والصخور. بعيدين ومرئيين. أخجل من وقاحة عينيّ. أغمضهما، أطأطئ رأسي مرتجفاً. ويتصاعد الحقد من جوفي إلى أسناني، إلى أصابعي، أريد أن أفجّر غضبي، أن أتخلص أيضاً من هذا الخوف الذي اخترق قلبي. تتصارع في رأسي رغبتان: أن أطلق مستودع ذخيرة تجاه ذاك "العدو"، أو أن أرمي سلاحي وأنطلق سريعاً عائداً إلى بيتي. رغبتان عنيفتان مدمرتان للأعصاب.

تنتهي نوبة الحراسة، وأنسحب إلى مقر الاستراحة. يأتي الخبر أن الصليب الأحمر سيسحب الشهداء. ممنوع إطلاق النار تماماً. أستيقظ بعد الظهر، وأتجول من بيت إلى بيت في كيفون، الذي يشبه دمارها تلك الصور التي تأتينا الآن من سوريا. خراب خرافي.

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك "التجربة"، وقبل شهر من الآن، كنت هناك في قلب سوق الغرب، على شرفة منزل صديق، نحتفل كشلة من الأصحاب بالشواء وكؤوس العرق، متمتعين بمشهد كاشف يمتد تحتنا من الناعمة إلى مرفأ بيروت، متنعمين بالهواء الصنوبري. سوق الغرب نفسها كانت متلألئة ببيوتها العامرة وبجمالها الصيفي. قرى عالية كلها محت آثار الحرب، ودفنت شهداءها، وعاد مهجروها. ذاك هو السلم الثمين على هشاشته. لكنه أفضل مليون مرة من ليلة في ثمانينات القصف والدمار.

ثلاثة أجيال تكتنز ذاكرة مريرة. ذاكرة أمهات اللوعة وأهل الفقد وأبناء الخسارات وآباء الحزن. ثلاثة أجيال وهي تحاول دفن أولئك الشبان الذين قاتلوا وقتلوا بعضهم البعض.. هي أيضاً ثلاثة عقود انصرمت حتى ندرك بالكاد أن لا انتصارات في الحرب الأهلية، بل هزيمة موزعة على الجميع. وبالكاد تنعقد خاتمة آلامها.

لا شيء مهيناً اليوم قدر إهانة أولئك الذي سقطوا، ونكء جراح أهل وأبناء وأخوة وآباء وأمهات الضحايا. لا شيء شريراً اليوم قدر شر "نابش القبور" المولع بالتلاعب بالماضي، المستخف بالذاكرة، الذي يحتقر حياتنا وما تبقى من سلمنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف بزي

يوسف بزي

كاتب وصحافي لبناني