آخر تحديث:00:52(بيروت)
الثلاثاء 02/04/2019
share

رياض سلامة: استنفاد المعجزات

يوسف بزي | الثلاثاء 02/04/2019
شارك المقال :
رياض سلامة: استنفاد المعجزات الشاهد الملك على صعود وانحدار "معجزتنا" اللبنانية (ريشار سمور)

إذا كان حسن نصرالله هو الشخصية الأكثر مهابة في لبنان (ومحيطه)، وإذا كان ميشال عون هو الأعلى رتبة في النظام اللبناني، وإذا كان سعد الحريري صاحب المنصب الأوسع صلاحية في الدولة، وإذا حسبنا سطوة زعماء طوائف معمّرين كنبيه بري ووليد جنبلاط، عدا أصحاب النفوذ السياسي المؤثرين في الحياة اللبنانية، على اختلاف رتبهم وسعة "إقطاعيتهم" ورعيتهم.. إلا أن رياض سلامة في موقعه كحاكم مصرف لبنان هو الرجل الأهم اليوم. وبقليل من المجازفة، هو "أخطر" رجل في الجمهورية اللبنانية. وعلى حاله هذه، ما عاد مهماً أن لا يُنتخب رئيساً للجمهورية وتتبدد حظوظه لأكثر من مرة، منذ نهاية عهد الياس الهراوي وحتى انتخاب ميشال عون. فالحاكمية في سيرتها معه على امتداد 26 عاماً باتت المنصب الأرفع شأناً وفاعلية في مصير الدولة واستقرار الكيان اقتصاداً ونمط حياة.

والذين عايشوا الحقبة الممتدة من العام 1986 إلى العام 1992، ويتذكرون تلك السنوات الست السوداء في تاريخ العملة اللبنانية، يثمّنون أكثر من غيرهم تلك القلعة الأخيرة في هذه البلاد: النظام المصرفي، بكل جبروته وقسوته وحساباته الباردة ونهمه اللامحدود لاكتناز الأرصدة ومراكمة الرساميل.

لكن التقدير الذي لا يشوبه تحفظ، يُمنح طبعاً إلى المصرف المركزي، وحكّامه من طراز الرئيس الراحل الياس سركيس وميشال خوري وإدمون نعيم، أبناء ذاك المشروع "الشهابي" الأبرع في تاريخ لبنان الحديث في الجمع بين مقتضيات الدولة ونوازع الطوائف وعصبياتها.

وحالنا اليوم، في مأزق ماليتنا العامة وركود اقتصادنا وضيق سبل تحصيل معيشتنا وثقل ديوننا، يجعلنا نقدّم شأن المصرف المركزي وأخباره على شؤون الأمن والسياسة. وهذا ما يعيد إلينا أطياف أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات وأشباح العوز والشح، وكوابيس الفقر الذي أذل الأعزّاء من عموم الطبقات، وبخّر أرصدة المدخرين، وبدد أتعاب الأعمار في غمضة عين.

وتلميذ الرأسمالية العالمية رياض سلامة، الذي اختاره الرئيس رفيق الحريري كرجل المهمة الأولى والأعظم حساسية في كل مشروعه وعلى رأس وعوده الكبرى: السيطرة على سعر صرف الليرة اللبنانية وتثبيته، كمفتاح أساسي لكل مخطط "إعادة الإعمار"، سيكون هو مهندس السياسة النقدية للعقد الثالث على التوالي، وآخر علامات "الحريرية" (الاقتصادية) في الإدارة اللبنانية، خصوصاً بعد فؤاد السنيورة.

ورياض سلامة هو الشاهد الملك على صعود وانحدار "معجزتنا" اللبنانية، منذ أن بدأ صوته يرتجف عند إلقاء خطبه، كمن يبتلع قلقاً من أي كلمة تفاؤل في غير محلها، أو كلمة تشاؤم تتحول صاعقاً منفجراً.

منذ سنوات قليلة فقط، كان الزهو سمة محياه، حين بدا المصرف المركزي علامة على حصافة نادرة في عالم الليبرالية الجديدة ومغامراتها الكوارثية التي ظهرت خصوصاً عام 2008 واستمرت تداعياتها لسنوات. كوفئت رصانته التي أنقذت لبنان من زلزال الأزمة العالمية آنذاك، بأن مُنح شرف قرع جرس افتتاح بورصة نيويورك في آذار 2009، حين قيل أن إجراءات وتعاميم وقرارات سلامة تحولت درساً للبنوك المركزية في العالم، تفادياً لحيل المصارف الخاصة وجموحها المتوحش في تلاعبها بالأرصدة والأسهم والمحافظ والقروض والأصول من غير قيد.

لكن سلامة، الذي حصّل خبرته من شركة "ميريل لينش" ولصيق المؤسسات المالية الكبرى، والمؤمن الملتزم بالرأسمالية في طورها الحديث، ليس بريئاً أيضاً من سياسة فتح الباب الواسع على الاستدانة الداخلية والخارجية، وهو العقل المدبر لسلسلة "الهندسات" المالية المتتالية، التي تبدو علاجاً للعوارض وتهرباً من علاج أصل الداء، ربما إخلاصاً منه لمبدأ عدم الاصطدام بالسلطة السياسة، رغم غيظه المكبوت منها.

يصح نقد رياض سلامة هنا، أي تكتمه على اقترافات السياسيين، وتطوعه لمداراة عواقب طيشهم، وسكوته على قرارات حكومية يعرف أثمانها الباهظة هدراً وفساداً وسوء تدبير. و"مثلبة" سلامة ليست شخصية بقدر ما هي من شروط وظيفته. نتحدث هنا عن قلة صراحته أمام الرأي العام. اعتماده على الضبابية في مخاطبة الجمهور، وتشبثه بالعموميات في أحاديثه الصحافية، ظناً منه أنه يمارس غموضاً بنّاءً. ونحن، الذين عاشرناه عمراً، مع لحظات الفائض والبحبوحة إلى لحظات الامتحانات العسيرة (حرب 2006، محنة 2008، تعطيل الدولة..)، نشعر معه أن جعبة "المعجزات" أضحت خاوية.

وعلى نحو ما وقع إدمون نعيم في أواخر الثمانينات بين حكومتي سليم الحص وميشال عون، متمترساً (بالمعنى الحرفي للكلمة) داخل مكتبه في المصرف المركزي، كآخر هيكل من هياكل ذاك الـ"لبنان" المأسوف على أفوله الدامي والكئيب.. يقع رياض سلامة اليوم بين دولة حزب الله والدولة الأميركية، متقوقعاً في أروقة المصرف، كآخر وعود جمهورية "الطائف" المغدورة.

رياض سلامة "الخائف" كما لم يكن من قبل، دليلنا إلى مستقبل مضطرب. فما بين صورته المفعمة بالنضارة ووضوح الوجه قبل سنوات، وملامحه الآن المكتسبة للغضون والشحوب، بل والتعب في الصوت والجسد، وانتقاله من لغة الثقة إلى تعبيرات التردد والحذر، يمكننا تخمين ما استقرت عليه "ماليتنا" وما ستكون عليه خزينتنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها