آخر تحديث:00:03(بيروت)
السبت 04/05/2019
share

فساد النظام وغياب الكتلة الشعبية: أين اليسار؟

أحمد جابر | السبت 04/05/2019
شارك المقال :
فساد النظام وغياب الكتلة الشعبية: أين اليسار؟ اللوحة البشعة اعتنت برسم تفاصيلها منظومة النهب الطائفي السياسي (Getty)

الصورة اللبنانية اليوم صورة فاسدة. كل ملامحها تنضح فساداً فلا ترشح من بين مسام ألوانها قطرة تفيد في خميرة اجتماعية، ولا تشقق بين خطوطها يسمح بتبين بياض جزئي من خلال شمول السواد.

اللوحة البشعة اعتنت برسم تفاصيلها منظومة النهب الطائفي السياسي، وتضافرت على تظهيرها كل قوى تلك المنظومة التي جاءت من ميادين الحرب الأهلية، وسوغتها وبررتها وصاغت "نظرياتها" النخب الجديدة، التي رأت في ديمومة النظام الطائفي حالة ديموقراطية فريدة، وتجربة يعتد بها في مجال بناء اجتماعات وسياسات الأوطان!

الهبوط والنكوص
النظام الفاسد، من رأس النظرية إلى القاعدة الشعبية، نظام متهالك ورث نسخته الهالكة. بكلام تأريخي، ورث النظام اللبناني المهتز بعد اتفاق الطائف نفسه، أي النظام الفاسد إياه الذي قاد خراب البلد منذ العام 1975 وحتى مطلع تسعينيات القرن الماضي. من الحرب الأهلية التي أطاحت بالعمران اللبناني المتحقق، إلى الحرب السياسية الأهلية التي قادت محاولة عمران لم يتحقق، ولا تتوفر أدلة على إمكانية تحققه على أرض الواقع، في ظل النظام الطائفي الفاسد ذاته، الذي تبدلت توازناته ولم تتبدل بنيته ولم تتغير سياساته.

على سبيل التندر النظري، أي على سبيل المقارنة غير الحقيقية، تتردد مقولة " الرأسمالية تجدد ذاتها"، وهي مقولة تجد ما يدعمها من وقائع مادية تسمح بالقول أن الرأسمالية تجاوزت الكثير مما كان يعرفها في النشأة، هذا الكثير التأسيسي الذي لا تعرفه النسخة اللبنانية في نشأتها أو في سيرتها اللاحقة. خلاصة التندر النظري الأسود في المجال اللبناني، أن الرأسمالية اللبنانية " تجاوزت" ذاتها هبوطا، وجددت سيطرتها نكوصا، مما يمكن معه إبداء بعض الحسرة على نسخة الإقطاع السياسي والبورجوازية الكومبرادورية، تلك التي أسست للخراب اللبناني اللاحق، لكنها لم تبلغ في زمانها ما صار إليه الوضع اللبناني الراهن من خراب.

الزبائنية والتعبئة
تحت مسمى النظام اللبناني ذاته، انتبه قادة التشكيلة الطائفية السياسية، أي قادة النسق الرسمي المفترض أنه المسؤول عن شؤون البلاد والعباد اليوم، أن سفينتهم باتت قاصرة عن بلوغ أعالي البحار، وأن " تجارتهم" مهددة بالركود، وأن ضرع البر والبحر الاجتماعي لامس الجفاف. إذن لم يكن الأمر أمر انتباه اجتماعي، بل كان أمر انتباه مالي، وبين هذا وذاك اختلاف جوهري له علاقة بالمقدمات، مثلما هو على علاقة وثيقة بالنتائج والخلاصات.

لا يخفى أن النظام اللبناني المستنفر اليوم إقتصادياً، مازال مطمئن اجتماعياً، ولنقل أن انتباهه من مدخل الأزمة الاقتصادية، شكل انتقالاً عابراً من حالة عدم الاكتراث بأصل ومسائل الأزمة البنيوية والاجتماعية.

لقد كان الاطمئنان إلى رضى الجمهور وسكينته قاعدة أقام ولاة الأمر فوقها بناء فسادهم، والفتات الذي اشترى به القادة جماهيرهم، كان خليطا من زبائنية سياسية وتعبئة إيديولوجية. الخليط هذا صاغه منظرو الطائفيات وفلاسفتهم ونخبهم المتحولة، من مادة الجهل والتجهيل، أي من مخزون وموروث الوعي الذي كان فاسدا في التأسيس، لكنه كان الممكن الأوفر حظاً في زمانه البعيد، فاستعيد الوعي ذاته، بحلل كلامية ثقافية وطنية مذهبية تعبوية.. ليكون السلاح الأهم في صناعة الحكم الجديد، وفي صياغة قوانين تحكمه. لقد بات الموجود اللبناني الحالي من بنات الموجودات اللبنانية التراثية البالية، أي أن الجهل العميق ما زال يشكل أساس "العقد الاجتماعي" بين الغالب اللبناني والكثرة الساحقة من المغلوبين، غلبة تجد تفسيراتها ومفرداتها لدى الجمهور المغلوب، فتصير انتصاراً وعنفواناً وسيادةً واستقلالاً وعروبةً وعلو شأن مذهب وتقدمه على سائر أقرانه من المذاهب. على هذه الخلفية يمكن تفسير عدم الخوف من رد الفعل الشعبي، مثلما يمكن فهم روابط الثقة المتبادلة بين "الراعي ورعيته"، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الذات المتكورة على ذاتها في مواجهة كل الأغيار.

مخاطبة الجمهور
بالاستناد إلى العقد الأهلي المشار إليه، يختار المسؤول الطائفي أو المرجع السياسي المذهبي، الوقت الذي يراه مناسبا لمخاطبة جمهوره الخاص، وإليه يعود أمر اختيار المواضيع وتصنيفها، فما يراه مهماً هو المهم، وما يهمله يكون نسياً منسياً، في نص الفعل وفي صوت المطالبة. توجيه الجمهور يحتل موقع الاهتمام لدى هذا المسؤول أو ذاك، فإذا توفر موضوع المخاطبة العام جرى تجاوز موضوع المحادثة الخاص، لكن من دون إهمال أن يكون العام ذا رسالة خاصةً أيضاً، مثلما يكون الخاص ذا رسالة عامة عندما يخرج به القائد الأهلي على أسماع أهله.

في السياق هذا، ولأن الموسم موسم حديث انهيار مالي وعجز اقتصادي واستشعار لخطر هبوط "الهيكل" على جنة أرباح ناهبي نذوراته وآلهته ومدخراته. لأن الأمر كذلك، يتنافس سدنة الهياكل الطائفية في ميادين الكلام عن الحرص والشفافية والتقاط الفرص والمسارعة إلى اعتماد السياسات الإنقاذية. يورد الساسة وخبراؤهم الاقتصاديون أرقاماً مستقاة من الدفاتر المالية العمومية، ويشيرون إلى الهدر وأماكنه، وإلى التجاوزات على القوانين ومواضعها ومواضيعها، ويقترحون خطط معالجة قريبة ومتوسطة وبعيدة... كل ذلك يشكل جزءاً من واقع حقيقي، لذلك ليس صحيحاً في السياسة رفض الأرقام، أي رفض النظر فيها لجهة صحة ما تنطوي عليه من معلومات ومن دلالات، هذا بغض النظر عن اختلاف الرأي حول الخلاصات التي يخرج بها كل قارئ لمحتوى ما تحمله الأرقام.

البحث عن اليسار
على سبيل الأمثلة التي تتطلب نقاشاً لاحقاً نقدياً، وليس نقاشاً رفضياً قبلياً فقط، ما أدلى به وزير المال مؤخراً، من أرقام ومن اقتراحات ومن معلومات. لا يكفي الرد على كل ما قيل بجملة مختصرة مضمونها: أين مسؤولية الطاقم السياسي عما حصل؟ هذا جواب عاجز وفاسد سياسياً، أي لا يصلح خميرة في معجن الردود والسياسات الاعتراضية. حديث الاعتراض له شأن آخر، وله قواه الأخرى، فإذا تجاوزنا مصطلح اليسار حصراً، كان من الأجدى القول بمصطلح الكتلة الشعبية، فهذه بخليطها الحزبي والجمعياتي والفردي والتجميعي... متضررة من السياسات الاقتصادية، ومن كل الأزمات السياسية والاجتماعية التي تتحمل مسؤوليتها التشكيلة الحاكمة والمتحكمة.

لكن أين الكتلة الشعبية ويسارها ومدنيوها؟ هي غائبة فعلياً عن ميدان الرد على الاقتراح بالاقتراح، وعلى السياسة بسياسة بديلة، وهي غائبة أولاً وأساساً عن الوقوف في الشارع وقوفا مستداما، فلا يظل النضال " فورة" موسمية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها