آخر تحديث:00:34(بيروت)
الخميس 13/06/2019
share

بؤس الشوفينية اللبنانية وأصلها الطائفي

منير الربيع | الخميس 13/06/2019
شارك المقال :
بؤس الشوفينية اللبنانية وأصلها الطائفي يشهد لبنان ترويجاً لثقافة تمييزية واعية، بالغة التحيز الطائفي والمذهبي (Getty)

في ثقافتنا سادية قاتلة، تهوى زعم التفوق ولو على كوارث أو في تابوت. "ثقافة" نجرها معنا من طفولتنا وننمو عليها، ولا نغادرها حين نترك قرانا ومنابتنا الأولى. معظمنا على هذا المنوال، مقيّد ومغلق على زجليات أمجاد القرى، وما تختزله من تهويمات "البطولة" و"العنفوان"، يأبى النقد والتواضع والرحابة، متشبثاً بلغة القبيلة وعصبيتها، حيث العقل وتحكيمه ليسا في المقدمة.

السردية الساذجة
وفق هذه العصبية وتلك الثقافة، نرى لبنان عنواناً للعيش المشترك مثلاً. هذا توصيف الذي لا نقاش فيه مبدئياً.  ومع ذلك، لا يحتاج المرء بحثاً عميقاً لاكتشاف الاقتتال الأهلي الدائم أو المنازعة المستمرة على مواقع النفوذ والسلطة بين الجماعات والطوائف، بلا أي ركون للدستور روحاً ونصاً.

يقيم "المجتمع" اللبناني على هذه المفارقة. وأفراده في رحلة عيشهم الطويلة، من أقاصي القرى إلى الضواحي وصولاً إلى قلب العاصمة، ومن أسار العائلة إلى المدرسة وكل مراحل الارتقاء التعليمي، يبقون عنيدين على هذا الوعي الانفصامي في الهوية وفي تعريف النفس وفي الوعي السياسي اللصيق بـ"القبائل أو الطوائف".

هذا ولا يملّ اللبنانيون من سرديتهم الساذجة والثابتة من كتب المدرسة إلى "كليبات" التلفزيون، إلى لغة الصالونات، تغنياً بـ"نصف ساعة من الجبل إلى البحر تزلجاً وسباحة، لبنان قطعة سما، وتفوق اللبناني الذي يجيد تعدد اللغات، بلد الحريات..إلخ".

بات هذا أقرب إلى جنون العظمة المقترن بالبلاهة، وشوفينية توازي حقيقة الخواء. عنصرية منبعها الفعلي الدونية ولاطمأنينة النفس وضعف المقدرة والخواف المرضي.

من طرابلس إلى شبعا
تلك الشوفينية تعويض عن عجز وإنكار للتأزم وقلة حيلة بتدبر الأحوال. وغالباً ما تؤدي إلى انقطاع الصلة بالواقع، فلا أحد يرى السلبيات ولا العورات ولا الخطايا. ومعها يسود خطاب تعظيم الذات وتنزيهها، وتهيمن سردية نمطية ونرجسية، كل من يخالفها يصير خائناً عديم الوطنية.

لكن أيضاً، هذه الشوفينية "اللبنانوية" ليست ذاتاً متوحدة، بل متذررة ومتشظية على طائفيتها ومذهبيتها وأهوائها العائلية والحزبية. وهذا مشهود في يوميات اللبنانيين، سياسياً وشعبياً وإعلامياً، في كيفية تعاطيهم وانفعالهم مع أي حدث أو واقعة. إذ قبل أسبوع، تقاطرت جحافل إعلامية وسياسية إلى طرابلس لتغطية العمل الإرهابي، الذي استهدف المدينة وأهلها والساهرين على أمنها، على نحو لم يخلُ من استهداف طائفي ومذهبي يتهم المدينة وأهلها بوصفها "بيئة حاضنة للإرهاب"، بغية إهانة "أهل السنّة" في لحظة استضعافهم. وبعد أسبوع بالتمام، تعرّض شيخ سنّي من "الجماعة الإسلامية" في بلدة شبعا الجنوبية للاغتيال، فكاد الخبر أن يغيب عن التداول. وفي اليوم نفسه، تعرض الجيش اللبناني لهجمات مسلحة في بعلبك ومحيطها، ووقعت إصابات في صفوف المهاجمين وبين عناصر الجيش. حدث هذا وسط غياب تام للنقل التلفزيوني المباشر، وغياب أي حملة تضامن مع الجيش، على عكس ما حدث في طرابلس. وهذا ليس صدفة أو إهمالاً، إنه "تمييز" واع، بالغ التحيز الطائفي والمذهبي.

"التفوق الجيني"
هذا السلوك السياسي، نراه متجسداً في طروحات أحدهم، الذي يتحدث عن التفوق الجيني اللبناني والحرص عليه وحمايته، ونراه يسقطه من حساباته عند استحقاق منح الأم جنسيتها لزوجها وأولادها، فإذ به يشترط أن تكون متزوجة من أجنبي غير عربي كي لا تتهدد "الديمغرافيا اللبنانية" (والمعنى الأوضح: كي لا يزداد المسلمون عدداً)، باسم حماية "الجينات اللبنانية".

ينسى أصحاب نظرية العرق اللبناني المتفوق، أن الغالبية العظمى من العائلات اللبنانية إنما تعود أصولها إلى دول الجوار، وأن العائلات اللبنانية بمعظمها تجد امتداداتها حتى اليوم في هذا "الجوار"، أكانوا شيعة أو سنة أو دروزاً أو مسيحيين موارنة وأرثوذكس وبروتستانت..إلخ.

نظرية التفوق الجيني أو العرقي، التي يسوّق لها البعض ليست إلا إعادة تسويق لأوهام التفوق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي عند المسيحيين، وقد انتفت منذ زمن بعيد. وحامل هذه النظرية، لا يتورع من أجل مطامعه السياسية الشخصية عن ترويجها بكل ما تحويه من "لعب" خبيث على وتر طائفي محض، وعنصري فاقع، مغلّف بوطنية لفظية. وما كان ليجرؤ على ذلك لولا شعوره بالقوة ولولا رغبته بالاستقواء على الطرف الضعيف، في استئناف مقيت لتاريخ علاقات الطوائف وانقضاضها على بعضها البعض حين تستشعر ببعض القوة. وعلى هذا المثال، يكون التعامل مع طرابلس أو عرسال أو شبعا، غيره التعامل مع حي الشراونة أو حي السلم.. مثالاً لا حصراً.

تعايش لبنان مع أزماته الداخلية، ومع محاولات غلبة "طوائف متفوقة" على حساب أخرى. وفي تاريخه الحديث كان التفوق نصير الموارنة والسنّة، قبل أن تحل حقبة الحرب الأهلية التي أنتجت بعدها تفوقاً سنياً شيعياً. وفي مرحلة ما بعد العام 2005 إلى اليوم، ثمة تفوق شيعي مسيحي واضح. هذه التقلبات المتناقضة في الغلبة تمثّل الرد الأبلغ على فكرة "الوطنية اللبنانية أو تفوقها"، وتنسف وجود فكرة الـ"LEBANITY".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها