آخر تحديث:00:25(بيروت)
الإثنين 10/06/2019
share

في "مديح" جبران باسيل

علي مراد | الإثنين 10/06/2019
شارك المقال :
في "مديح" جبران باسيل نقطة قوته الأساسية هي مصدر هشاشته الدائمة (علي علّوش)

ضعوا "التنقير" و"الزكزكة" الفايسبوكية جانباً، وهيا بنا نتحدث بجدية عن الـcurious case of jubran bassil. الوزير باسيل يدرك جيدا ما يفعله. هو مدمن عمل، كما يقول عارفوه، وهو يحسب كل تفصيل يقوم به، ولا ينطق عن هوى. وكل سخرية باتت اليوم غير لازمة أو بالحد الأدنى هي عيش في الوهم.

مشروعية باسيل انطلقت من مصاهرته لميشال عون، لكنها أيضا تكرست مع انتصار خياره السياسي، الذي دافع عنه وانحاز إليه: عقد صفقة القرن مع حزب الله، والتي تقوم على إعطائه ما يريد في القضايا الكبرى، مقابل المساهمة في إعادة المسيحيين إلى "دولتهم"، التي طردوا منها بعد الطائف. ليس هذا وحسب، بل سمحت هذه الاستراتيجية بالإتيان بميشال عون رئيساً للجمهورية في نهاية المطاف، ولو مع تأخير دام أكثر من 26 عاماً. الـ deal المعقود مع حزب الله سمح، للموارنة أن يعودوا بسرعة قياسية إلى مفاصل الحكم في لبنان. لذلك صمد وتكرس هذا التحالف، الذي بدأ هجيناً في العام 2006 لكنه صمد وتصلّب مع مرور الوقت. كيف لا يصمد، وحزب الله قد حصل على غطاء من أكبر زعامة مسيحية وأطولها عمراً ( لم يعرف الموارنة زعامة أطول من زعامة ميشال عون).

بهذا المعنى لا يحتاج باسيل إلى قتل الأب سياسياً، لأنه هو من ساهم في بناء العامية السياسية ما بعد 2005: تأمين غطاء لكل سياسيي مسيحيي الوصاية (من بقرادوني إلى المر وصولاً إلى فرنجيه فالفرزلي...). أما على المستوى الشعبي، فقد فتح باب التوبة للناس العاديين الذين بنوا مصالحهم مع المنظومة السورية- اللبنانية، التي حكمت لبنان بعد الطائف. يكفي أن تسأل في عكار مثلاً لتعرف كيف جرى استبدال صور بشار الأسد بصور ميشال عون بين ليلة وضحاها.

أما على المستوى الزبائني، فقد نجح باسيل في بناء شبكة واسعة (الموجودة بالمناسبة عند كل الطوائف) من المصالح الاقتصادية، والتي ترافقت مع إدخال الموالين إلى إدارات الدولة. ولكن الأهم أيضا الحصول على الولاءات السياسية لمن هم أصلا في الإدارة (جماعة لحود والمر وغيرهم..).

إذن، جبران باسيل لا يلعب، هو يعرف جيداً ماذا يفعل. وهو يدرك أن الوقت في صالحه، وأن تعزيز مشروعيته المسيحية هي وحدها التي ستجعل منه مرشح حزب الله المقبل للرئاسة، لأنه هو وحده اليوم من يستطيع أن يستمر في العقد المبرم بين الطرفين.

إعلامياً، يذكّر باسيل كثيراً باستراتيجية نيكولا ساركوزي بين العام 2003 و2007: كان ساركوزي يتحدث في كل شيء وباستمرار ليحتل المساحة الإعلامية على الدوام. كلامه إشكالي، لكنه يستهدف الفئة التي تستطيع أن تأتي به رئيساً. هو من كان يصنع السياسة اليومية. وهذا بالتحديد ما يفعله باسيل: هو السياسة اليومية في لبنان وكل ما عدا ذلك هو رد فعل.

عندما يكتب تغريدة عن الجينات اللبنانية، ونسخر جميعاً منها، يكون باسيل يضحك بسره، كونه يحاكي أتباع القومية اللبنانية وقدامى حزب التنظيم وحراس الأرز.

عندما يتطرف في عنصريته ضد الفلسطيني والسوري، هو لا يهتم بالذين يعيشون في فقاعتهم الافتراضية، لكنه يريد أن يستعيد مبادرة "الدفاع عن الوجود المسيحي" من حزب "القوات اللبنانية". وحين يستفز استقرار الجبل ومصالحته، هو يريد أن يعيد صياغة سردية أخرى، تجعل منه حارس المصالحة في مرحلة ما بعد استعادة رئاسة الجمهورية.

هذا الرجل يستند على مشروعية الخروج من الإحباط المسيحي ما بعد الطائف، والطامح للعودة إلى دولته. لا يهمه كثيراً رأي الآخرين به. بل ربما على العكس تماماً، هو يسعد بنقد الآخرين له.

يوما بعد آخر، يبني جبران باسيل الطور الجديد من العونية السياسية. فما بين  1988 و1990، عاشت العونية السياسية تكثيف الاستعادة البشيرية من داخل الدولة. وما بين 1990 و2005 عاشت حالة الشهادة والنفي ومحاربة الاحتلال. ثم ما بين 2005 و2016 عاشت مواجهة استعادة الدور المسلوب وتكريسه بانتخاب ميشال عون رئيساً. ومن العام 2016 إلى يومنا هذا لا نعيش الطور الأعلى من العونية بقدر ما نشهد الطور الأول للباسيلية السياسية.

نعم، في جبران باسيل شيء من شمعونية حالمة وبشيرية محمية من القتل. لكن مع فارق وحيد واحد عن أسلافه: هو يتصدر المشهد لأن هنالك من أراد له أن يتصدره، وهو يعلم قبل الكل أن مصدر قوته الحقيقية في اللعبة الكبرى هي من قوة حليفه. هو يدرك جيداً أن نقطة قوته الأساسية هي مصدر هشاشته الدائمة.

أهلاً وسهلاً بكم في جمهورية جبران باسيل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب