آخر تحديث:01:03(بيروت)
الإثنين 24/06/2019
share

المفارقة اللبنانية: التنافس السلمي مستحيل والحرب مستبعدة

نبيل الخوري | الإثنين 24/06/2019
شارك المقال :
المفارقة اللبنانية: التنافس السلمي مستحيل والحرب مستبعدة هناك حقد عميق ومتبادل بين المجموعات اللبنانية (من الأرشيف، علي علّوش)
ملّ المواطن اللبناني بانتظار سلام داخلي دائم، لم يحلّ بعد. سلامٌ، مقصود به ما هو أكثر من وقف الاقتتال بين المليشيات، وأبعد من هدنة هشّة. يتعلق الأمر ببناء مجتمع آمن، تتوفر فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمساواة وسيادة القانون؛ أي يُطبّق فيه القانون بالتساوي بين جميع الأفراد والمؤسسات. وتُحترم فيه حقوق الإنسان. هذا السلام المُنتظر يتطلب وقف التدخلات الخارجية ومنع تأثير الصراعات الخارجية على الوضع الداخلي. يقوم أيضاً على انتظام العمل الحكومي والتشريعي، بعيداً عن التعطيل غير المبرر أو غير المشروع. ويتحقق بالقطع مع القمع وأساليب الدولة البوليسية، وبالحدّ من ظاهرة السلاح المتفلت أو غير الشرعي، وبالتخلص من آفّة الطائفية والصراعات المذهبية، التي تتسبب في انقسام مستمر للمجتمع وفي تهديد متواصل للاستقرار العام.

تصنيف لبنان
لم يشهد لبنان، في ما بعد الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)، مثل هذا السلام. لم يلتزم بعدْ بالمعايير المطلوبة لتحقيقه. وهو واقع يجعل تصنيف لبنان متدنياً دوماً حسب "مؤشر السلام العالمي"، الذي يشمل 163 بلداً والذي يصدره سنوياً "معهد الاقتصاد والسلام العالمي" في أستراليا. وقد صدر مؤشر عام 2019 في شهر يونيو/حزيران الحالي، مُظْهِراً أن لبنان يحتل المرتبة 147 (كان في المرتبة 148 عامي 2017 و2018). تسبُقه إسرائيل بالمرتبة 146، لكنه يتقدم على 16 دولة مُصنّفة ضمن الدول الأقل سلاماً وأمناً في العالم، وفقاً لتلك المعايير، وهي: نيجيريا ثم كوريا الشمالية وأوكرانيا والسودان وتركيا وباكستان وروسيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والصومال والعراق واليمن وجنوب السودان وسوريا وأفغانستان في المرتبة الأخيرة.

هذا السلام، تصنعه إرادات لم تكن متوفرة في زمن الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية. وليست متوفرة لدى الأطراف والشخصيات السياسية التي تعاقبت على الحكم منذ عام 2005 وحتى اليوم. الإسرائيليون قاموا بإذكاء الفتنة بين اللبنانيين، مُحْتلّين أرضهم ومُهَدّدين حياتهم وسلامتهم. السوريون كرّسوا الانقسام الداخلي وعرقلوا المصالحة الوطنية الحقيقية بعد الحرب، مُلْحِقين الغبن لدى الطوائف المسيحية. أما الشخصيات والأحزاب اللبنانية الحاكمة، بعد التحرير وبعد الاستقلال الثاني، فلم يحدثوا الفرق.

منذ أن تسلموا زمام الأمور، لم يحرصوا على تطبيق المعايير الشاملة للسلام، التي تتعلق بالتنمية وسيادة القانون والمساواة... ويمعنون في أداء يشوبه عيب التنافس اللا سلمي. هم لا يستخدمون العنف بشكل منظّم ومنتظم بوجه بعضهم البعض في حرب شوارع، لاسيما أن الظروف الراهنة المتمثلة بالتفوق العسكري لحزب الله، تجعل من خيار الحرب الأهلية مجازفة خاسرة وتبقيها مستبعدة، إنْ لم تكن مستحيلة. لكن هؤلاء الحكّام يمارسون العنف بواسطة خطابهم السياسي اليومي، مُعَمّمين بذلك حالة من التوتر الدائم. يخوضون حرب منابر، ومعارك إعلامية تسيء إلى استقلالية وصدقية الصحافة. تصريحاتهم أو تغريداتهم تفرض نفسها في أغلب الأحيان كمادة نقاش وسجال أولية في أوساط الجمهور ولدى مستخدمي الإنترنت. فتأخذ التغريدات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي شكل مناوشات بين ما بات يسمى بـ"الجيوش الإلكترونية".

حقد متبادل
مراقبة سريعة لمضمون السجال الشعبي على هذه المنصات الرقمية، أثناء توتر العلاقات بين الأحزاب والشخصيات السياسية الحاكمة، تشير إلى مدى عمق الحقد المتبادل وافتقاد الجمهور لقيم التسامح واحترام وتقبّل الآخر. وتشكّل المواجهات اللبنانية ـ اللبنانية في الفضاء الرقمي، دليلاً إضافياً على أن ما جرى من مصالحات وتفاهمات وتحالفات سياسية تظلّ في إطار فوقي بين الزعماء والقادة؛ وكأن هؤلاء يريدون ترك الجمهور بمنأى عنها لأنهم يحتاجونه كوقود في الصراعات بينهم. لا يقتصر الوضع على "تسميم" المناخ السياسي العام في البلد. بل يتعداه إلى تغذية مشاعر العداء المتبادل. عداءٌ يسود عادةً في نفوس الأفراد خلال الحروب، وليس خلال التنافس السياسي الديموقراطي المشروع والمطلوب داخل البلد الواحد.

الأبعاد الخارجية
لا يمكن تجاهل أن للتنافس اللا سلمي أبعاداً أخرى، خارجية. فالقوى الحاكمة هي تابعة أيضاً لأجندات قوى إقليمية متصارعة. إيران والنظام السوري من جهة. السعودية وحلفاؤها من جهة أخرى. صحيح أن هذه الحالة الصراعية لم تصل بعد إلى حد التسبّب بحروب بالوكالة في لبنان، لكنها تتسبّب في مواجهات مستمرة، يتم فيها التشكيك بالولاء الوطني للخصم، ما يعني التخوين المتبادل أو بالأحرى الشيطنة المتبادلة. وتُدار بمنطق يتّسم بنزعة إقصاء الآخر. والمفارقة تتمثل في أن كل ذلك يحصل في وقت تُصِرّ فيه هذه القوى الحاكمة على البقاء ضمن حكومة الوفاق الوطني، وعلى إدارة السلطة التنفيذية بصيغة توافقية. فما هذا التوافق المترافق مع حرب كلامية متواصلة، أي مع التهديد المستمر لحالة الاستقرار السياسي؟!

سلام منتقص
يمكن للحكّام الادعاء بأنهم يحترمون اللعبة الديموقراطية ويلجأون إلى الحوار والتفاوض لإبرام التسويات خلال إدارة شؤون البلاد. يمكنهم بالتالي الزعم بأنهم يحرصون على السلام الداخلي. لكن هذا مفهوم ناقص للسلام، بل باهت وتافه. وغالباً ما يبنون توافقاتهم على أنقاض الشفافية والنزاهة. فتحوم رائحة الفساد من صفقاتهم ومقايضاتهم. يتعاملون مع موظفي القطاع العام كـ"أغنام" لديهم. حتى القضاء لم يفلت من تدخلاتهم، فبات مسيّساً، شأنه شأن المؤسسات الأمنية! في المقابل، يُديرون الاختلافات في ما بينهم على وقع المناكفات والتعامل الكيدي، مُسْتَخْدِمين "سياسة اتصالية" تعجّ بالمصطلحات الاستفزازية وغير اللبقة. ناهيك عن أن محتوى الخطاب السياسي محبوك بطريقة تؤدي إلى إثارة النعرات الطائفية وتعميق الانقسامات المذهبية، فضلاً عن إثارة الخوف من الآخر، عوضاً عن توجيه خطاب من شأنه توطيد العلاقات الداخلية وتمتينها، وتعزيز الأمل الجماعي بمستقبل مشترك أفضل للبنانيين.

هكذا، يساهم الحكّام في جعل الأرضية دائماً جاهزة لإشاعة أجواء الاحتقان في صفوف الجمهور عند الضرورة. أي عندما تقتضي ذلك مصلحة هذا الزعيم أو ذاك، ومصلحة قلّة من رجال الأعمال الكبار والنافذين الذين يدعمون (أو يشغّلون) هذه الشخصية السياسية أو تلك. وهكذا، سيبقى المواطن ينتظر سلاماً لبنانياً، تبدو طريقه مقطوعة حتى الآن.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها