آخر تحديث:00:45(بيروت)
الخميس 02/05/2019
share

مصيبة الاقتصاد اللبناني وخلاصه

مارك ضو | الخميس 02/05/2019
شارك المقال :
مصيبة الاقتصاد اللبناني وخلاصه البداية تكون باستبدال السلطة التنفيذية التحاصصية الحالية (دالاتي ونهرا)

الموازنات التي قدمتها الدولة اللبنانية للعام 2017 وللعام 2019، هي مشاريع "حرب" ما بين القطاع العام وفقراء لبنان. إذا خفضت المرتّبات والتعويضات والخدمات للقطاع العام والمتقاعدين، سيفقرون. وإذا استُبدلت بضرائب على القيمة المضافة أو البنزين أو الشركات الفردية، يتم عندها طحن الفقراء من خارج الدولة. في كلا الحالتين تتحول ميزانية الدولة إلى أداة لإفقار الناس. الحل لا يمكن أن يكون من جيب الفقير. ولسوء الحظ، هذا تحديداً ما قامت به الأحزاب الحاكمة، زيادة الضرائب عام 2017، من دون نتيجة. والآن، يستهدفون جيب موظفي القطاع العام.

الإدارة المالية
قد يظن البعض أن المصارف هي من يجب أن يدفع الثمن. فهي من موّلت وسهّلت واستفادت من نمو الدين للطبقة السياسية والفاسدين فيها. كله صحيح. لكن ما لا يدركه الكثير من اللبنانيين، أن لبنان هو حالة شاذة بين الأمم لناحية إدارته المالية. كل دول العالم في حال أصابها ركود اقتصادي أو انهيار مالي، تأخذ الدولة على عاتقها الاستدانة، ومد المصارف أو القطاع الخاص بالسيولة. لكن الدولة اللبنانية غير قادرة على الاستدانة، إلا من جيوب لبنانية، أي من مصرف لبنان، والمصارف اللبنانية، وصندوق الضمان الاجتماعي. وهذه مجتمعة تملك الأكثرية الساحقة من دَين الدولة اللبنانية. إذا توقفت الدولة عن دفع دينها (أو الفوائد على الدين) سيؤدي ذلك إلى ضرب قدرة المصرف المركزي على حماية العملة الوطنية، والمصارف اللبنانية. أي مدخرات اللبنانيين وأعمالهم، والصندوق الوطني الاجتماعي، ما يعني التقاعد والضمان الصحي لملايين من اللبنانيين. الهجوم المطلق على من يموّل الدولة وتحميله وزر الإصلاح، عملية انتحارية ومؤلمة. ولذا، وجب طرح حلول متوازنة.

تعمد السلطة الفاسدة إلى الهروب نحو الخارج لتدبير الأموال، عبر مؤتمرات مثل "سيدر"، لتأمين السيولة، والاستثمار في بعض القطاعات، المفيدة لمافيات السلطة. كلها بحجة "تحفيز النمو" في لبنان، ريثما تتحسن الأوضاع الاقتصادية في المنطقة، أو يستخرج لبنان النفط ويؤمن موارد إضافية . لكن هذه الخطط نتيجتها تأخير المصيبة وليس إصلاح المسار.

خمسة عناوين
إذاً ما الحل الممكن اعتماده لتصويب الأمور؟ قبل الغوص بذلك يجب التوكيد مراراً وتكراراً، أن الشرط الإلزامي للخلاص، هو استبدال السلطة التنفيذية التحاصصية الحالية، بحكومة لديها مصداقية وبرنامج إصلاح يمنحها المواطنون شرعية على أساسه. البرنامج الممكن اعتماده، عناوينه الأساسية هي خمسة: ترشيد الإنفاق، زيادة الواردات، خفض العجز التجاري، تثبيت سعر صرف الليرة، زيادة النمو وفرص العمل. نتناول كل عنوان على حدة بشكل مقتضب، مع العلم أن كل نقطة ممكن أن يتم التوسع بها والغوص في تفاصيلها.

- ترشيد الإنفاق في الدولة، أساسه خفض الفوائد التي تسدد للمصارف، عبر إصدار سندات بفوائد قريبة من صفر في المئة. ثانياً، ومن دون المس بسلسلة الرتب والرواتب، وقف التوظيف بشكل نهائي، ووقف كل الترقيات، وتخفيض المنافع والدفعات الإضافية، وبدلات اللجان. ثالثاً، وقف عجز شركة الكهرباء عبر زيادة تعرفة الكهرباء، بعد تأمينها بنسبة لا تقل عن 20 ساعة في اليوم لكل لبنان. رابعاً، محاربة الفساد من خلال شفافية التعاقد مع الدولة، واعتماد المناقصات، ووقف النفقات لصالح السفر، والجمعيات، والمباني، وغيرها مما تم تداوله بكثافة عبر الإعلام مؤخراً.

- أما زيادة الواردات، فالأساس هو السيطرة على الحدود البرية وكل المداخل التجارية، المرافئ والمعابر والمطار. والتأكد من جباية كافة مستحقات الدولة. ثاني مدخل يحقق دخل كبير هو زيادة الضرائب على كل من يستغل موارد طبيعية لبنانية، والتي هي المرامل والكسارات والمقالع ومعامل الإسمنت وغيرها. وممكن زيادة الواردات عبر إضافة مستوى الضريبة على أرباح كل من قام باستثمار الأملاك البحرية والنهرية ومشاعات الدولة. ثالثا، ممكن زيادة مداخيل الدولة عبر منع تسوية أي من مخالفات البناء، واستبدال ذلك برسوم سنوية، ترتفع كل عام في حال لم يصحح مالك البناء أو العقار المخالفة.

- استورد لبنان عام 2018 ما يقارب 17.5 مليار دولار، ولم يصدّر سوى 2.5 مليار دولار. أي أن العجز التجاري اللبناني هو 15 مليار دولار. ومن الخطوات الممكن اتخاذها بسرعة، هي طلب تعديل اتفاقية اليوروميد، كون أوروبا هي أكبر مصدّر إلى لبنان. وزيادة الضرائب على بعض البضائع المستوردة، تمنح الصناعات اللبنانية المشابهة قدرة على المنافسة. وعلى هذا المنوال، ممكن التفاهم مع الدول العربية (بحاجة لمناخ سياسي ملائم)، التي هي أكبر مستورد للمنتجات اللبنانية، لتخفيف الضرائب والرسوم على البضائع اللبنانية، لعدد من السنوات. كما أن لبنان لديه أعلى نسبة سيارات لعدد السكان. زيادة الرسوم على امتلاك السيارات، وفرض ضرائب إضافية على مادة البنزين لتخفيف الاستهلاك، يخفف فاتورة الاستيراد بما يقارب مليار دولار.

- أما على الصعيد المالي فالمخاطرة بسعر صرف الليرة هو خطأ كبير. باستثناء أصحاب المناصب العليا أو المقربين من السياسيين أو الفاسدين، فمعظم موظفي القطاع العام دخلهم محدود، شأنهم شأن فقراء لبنان. يشترون بضائع تم استيرادها بالدولار الأميركي أو اليورو. ما يعني أن أي انهيار في قيمة العملة ستزيد من فقرهم. وتخفيض العملة لن يؤدي إلى زيادة الصادرات، كون لبنان ليس لديه قاعدة صناعية تنافسية، تستفيد من ضعف العملة الوطنية. أما لناحية دين الدولة، فيظن البعض أن ضعف الليرة سيؤدي إلى تخفيض قيمة الدين. لكن في الحقيقة، خفض سعر صرف الليرة مقابل الدولار سيؤدي إلى انخفاض واردات الدولة، التي هي بالليرة اللبنانية بنسبة أكبر من نسبة تخفيف الدين، لأن 40 في المئة من دين الدولة هو بالعملات الأجنبية. الخيار سيء بالمطلق.

- مهما تم عصر النفقات وزيادة الواردات لن تكفي الإجراءات لحل الأزمة، نظراً لحجم الاقتصاد الحالي. وبالرغم من إعادة بعض التوازن إلى الميزان التجاري، ما يحسن من مالية الدولة، ويحافظ على سعر صرف الليرة اللبنانية لحماية القدرة الاستهلاكية للمواطنين، والتي هي المكون الأساسي في الناتج الوطني.. إلا أن كل هذا لا يكفي، إن لم يترافق مع إجراءات لنمو الاقتصاد وزيادة فرص العمل. والأساس في ذلك هو فك الاحتكارات التجارية في كافة القطاعات، وزيادة الشفافية والعوامل التنافسية. عندما تتحرر قطاعات الاتصالات، والنفط، والنقل، وبعض التجارات مثل الحبوب، والتبغ.. يساهم ذلك بتحرير لبنان من قانون الوكالات الحصرية، وتصبح الأسواق أكثر شفافية ومغرية للاستثمارات.

بحثاً عن الوفرة
خفض الفائدة على ديون الدولة، تؤدي مباشرة إلى خفض نسبة الفوائد على القروض التجارية. وبالتالي، يصبح الاستثمار خيار أفضل من مردود الفوائد على المدخرات. نرى عندها نمواً للإستثمارات وزيادة فرص العمل، خصوصاً إذا حمينا الأسواق من التهريب عبر الحدود والتهرّب من الجمارك. الوفر ممكن أن يساعد في تأمين رعاية صحية شاملة للبنانيين، وضمان شيخوخة، ووقف تمنين المواطنين من قبل وزارة الصحة والزعماء.

خيارات لبنان كلها صعبة. وأساس أي حل هو سلطة تتمتع بشرعية ومصداقية لدى المواطنين، ولدى المجتمع الدولي، والشركاء التجاريين الأساسيين للبنان، من أوروبا والدول العربية. لذلك الحلول ممكنة، والمطلوب هم أصحاب الحل الصادقين. فأين هم؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مارك ضو

مارك ضو

ناشط سياسي ومُحاضِر جامعي.

مقالات أخرى للكاتب