آخر تحديث:20:33(بيروت)
الثلاثاء 04/06/2019
share

بعد ليلة طرابلس الدامية: حزن المدينة وصفاقة السياسة

جنى الدهيبي | الثلاثاء 04/06/2019
شارك المقال :
بعد ليلة طرابلس الدامية: حزن المدينة وصفاقة السياسة عنصر من الأدلة الجنائية في الشقة التي تحصن بها عبد الرحمن مبسوط (مصطفى جمال الدين)

لم يكن اليوم الأول من عيد الفطر في طرابلس عاديًا. فهذه المناسبة التي تنتظرها المدينة موسميًا، لتحريك عجلتها الاقتصادية وإنعاشها اجتماعيًا، حلّت بعد ليلةٍ داميةٍ من العمل الإرهابي الذي أداره عبدالرحمن مبسوط، وذهب ضحيته أربعة شهداء من المؤسسة العسكرية وقوى الأمن الداخلي، وهم، الملازم في الجيش حسن فرحات، الرتيب في الجيش ابراهيم صالح، والعسكريون في قوى الأمن الداخلي جوني خليل ويوسف فرحات. عند الساعة الساعة الثانية إلّا ربع فجرًا، انتهت العملية الأمنية التي نفذتها القوة الضاربة بمديرية المخابرات في الجيش بمؤازرة من القوة الضاربة في فرع المعلومات، بعد أن شدّوا الخناق بتطويق الشقّة السكنية، التي اختبأ بها مبسوط، في إحدى مباني شارع دار التوليد، واشتبكوا معه، قبل أن يفجر نفسه بواسطة قنبلة يدوية.

حزن وصدمة في "التوليد"
خاض مبسوط وحيدًا في عمله الإرهابي، جولةً سريعة وجنونية من إطلاق النار من بندقيته، وهو يقود دراجته، قبل وصوله هاربًا إلى محطته الأخيرة، حيث سقط قتيلًا. أول محطةٍ "إرهابية"، كانت أمام سرايا طرابلس، ورمى فيها قنبلةً يدويةً على نقطة حراسة لقوى الأمن الداخلي. الثانية، أمام مرفأ طرابلس البحري، أطلق مبسوط هناك النار على مركز الجيش اللبناني. الثالثة، في طريق الميناء بالقرب من السنترال، وهناك ترجل من دراجته، وأطلق النار باتجاه سيارة لقوى الأمن الداخلي، راح ضحيتها شهداء وجرحى من العناصر الأمنية، ثم ركب دراجته للهروب، فأطلق النار مجدداً باتجاه دورية للجيش اللبناني، فسقط أحدهم شهيدًا وعدة جرحى.

نهاية هذا المشهد العنيف، كانت في شارع دار التوليد، حيث كان مبسوط يهرول هربًا من عناصر الجيش وعدد من المواطنين الذين يلاحقوه، فترك دراجته، ودخل مسرعًا أحد أبنية الشارع، ووصل إلى الطابق الرابع، خلع باب إحدى الشقق السكنية وكانت فارغة، وأطلق من شرفتها النار، فأصاب ضابطًا وعددًا من العناصر، قبل أن تنتهي العملية بقتل نفسه.

الشارع وصاحب الشقة
قبل الوصول إلى شارع دار التوليد في صباح عيد طرابلس، تبدو المدينة هادئة، وكأنّ أبناءها يخوضون مهمة مسح الغبار المترسب من ليلتهم الدامية والعنيفة. بدا واضحًا، وإن كان بشكلٍ محدود، أنّ ثمة محاولات لعيش "فرح" العيد، بكسر حالة الانكماش والحذر والترقب.. والحزن، التي سيطرت على طرابلس منذ ساعات فجرها الأولى. لكن، لدى الوصول إلى شارع دار التوليد، بدا المشهد مختلفًا رأسًا على عقب. طوقٌ أمنيّ كبير للشارع، رواسب الدمار والتخريب، سيارات محطمة، والمبنى الذي تحصن فيه مبسوط قد أُخلي من جميع سكانه، يحرسه عناصر من الجيش وتملأه عناصر مسح الأدلة الجنائية.

الدخول إلى المبنى المدمّر، للوصول إلى الطابق الرابع، مسرح الجريمة، ليس سهلًا. ولدى صعودنا نحو الشقّة السكنية التي تحصن بها مبسوط، مع كلّ اعتلاء درجةٍ، تزداد حدّة رائحة الغاز الخانق، الناتج عن القنابل المسيلة للدموع. لا شيء في منزل كمال الفرّي على حاله. كُتلٌ من الأحجار والبلاط والزجاج والأثاث المحطّم والمكسّر. وحدها المرآة في مدخل المنزل، تترك أثرًا مباشرًا مما اقترفته يد مبسوط الإجراميه: "سامحني أخي المسلم قدر الله، أحبك فلله لم أقصد". هو باعتقاده، يستسمح "أخاه المسلم"، مما فعل، أيّ صاحب الشقة الفرّي، الذي يقف تحت منزله مصدومًا ومذهولًا مما حدث أثناء غيابه وغياب زوجته عن المنزل. يقول لـ"المدن": "أشعر أن هناك كابوسًا أصابنا، أشكر الله أنني لم أكن مع زوجتي في المنزل، ما حدث لا يمكن لأحد أن يصدقه، فيما كنت أعمل في محلي لبيع الأدوات المنزلية ليلة العيد من دون أن أكون شاهدًا على هذه الليلة المرعبة".

جار الفري، وهو كمال الصمدي، لم يسلم بيته من أهوال الدمار الذي أصابه. تقول زوجته: "تركتُ عائلتي في الأمس بعد الإفطار، وذهبت للعمل في محلي، بقي زوجي وأطفالي الصغار في المنزل. حاول الإرهابي أن يخلع باب منزلنا، لكنه لم يستطع، أصيب أولادي بصدمةٍ كبيرة، واختبأوا مع  والدهم في إحدى الغرف لحماية أنفسهم من إطلاق النار وتحطيم الزجاج".

في الحيّ، الذي أغلقت كلّ أبواب محاله، نتحدث مع صاحب محلّ السمانة، الكائن تحت المبنى المحاذي للجريمة. يقول لـ "المدن": كنا نجلس في محالنا بأمان، ونعمل جميعًا لحصاد رزقة ليلة العيد. فجأةً، يقتحم الإرهابي الحي بدرجاته النارية، يطلق النار بالهواء، يدبّ الذرع والهلع في نفوسنا، كنّا نسعى جميعًا لحماية أنفسنا وبعضنا البعض قبل أن يصعد إلى المبنى، ويبدأ الصراخ يتصاعد منه، وبقينا على هذا الحال إلى حين انتهاء العملية المروعة".

في باب الرمل
الوضع ليس أفضل حالًا في حيّ قبر الزيني في باب الرمل، حيث كان يسكن عبدالرحمن مبسوط. فبعد ظهر الثلاثاء، قامت دورية من الجيش اللبناني بمداهمة المنزل، لتفتيشه ومسحه، ثمّ ألقت القبض على والده وشقيقه. وحسب ما يُروى في الحيّ عن مبسوط البالغ 27 عامًا (1992)، والذي كان يعمل موظفًا مياومًا في اتحاد بلديات طرابلس، جرى توقيفه في صيف العام 2016، من قبل عناصر الأمن العام في مطار بيروت، بعد عودته من تركيا. وقد سُطّرت بحقّه بلاغات بحثٍ وتحرٍ بتهمة الإرهاب. ومبسوط الذي كان قد توجه إلى تركيا للانتقال من هناك إلى سوريا من أجل الإلتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، والقتال في صفوفها، صدر بحقّه حكم قضائي بالأشغال الشاقة لعام ونصف عام، بعد خضوعه إلى المحاكمة أمام المحكمة العسكرية.

صراعات سياسية وأمنية
وبينما نتج عن هذا العمل الإرهابي، سلسلة من ردود الأفعال السياسية والأمنية التي بدت فيها نيّة الاستثمار والمزايدات، ترك تصريح وزيرة الداخلية ريا الحسن في طرابلس صدىً إيجابيًا، لجهة وضعها ما حصل في خانة "التصرف الفردي"، الذي لا يجب أن يكون تعميمًا ويؤثر بالتالي على سير العمل في ملف محاكمات الموقوفين الإسلاميين، وقانون العفو العام. وفي ظلّ "صراع التصريحات" الذي خيّم على المشهد العام في المدينة والبلد، بدا أهالي طرابلس متمسكين بمؤسساتهم الأمنيّة، بالوقوف إلى جانبها ومن خلفها.

وفي غضون ذلك، برزت صورة نشرها النائب نبيل نقولا على حسابه في تويتر، تُظهر فيها شابًا ملتحيًا يقف إلى جانب اللواء أشرف ريفي علق عليها قائلًا: "هذا هو المجرم برفقة أشرف ريفي بعد أن أخرجه من السجن. بدون تعليق.#شرف".

لم يمرّ وقت طويل على تغريدة نقولا المدوية، حتّى خرج المواطن شادي رجب، الموجود في الصورة إلى جانب ريفي، من أجل تكذيبها، معلنًا أنه سيرفع دعوى على النائب نقولا. من جهته، يشير ريفي لـ"المدن" أنه لم يعد يستغرب كل محاولات التشويه والافتراء، والعمل على ضرب المؤسسات والأجهزة الأمنية ببعضها، ويقول: "المشكلة الأساسية بدأت منذ التسوية الرئاسية، التي قدمنا فيها البلد ومؤسسات الدولة للمشروع الإيراني وأدواته في لبنان، الذين يحاولون السيطرة على كلّ شيء، وها هي النتائج بدأت تظهر بوضوح، وما نشهده، يدلّ أنّ لبنان يعيش في وضعٍ خطرٍ قابل للتدهور، ومزيد من الاستثمار والاستغلال، إن لم نتدارك أمورنا".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها