آخر تحديث:01:53(بيروت)
الأحد 31/03/2019
share

حزب الله ومكافحة الفساد: استراتيجية إيرانية لحماية "نموذجها"

منير الربيع | الأحد 31/03/2019
شارك المقال :
حزب الله ومكافحة الفساد: استراتيجية إيرانية لحماية "نموذجها" مواجهة الأزمة الاقتصادية والفساد هي "معركة وجودية" لحزب الله (Getty)

لم يكن قرار حزب الله منح ملف مكافحة الفساد هذه الأولوية والأهمية، صدفة. ولا كان مجرّد عنوان سياسي، لمرحلة جديدة في الداخل اللبناني. لا شك أن القرار وتبعاته، يمثّلان تحولاً جوهرياً في نمط عمل الحزب السياسي. إبداء هذا الاهتمام الأستثنائي في الملفات المحلية، يمثّل في أحد جوانبه "معركة وجودية" للحزب، وعملية ضرورية للحفاظ على المكتسبات السياسية والميدانية. ولم يكن الموقف الذي أطلقه أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، قبل فترة، واعتباره أن الانتصار العسكري لا بد له أن يتعزز بانتصار على الفساد ومكافحة الهدر، عبارة سياسية عادية. بعض الوقائع تثبّت حقيقة ما قاله نصرالله وقصده.

انقلاب الآية
في أعقاب الانقسام السياسي العمودي في لبنان، قبل سنوات، كان الخطاب الذي يتبناه مناهضو حزب الله يتركز على مبدأ سعي الحزب لتجويف منطق الدولة، وضرب دور مؤسساتها، لحماية "دويلته" ونفوذه ومصادر قوته ومبررات بقائه. وكان الرأي الدولي يتناغم مع هذا الاتهام والقناعة، باعتبار أن مصلحة حزب الله تتجسد في أضعاف الدولة ومؤسساتها وصولاً إلى إنهيارها، سياسياً، اقتصادياً واجتماعياً ومالياً. ولذلك، طوال تلك السنوات، كانت توجه الاتهامات إلى الحزب، بسعيه إلى ضرب السياحة أو تخريب الحياة السياسة أو تعطيل النظام الديموقراطي، أو إفشاله المتعمد لأي مساعٍ لإنقاذ الاقتصاد، لأن الترهل والضعف والتأزم يخدمه.

وإذا كانت هذه الاتهامات تجد مبرراتها ومعقوليتها سابقاً.. فالآن، وعلى ما يبدو، "انقلبت الآية"، ابتداء من لحظة التسليم بمنطق انتصار إيران في لبنان، والعراق. فهذا "الانتصار"، يفترض تغييراً في آلية العمل والأداء.

إيران سابقاً، لم تكن تريد تعزيز مفهوم الدول، وتريد تغليب مفهوم الدولة داخل الدولة. اليوم تغيرت المعادلة، وأصبحت تلك "الدولة داخل الدولة" هي صاحبة القرار والسلطة: هي الدولة كلها. وهذا ما فرض تعاطياً دولياً مغايراً مع لبنان مثلاً. ولذلك، وفق هذا المعطى الجديد، لم تعد تلك الدول تهتم بفتح جبهة لمواجهة الحزب، الذي بات من الصعب فصله عن لبنان. ولذا، يتم التعاطي مع لبنان وكأنه حزب الله. هذه النظرية تتثبت في النتائج السياسية والانتخابية، وفي آلية التعاطي الدولي مع لبنان، وكأن هناك من يريد تحميل أعباء لبنان ككل للحزب، وأعباء أفعال الحزب وأعماله على لبنان كله. ويراهن هؤلاء من وراء ذلك، أن تنعكس تبعات هذه السيطرة سلباً على الحزب وايران من خلفه، على قاعدة انعدام قدرتهما على مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية وعلى إدارة البلد وتدبير شؤونه بنجاعة.

منع الفشل والهزيمة
قبل أشهر أعلن مسؤولون إيرانيون سيطرتهم على أربع عواصم عربية، والسؤال الذي يُطرح حالياً هو: هل يمكن لمناطق النفوذ الإيراني هذه أن تعيش من دون أي اتفاق مع أميركا؟ حتى الآن كل المؤشرات تفيد بأن ذلك لا يستقيم. نظراً للأزمات المالية والاقتصادية التي تعصف بهذه الدول.

لكن، صورة الحال اليوم تفيد بالإنتقال إلى وضعية ثالثة، بعد انتهاء السجال (عملياً) ما بين الدولة والدويلة، وقد سُلّم قرار الدولة لحزب الله حليف ايران الوثيق، بالاستناد إلى ميزان القوى. وهذه المرحلة هي التي تقتضي التغيير في الأداء والمهام والأولويات، خصوصاً وقد بات الاهتمام الإيراني هو "حماية الدولة" من الفشل، كي لا تتعرض مراكز قواها لأي ضربة أو اهتزاز أو هزيمة، تُحسب عليها وعلى معسكرها ومحورها. هكذا، في لبنان خصوصاً، لم يعد لإيران أي مصلحة في انهيار الدولة.

وفي ظل العقوبات المفروضة على إيران وحلفائها، يتركز النقاش الأساسي حول تداعيات هذه العقوبات على البيئة الحاضنة، وكيفية تفاعلها مع هذا الوضع، الذي يمثّل انعكاساً للوضع اللبناني العام، وتعيشه مختلف مكونات المجتمع اللبناني. وما يخفف عن حزب الله الالتزامات تجاه الآخرين، هو تعرضه للحصار ولهذه العقوبات. وهذا يريحه أمام الرأي العام المؤيد له. 

من المبكر الحديث عن تأثير العقوبات على حزب الله على نحو استراتيجي. صحيح، أن هناك أزمات تعصف ببيئة الحزب. وهناك كلام كثير عن عصر للنفقات. لكن لهذه العقوبات وجه آخر يفيد الحزب، الذي يكون في الأزمات السياسية والمالية العامة أكثر قدرة على مواجهتها وتلافيها، ويتمتع بمزايا تحصنه أكثر من الآخرين. إذ يستند إلى كيانية خاصة، منفصلة عن الوضع العام، تتميز بالانضباط العقائدي. 

"الحرص" الإيراني!
لا يمكن فصل الوضع اللبناني عن الوضع العراقي، المقبل على انهيارات اقتصادية ومالية، اذا ما بقيت الأوضاع على حالها. للبلدين معاناة متشابهة. وهما يتأثران بشكل كبير بمفاعيل "الإدارة" الايرانية. فبغداد وبيروت عاصمتان من العواصم العربية الأربع التي تدعي إيران السيطرة عليها. وبالتالي، فإن تعرض هذه الدول لانهيارات اقتصادية، سيشكل نموذجاً لفشل المشروع الإيراني في السيطرة على هذه الدول. بمعنى أن الأمر لن يتعلق حصراً بالحديث عن ضعف "الحشد الشعبي" و"حزب الله" مالياً وتنظيمياً، بل سيدل على فشل النموذج الإيراني في "بناء" الدول التي تسيطر عليها ايران.

مرتكزات النفوذ الإيراني، كلبنان والعراق، لا بد لطهران أن تحميها، أو على الأقل عدم السماح بانعكاس أي أزمة في هذه البلاد عليها. وأي انهيار قد يصيب قواعد النفوذ هذه، سينعكس سلباً على إيران بالذات وعلى مناطق نفوذها الأخرى وعلى مجمل سياساتها الإقليمية.

"المقاومة" الاقتصادية
تبرز العوامل الاجتماعية الضاغطة أكثر فأكثر داخل البيئات الحاضنة للقوى الموالية لطهران. ولذا، تبحث إيران عن سبل تأمين قواعد نفوذها، على غرار ما انتهجته في لبنان، طوال الفترة السابقة، أي تأمين الهدوء والاستقرار وترتيب التسويات المتتالية، والعمل السياسي المرن (المصحوب بشروط القوة)، الذي يؤدي إلى السيطرة الكاملة على منابع القرار والسلطة، من دون أي انشغال استراتيجي استنزافي ومنهك. بهذا المعنى، فإن تحول لبنان إلى ساحة صراع أو وقوعه في أزمة مالية واقتصادية، سيؤدي إلى غرق إيراني وفشل يخرب عليها كامل مشروعها في المنطقة، ويضعف القوى والجماعات المحلية التي تمثل مرتكزاً لوجودها ونفوذها وقواعد انطلاقها.

الدولة اللبنانية، وعلى الرغم من استسلامها لهذا النفوذ، قد تصل مستقبلاً إلى مرحلة غير قادرة على توفير مستلزمات الصمود، ما يهدد كل الجهد الإيراني المبذول لحماية الاستقرار. وبفعل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، قد تنشأ اضطرابات تؤدي إلى اختلال ميزان القوى، وانكسار التوازن الذي يميل لصالح المصالح الايرانية.

بقاء الأمور على حالها سيدفع الأوضاع إلى المجهول. وبدلاً من الصراع السياسي والعسكري، سيكون الصراع مالياً واقتصادياً واجتماعياً. وهذا سيكون التحدي الأساسي أمام الحزب في لبنان في المرحلة المقبلة، والتي افتتحها الحزب بمبدأ مكافحة الفساد، ومعالجة الهدر ومواجهة التحديات المالية والاقتصادية، بدلاً من مشاريع المقاومة والمواجهة العسكرية. وهذا يحتّم الوقوف أمام أسئلة معيشية حقيقية، لم يعد بالإمكان لا الاستثمار فيها تعبئة وتحريضاً ولا التغاضي عنها. 

هذا الهدف الاستراتيجي المتلازم لإيران ما بين العراق ولبنان، هو الذي يفرض على الحزب الدخول بقوة في حملة مكافحة الفساد، أو حماية الدولة من الانهيار المالي، لحماية نموذج السيطرة الإيراني، وعدم السماح بتفريغه من مضمونه. ولتكون إيران، خير من يستثمر في الانتصارات السياسية والعسكرية، وتكون قادرة على الحفاظ عليها اقتصاداً وإدارة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها