آخر تحديث:17:10(بيروت)
الأحد 09/06/2019
share

مؤتمر الطاقة الاغترابية: برنامج أيديولوجي للهوية اللبنانية

المدن - لبنان | الأحد 09/06/2019
شارك المقال :
مؤتمر الطاقة الاغترابية: برنامج أيديولوجي للهوية اللبنانية استعادة نفوذ وهيمنة اقتصادية مالية داخل لبنان (دالاتي ونهرا)

على مدى يومي الجمعة والسبت (7 و8 حزيران) كان "مؤتمر الطاقة الاغترابية" بمركز "البيال"، على تخوم بيروت ونهرها.

يمكن اعتبار المناسبة حدثاً "أيديولوجياً" بالغ الأهمية لـ"التيار الوطني الحرّ"، إذ طرح فيه رئيسه، وهو وزير الخارجية جبران باسيل، ما يمكن وصفه بإعادة صياغة للهوية اللبنانية، كبرنامج سياسي يهدف إلى تعديل "التوازنات" الطائفية من جهة، وتغيير "تركيبة" النظام من جهة ثانية.

الحرب الديموغرافية
الأهم أن باسيل في خطابيه الافتتاحي والختامي، أعلن رؤيته البعيدة المدى، التي تبدأ بما يمكن نعته "حرباً ديموغرافية" فظة ومفعمة بالعنصرية، يمكن ببساطة التدليل عليها في هذه المقتطفات من خطابيه:
"لقد كرّسنا مفهوماً لانتمائنا اللبناني هو فوق أي انتماء آخر، وقلنا انه جينيّ وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معاً، لتحملنا وتأقلمنا معاً، لمرونتنا وصلابتنا معاً، ولقدرتنا على الدمج والاندماج معاً من جهة وعلى رفض النزوح واللجوء معاً من جهة أخرى. كلّها تناقضات متكاملة لا تجدها في أيّ جنس بشري غير الجنس اللبناني، وهذا ما أبقانا على قيد الحياة، بروح المقاومة فينا، وهذا ما حفظ وطننا حتى الآن باللبنانيّة التي نعيشها".

"انتماءنا هو ما يجمعنا، وأحد اشكال الانتماء هو الجنسية. و"اللبنانية" أو lebanity، نعتبرها الانتماء الأعلى من أي شيء آخر وهذا هو القاسم المشترك الحقيقي بيننا". "البعض يتّهمني بأنّني عنصري، وأنا أتفهّم ذلك، لأنّ الانتماء اللبناني لدى هؤلاء ليس قوياً كفاية ليشعروا بما نشعر به، ولأنهم يعتبرون أن هناك انتماء ثانياً قد يكون أهم بالنسبة إليهم". "طبيعي أن تميز الدولة مواطنيها عن غيرهم من المواطنين، أي عن الأجانب. وهذه ليست عنصرية. بل هذا ما تقول به الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري. فالقانون المحلي هو الذي يسود. طبعا نريد أن نميّز المواطن اللبناني عن غير اللبناني بالعمل والسكن والضريبة وأمور كثيرة وهذا ليس تمييزا عنصرياً، بل سيادة الدولة على أرضها". "من الطبيعي أن ندافع عن اليد العاملة اللبنانية في وجه أي يد عاملة أخرى، أكانت سورية، فلسطينية، فرنسية، سعودية، إيرانية، أو أميركية، فاللبناني قبل الكل. فللأسف هناك من لا يفهم ماذا يعني أن تكون لبنانيتنا فوق كل شيء، وماذا يعني أن نشعر برابطة الدم، وماذا تعني عبارة "الأرض بتجمع"، وماذا يعني أن الانتماء اللبناني هو انتماء لحضارة وتاريخ". "البعض لا يشعرون بكم وبهويتكم، بل شعورهم قد يكون مع أي أمر يحصل في مكان آخر في العالم، فيتفاعلون معه أكثر، وهذا هو السبب الذي جعلكم منسيين في السنوات الماضية، ولهذا نحاول اليوم تعويض جزء صغير من النسيان الكبير".

معظم هذه الفقرات، ليست موجهة إلى "الغرباء"، الأجانب، بل هي تعني قسماً كبيراً من اللبنانيين، الذي لا يشاطرونه التعريف العرقي ولا التفسير "الحضاري" للبنان. ها هي العودة إلى ما قبل 1920. العودة إلى سجال "الهوية" ما قبل "الطائف" وما قبل ميثاق 1943.

الوزارة والرؤية
رؤية باسيل البعيدة المدى تعوزها وحسب "قوة ديموغرافية". فالتحدي الأساسي بالنسبة له التخلص أولاً من "تهديد العدّ" الذي يلوّح به بين الحين والآخر بعض اللبنانيين المسلمين، وإذا أمكن أن يصبح العدّ (والعديد) سلاحاً مسيحياً ذات يوم. تلك استراتيجية كبيرة قوامها أولاً طرد اللاجئين السوريين والفلسطينيين بأسرع وقت ممكن، تدبير قانون منح الجنسية لأبناء الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي، بتشدد بالغ تجاه المتزوجة من عربي (أبناء دول الجوار خصوصاً)، وتنشيط مشروع "استعادة الجنسية" للمغتربين ولذوي الأصول اللبنانية، تمهيداً لدمجهم في الفعالية السياسية.

تشكل وزارة الخارجية والمغتربين المؤسسة التنفيذية الأهم لبرنامج باسيل، وهو حتى في ظل قرارات التقشف وإجراءات تقليص النفقات ومنع التوظيف في الإدارات الرسمية، ورغم الميزانيات المتضائلة، يبدو أنه لا يبخل في توسيع قدرات وزارته وطواقمها وإداراتها. يعلن باسيل في مؤتمره: "ها نحن نطلق إليكم هذا الشهر دفعة من 43 دبلوماسياً جديداً سينتشرون في كل السفارات، وها نحن نطلق إليكم هذا الأسبوع، ولأوّل مرّة بتاريخ لبنان 20 ملحقاً اقتصادياً، وها نحن نعيّن 118 قنصلاً فخرياً جديداً نضيفهم إلى 31 الموجودين، لتصبح شبكتنا القنصلية منتشرة في 149 مدينة عالمية (إضاقة إلى 70 بعثة) والتي سنزيدها أكثر هذه السنة. وها نحن نفعّل برامج الدبلوماسية الاقتصادية، والدبلوماسية الغذائية Gastro Diplomacy، و Lebanon Connect و"استثمر لتبقى" Invest to Stay- وغرفة التجارة اللبنانية العالمية ICH وكل ما يلزم لتكون شبكتنا أقوى واللوبي اللبناني في العالم أفعل".

الشرط الاقتصادي
بطبيعة الحال، يعمل باسيل بنشاط وفعالية، فهو هنا يشبك السياسي بالشرط الاقتصادي والعملاني. فهو اختار عنواناً ملهماً للمؤتمر "الانتشار يفعل" Diaspora in action. وهو طرح عناوين خطة اقتصادية طموحة وواسعة، تطمع في مآلها الأخير، عبر أولئك المغتربين والمكتسبين مجدداً للجنسية، باستعادة نفوذ وهيمنة اقتصادية مالية مسيحية داخل لبنان أولاً، وتمتلك قوة اقتصادية عابرة للقارات. 

بهذا المعنى، يعرض باسيل على لبنانيي الانتشار وعلى ذوي الأصول اللبنانية منحهم الأولوية (طبعاً بالشراكة معه ومع "نخبته" السياسية) لاستعادة الإمساك بالمقدرات الاقتصادية الكبيرة للبلد. يقول: "ومن غيركم أولى بأن يكون شريك الدولة في معمل الكهرباء ومعمل النفايات وسكك الحديد والمرافئ البحريّة والمشاريع الاستثماريّة الضخمة؟". بل ويقدم لهم عرضاً سخياً، مشيراً إلى مشاريع أوسع تكشف تماماً "رؤية" باسيل في السياسة الإقليمية، المسماة "حلف الأقليات": "مشاريع إعادة اعمار سوريا والمشرق".

لا بد من التنويه بفعالية "المؤتمر" في جدول أعماله وورشاته وندواته وخططه العملية، التي ظهرت في نتائجه وتوصياته، الحقوقية والاقتصادية والإدارية، وخصوصاً في تكوين شبكة واسعة من المجموعات والمنصات والبرامج السياحية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية.. والسياسية، وإنشاء نظام فعال خاص بـ"استعادة الجنسية"، وحتى على المستوى البيروقراطي الذي سيدير نمواً واضحاً لما قد نسميه "اللوبي اللبناني".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها