آخر تحديث:01:36(بيروت)
الخميس 18/07/2019
share

حاشية على حفلة الزار النيابي التلفزيوني

محمد أبي سمرا | الخميس 18/07/2019
شارك المقال :
حاشية على حفلة الزار النيابي التلفزيوني تذمر غثياني محموم ومتصل (مجلس النواب)

في حفلات الزار النيابية التلفزيونية المتعارف على تسميتها مناقشة الموازنة المالية العامة، يردّد نواب الجماعات اللبنانية ما تعوّدت جماعاتهم قوله في كل يوم وساعة: تذمر غثياني محموم ومتصل، صار لسان حال اللبنانيين جميعاً في كلامهم على كل شيء في بلدهم، بعدما فقدوا كل سبيل سواه إلى الكلام والعبارة والتعبير.

نوابهم في البرلمان ووزراؤهم في الحكومات لا يختلفون عنهم في غثيانهم وفقدهم أي سبيل إلى الكلام غير التنابذ والتذمر. ومناقشة الموازنة ليست سوى مثال تلفزيوني مكثف لهذه الحال التي بلغناها من فقدان القدرة على الكلام، إلا على هذا النحو اللزج الموبوء، مثل كل شيء في هذه البلاد.

على شفير الاختناق
دائماً نعيش على شفير الاختناق أو الهاوية. لا نختنق ولا نسقط. وعبارة موازنة مالية عامة، مثل العبارات والكلمات كلها في ديارنا، أبعد ما يكون من ما جرى من أعمال وحسابات لإعداد الموازنة وإنجازها. أما مناقشتها في ما يسمى مجلس النوب، فليست سوى إجراء كاريكاتوري ايمائي، يؤديه ممثلون هزليون لا يقوون على انتزاع حتى ضحكة أو ابتسامة واحدة من مشاهديهم.

لا نختنق ولا نسقط، ونستمر على شفير الإفلاس في اللغة والتدبير والفعل والتبديد. نطلب النجدة والمدد مدركين أن العالم فقد قدرته على سماع استغاثاتنا المعتادة في حفلات الزار والتذمر، التي لم نعد نجيد سواها، جماعات ونواب جماعات، موظفين ومهنيين وقضاة وعسكريين ورجال أعمال ووزراء... ولطالما نتصرف ونسلك بلا تمييز بين الكلام والفعل، بل كأنما الكلام هو عين الفعل، ولا فعل سواه، والكلام مجانيّ ويذهب سدى ويطويه النسيان.

نواصل حياتنا على شفير الاختناق والإفلاس.

وهذه الحاشية على هامش جلسات مناقشة الموازنة ليست بريئة من ما نحن فيه وعليه.

صمت الطيور والنمل
هل نحسد الطيور في الفلاة على خرسها؟

هل نحسد النمال في جحورها على حكمتها الخرساء، والنحل في قفائره على عمله الصامت؟

وأيام النواب التلفزيونية أين منها دهشة الأطفال القديمة في تزاحمهم على صناديق الفرجة في ساحات القرى الغابرة؟

قد لا تحتمل المناسبة مثل هذا الكلام.

لكن كيف السبيل إلى الخروج من هذا الاختناق المحيق باللغة والكلام؟

هل نحاول وصف الطبيعة، البحر، مهرجانات الصيف، نسائم الأمسيات الصيفية القديمة في بيوت متقشفة على السفوح، وشمس المغيب؟

صدئت اللغة في مخيلتنا وذائقتنا، دمرتها الحروب التي عجزنا عن وصفها وروايتها. وقبل الحروب كنا بلا لغة، أو نمتلك لغة خلبيّة سجينة التهاويم.

ولا تحتمل المناسبة مثل هذا الكلام.

كلام نواب الزار التلفزيوني على الموزانة المالية العامة، تحفةُ هذياننا اليومي لترصيع اختناقنا وخرسنا المزمنين.

وهذه الحاشية محاولة يائسة لقلب الكلمات على قفاها لسماع السكون في معدنها الصامت.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها