آخر تحديث:00:07(بيروت)
السبت 08/06/2019
share

تداعيات مأساة طرابلس: حصار "السنّية السياسية"

جنى الدهيبي | السبت 08/06/2019
شارك المقال :
تداعيات مأساة طرابلس: حصار "السنّية السياسية" الحملة غايتها الانقضاض على اتفاق الطائف (دالاتي ونهرا)

لم تنتهِ ارتدادات العملية الإرهابيّة التي ضربت طرابلس في ليلة عيدها. قتل الإرهابي عبد الرحمن مبسوط نفسه. وقبلها بدقائق، قتل أربع شهداء عسكريين من الجيش وقوى الأمن الداخلي، فسقطوا على أرضٍ ظنّوا أنّهم يحرسوها آمنين. الجُرح لا يزال طريًا في المدينة وفي قلوب أهالي الشهداء. ظنّت طرابلس أنّها ستمضي عيدها بقليل من السلام يستكمل أجواء شهر رمضان. كذلك ظنّ أهالي الشهداء العسكريين، أنّ عودة أبنائهم إلى أحضانهم في العطلة كان أمرًا بديهيًا، بما أنّهم ليسوا على جبهة معركةٍ أو حرب. الفاجعةٌ أصابت طرابلس وألقت بثقلها على امتداد الوطن بأسره. مع ذلك، ثمّة من حوَّر مسارها نحو الابتزاز والاستثمار السياسي، فجلدوا المدينة بوصفها متهمةً بالإرهاب، بدل التعاطي معها كبيئةٍ مستهدفةٍ ضحيةٍ لهذا الإرهاب.

فاجعة طرابلس
كانت المدينة مذهولةً ومفجوعة، وكانت دماء العسكريين على الأرض ساخنةً لم تبرد بعد، حتّى بدأ الاستثمار بالعمل الإرهابي من لحظاته الأولى. في البدء، خرج من طالب بمحاسبة اللواء عماد عثمان، ثمّ ظهرت مجموعات "افتراضية" موجهةً، تطالب بنسف ملف مشروع قانون العفو العام، بدل الحثّ على إجراء محاكمات عادلة تنهي مأساة إنسانية وتجاوزًا قانونيًا ارتكب بحقّ آلاف الموقوفين منذ سنوات طويلة من دون أن يُحاكموا. ساد منطق التعميم من جديد، فخرج من يصرح ويلمّح لوصم طرابلس بصبغة التطرف والإرهاب، بدل الوقوف على جرحها ومواساتها. ساعات قليلة، حتّى بدت عملية مبسوط الإرهابية مناسبةً إضافية ودسمة ليكمل التيار الوطني الحرّ، وزراءً ونوابًا، معركته ضدّ رئيس الحكومة سعد الحريري وتياره، عبر توجيه اتهاماتٍ مبطنةٍ له بالتقصير والتواطؤ، لدرجة تشكيك وزير الدفاع الياس بو صعب بعلاقة "المستقبل" مع مبسوط.

لاحقًا، بدأت معالم المشهد "الاستثماري" في السياسة تظهر، بالهجوم المباشر على مكونات سّنية أخرى في البلد. سواء بتوجيه السهام على أداء وزيرة الداخلية ريا الحسن، ثم اتهام النائب نبيل نقولا للواء أشرف ريفي بالوقوف وراء مبسوط، عبر نشر صورةٍ لم يتحقق من صحتها تجمع ريفي مع شابٍ ملتحٍ واصفًا إيّاه بـ"هذا هو المجرم"، وصولًا إلى محاولة زجّ رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي بملف مبسوط، بالهجوم عليه "إعلاميًا" من خلال المحامي سامر حواط، الذي يتولى مكتبه في طرابلس العديد من القضايا لميقاتي وغيره، بـ"تهمة" مرافعته عن مبسوط حين كان سجينًا.

كرامي يهاجم
ظهرت هذه الحملة الشرسة كأنّها ممنهجة، بهدف التصويب على رموز المكون السّني في لبنان، باستضعافه والتشكيك به وتحميله وحده دون غيره آثام الفساد في السلطات السياسية والأمنية وحتّى القضائية. وكان رئيس حزب التقدم الاشتراكي وليد جنبلاط أول من عبّر عنه بالقول: "كفى تعميم نظريات الحقد والكراهية تجاه السنة". لكنّ اللافت، هو أنّ النائب فيصل كرامي تولى بنفسه موجة الانقضاض والهجوم في تعقيبه على العمل الإرهابي الذي ضرب طرابلس، مطالبًا باستقالة الوزيرة الحسن وساخراً من اللواء عثمان باعتباره "ليس محللًا نفسيًا" حتى يقول عن مبسوط أنه يعاني من اضطراب نفسي. ولم يُفوّت فرصة توجيه سهامه نحو تيار المستقبل، وتحديدًا أمين عام التيار أحمد الحريري، للتذكير أنه لا يأتي إلى طرابلس إلا وقت الانتخابات وبمواكب أمنية.

في أوساط طرابلس، ثمّة من قرأ في تصعيد كرامي محاولةً منه أن يصوّب في السياسة، في مكان كان عليه "الترفع عنه"، وفي لحظة حساسة تواجه فيها الطائفة السنية هجومًا غير مسبوق. لم يمرّ تصعيد كرامي على خير. سارع عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل، الدكتور مصطفى علوش، إلى وضع موقفه، وهجومه على الحسن، في إطار "مفعول السحور الذي أقامه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على شرفه في دارته في البترون".

يرى علوش في حديث لـ "المدن" أن ثمة هجومًا حتميًا وواضحًا على التمثيل السّني في لبنان، ويسأل: "هل هو هجوم مدبّر ومدروس أم عملية فوضوية؟". المؤكد وفق علوش، أن هناك بعض القيادات التي يسميها بـ"الهامشية" ضمن الطائفة السنية (يقصد فيصل كرامي)، "تفتش لنفسها عن موقع عبر الانقلاب على الناس، بدعمٍ خارجي". والإشكالية الكبرى هي لدى القيادات الأخرى، أيّ التيار الوطني الحر، "أنّها تلجأ إلى ابتزاز قيادة السنة الأساسية، من خلال القول أنّ ثمة بدائل هامشية واستفزازية متوفرة وموجودة". يعتبر علوش أنّ ثمّة "مشغلًا جديدًا لكرامي، وأنّ هذا ليس معزولًا عن السحور الذي جمعه مع باسيل، وقد بدأ يصرّح بلهجته ومنطقه". لكن الصراع الحقيقي القائم، "يدور مع من يريد أن يستولي على كلّ مقدرات الدولة، ويضعها في خدمته، ويكسر منطق التوازن- الذي أرساه اتفاق الطائف- بالهيمنة، في لحظة تاريخية يريد أن يستفيد فيها من الصراع بين السنة والشيعة في المنطقة، علمًا أنّ هذه اللحظة لن تدوم، وإنّما هي عابرة في التاريخ".

علاقة "المستقبل" مع التيار الوطني الحرّ، يربطها علوش بالتصعيد الذي يذهب إليه "تيار باسيل". فـ"إذا كان الرئيس الحريري متمسكًا بالتسوية الرئاسية، من أجل تأمين استقرار البلد، علينا أن نعي أنّه لا يوجد مكون ضعيف، وإنّما مكون يجري استضعافه في لحظةٍ ما، ولكن في النهاية لا يمكن وضعه خلف الظهر". يستبعد علوش أن يكون مصير الحكومة مهددًا، "لكنّ عواقب ما يجري قد تكون وخيمة على البلد بأجمعه".

ميقاتي والرسائل الموجهة
لا تنفصل هذه "الهجمة" على مكونات سنيّة في البلد عن الاجتماع الذي عقده مطلع الأسبوع رؤساء الحكومات السابقين، نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام. وحتّى محاولة زجّ ميقاتي في ملف مبسوط، ثمّة من يضعها في إطار "الرسائل الموجهة" إليه، بعد البيان الصادر عن هذا الاجتماع، الذي دعا فيه الرئيس عون أن "يضع حدًّا للممارسات المستفزة"، إلى جانب الاستغراب والأسف من المواقف "التي عبّر عنها سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله المعترضة والنازعة عن رئيس الحكومة اللبنانية حقّه في الإعلان عن موقف لبنان في مؤتمري القمتين العربية والإسلامية".

في هذا الإطار، تشير أوساط ميقاتي لـ"المدن"، أنّ ليس في الأمر ما يعيبهم بأن يكون المحامي حواط سبق أن ترافع للدفاع عن مبسوط، "لا سيما أنّ له مكتبًا مستقلًا وأيّ موقوفٍ من حقّه القانوني توكيل محامٍ للدفاع عنه". فـ"ميقاتي يملك أكبر مكتب خدمات في طرابلس وكلّ الشمال، يتردد إليه آلاف المواطنين يطلبون الخدمات بشكلٍ قانوني وشرعي وطبيعي، وأغلبهم لا يعرفهم ميقاتي ولا تربطه صلة بهم". وفي السياسة، تضع أوساط ميقاتي ما يجري بحقّ المكونات السنيّة، "في إطار الانقضاض على اتفاق الطائف، رأس الحربة فيه هو التيار الوطني الحرّ ولا ندري من يقف خلفه". أمّا ميقاتي، فـ"هو لا يستطيع اتخاذ مواقف مخالفة لتوجه الرأي العام بالدفاع عن رمزية التمثيل السنّي في رئاسة الحكومة بوجه الاعتداءات التي يتعرّض لها، وإلّا سيكون ليس وطنيًا، كما أنّ وقوف رؤساء الحكومات السابقين يدًا واحدة هو موقف مبدئي للحفاظ على الموقع وصلاحيته".

خطوط حمراء
ثمّة قناعة في البلد ترتكز على فكرة أنّ ما يقوم به الوزير باسيل، يأخذ غطاءً مباشرًا من حزب الله "الساكت" عن كلّ ممارساته، لا سيما أنّ حزب الله يتحاشى النتائج العكسية من التصادم المباشر مع الشارع السّني في لبنان، منعًا لتكرار تجربة 7 أيار 2008 وما تبعها من "حقدٍ سنّي" عليه. لكنّ الطائفة السنيّة، التي يقوم أداؤها السياسة منذ العام 2005 على ردود الأفعال "الانفعالية" وحسب، تجد نفسها اليوم في امتحانٍ صعب، خصوصًا أنّ "الأداء السّني" لقياداتها، وتحديدًا الحاكمة في السلطة، أيّ "تيار المستقبل"، ليس على المستوى المطلوب تجاه الخصم الذي هو "حليف التسوية" في آنٍ معًا.

وفي الوقت الذي يؤْثر فيه الرئيس الحريري الصمت، ويوكل مهمة الردّ لامتصاص غضب الشارع لأمين التيار أحمد الحريري، وبعض المطالعات الإنشائية في مقدمة نشرة أخبار تلفزيون "المستقبل"، بدأت تروج سياسة "الخطوط الحمراء"، التي يبدو فيها كثير من الخفّة بالاختباء خلف الإصبع، بدل المواجهة في إطار قانوني وبما تنصّ عليه الصلاحيات المكتسبة من رئاسة الحكومة.

في الأمس، كانت لسان حال الحريري في نشرة "المستقبل": "اللهم احمني من أصدقائي فأمّا أعدائي فأنا كفيل بهم". وهنا لا بدّ من السؤال: ما هو مصير الاتفاق المعقود بين الرئيس الحريري وباسيل، بعد أن أثبتت التجارب أنّ الأخير هو صديقه وعدوه في آن؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها