آخر تحديث:00:42(بيروت)
الجمعة 15/03/2019
share

"المدن" في وزارة ريّا الحسن: "أنسنة" الأمن

جنى الدهيبي | الجمعة 15/03/2019
شارك المقال :
  • 0

"المدن" في وزارة ريّا الحسن: "أنسنة" الأمن علمت "المدن" أنّ الوزيرة الحسن، بدأت العمل على مشروع "مكننة الأحوال الشخصيّة" (الأرشيف)

أكثر من شهرٍ مضى على تشكيل الرئيس سعد الحريري حكومته. الحدث الأبرز في الحكومة الجديدة، كان تولّي ريا الحسن حقيبة وزارة الداخلية. وُصفت الحسن بـ "مفاجأة" الحكومة، وهي كذلك. مفاجأة "دسمة". ليس لكونها أول امرأة وزيرة للداخلية في لبنان والعالم العربي وحسب، وإنّما أيضًا لأنّ الجميع كان يترقّب خلف "عهد نهاد المشنوق"، مع كلّ ما يعنيه هذا العهد، في الوزارة السيادية االقابضة على أمن البلاد.

معياري الكفاءة والجندرية
نالت ريا الحسن فائضًا من "النجوميّة" التي لم تسع لها، من اللحظة الأولى لإعلانها وزيرة للداخلية والبلديات. احتفى المواطنون بها. استطاعت أن تكون مصدر فخرٍ نسائي. وربما على سبيل النكتة، مصدر "قلقٍ" للرجال، الذين لم يتعوّدوا أن تكون وزيرة داخليتهم إمرأة. لكنّ الحسن المعتزّة والفخورة بمهمتها الجديدة، بدا واضحًا في ملامحها الرصينة والجادة والذكيّة، أنّها تُقدّم معيار كفاءتها على معيار جندريّتها. ينقل أحد المقربين من ريا الحسن، أنّها لا تحبّذ المبالغة بتسليط الضوء على كونها وزيرة إمرأة. تعتبر ذلك انتقاصًا، عندما يجري النقاش به كحدثٍ خارج المألوف. يُسعدها أن تكون أول "معالي وزيرة داخلية". لكنها تعتبر الأمر تفصيلًا، في ظلّ التساوي بالتحديات التي تواجهها مع الرجل، وأنّ المعيار الوحيد لتقييم أدائها، هو معيار الكفاءة. وبعد هذه المدّة القصيرة من "عهد الوزيرة ريا الحسن"، كان لـ "المدن" جولةً في وزارة الداخلية، للاطلاع على أجوائها، والملفات المُحضّرة في كواليسها للمرحلة المقبلة.

التواضع والتناغم
تراكم الأعمال، والحركة الكثيفة داخل أروقة الداخليّة، لا تلغيان جوًّا من الاستقرار والارتياح. السبب يردّه البعض، في داخلها، إلى التناغم الكبير بين فريق عمل "معاليها". صورتها مع العسكريات  في يوم المرأة العالمي، كانت معبّرة، مليئة بالطاقة الإيجابية والواعدة، التي عكستها ابتسامتهن سويًا، وهنّ يتشابكن الأيادي معها. وفي جولةٍ على العاملين في الوزارة، من عسكريين وموظفين، ثمّة نوعٌ من تشارك الانطباع تجاه الحسن. ففي دخولها اليومي إلى الوزارة، "تمرّ وترمي السلام مُتبسّمةً للجميع بودٍّ كبير"، يقول أحدهم: "نُحبُّ تواضعها وأن سلطة الداخليّة لم تغيّر سلوكها تجاه أحد".

وزارة المواطن
أثناء التسلم والتسليم بين المشنوق والحسن، أشارت الأخيرة إلى أنّها تنوي ترك بصمةٍ في الوزارة، وأنّ الداخليّة في عهدها ستكون لـ"خدمة المواطن وتنفيذ القوانين". حملت ريا الحسن هذا الشعار. وبالتوازي مع تنفيذ القانون، ستعمل على خدمة الناس وتسهيل معيشتهم. في أوّل عهدها، أخذت الحسن عدّة خطوات "جريئة"، من بينها إزالة العوازل الإسمنتيّة، وبعض الأكشاك المخالفة التي لا تحمل رُخصًا. لكنّ هذه الخطوات، قد تخطر على بال أيّ وزيرٍ جديدٍ في بداية عهده. والتحدّي الحقيقي الذي تواجهه الحسن في مضمون عملها، في ظلّ الآمال الكبيرة المُعلّقة عليها، كما ينقل مقربين منها، عن جهودٍ مضاعفة تسعى لبذلها تفاديًا للإخفاق والخطأ.. يبقى بالسؤال عن "البصمات" النوعيّة والإدارية التي تنوي التأسيس لها، والعمل عليها في عهدها المُثقل بالتّحديّات.

المكننة والسجون
وفي الإطلاع على جزءٍ من جدول أعمال الوزارة وملفاتها، علمت "المدن" أنّ الوزيرة الحسن، بدأت العمل على مشروعٍ ضخمٍ بالنسبة لها، وهو مشروع "مكننة الأحوال الشخصيّة"، الذي تعوّل عليه ليكون إنجازًا كبيرًا، يُسهل حياة المواطنين بإنجاز معاملاتهم إلكترونيًا خلال دقائق، بدل تكبّد مشقات التنقل والانتظار، ويغلق باب الفساد كليًّا في هذا "القطاع". يحتاج المشروع إلى مراحل متعددة وكبيرة، قبل الوصول إلى خواتيمه. المرحلة الأولى منه انتهت، والوزارة في صدد تأمين التمويل للمرحلة الثانية منه.

قضية السجون اللبنانية، من بين الملفات الأولوية التي تدرسها الوزيرة ريا الحسن، وتتعاطى معها بجديّة. هذا الموضوع ينقسم في الداخليّة إلى شقيّن: الأوضاع الداخليّة للسجون، وملف المحاكمات للموقوفين الذين لم يصدر حكم بحقّهم. حتّى ملف "العفو العام"، فقد جرى إدراجه في البيان الوزاري، وبالتالي أصبحت الحكومة ملزمة بإصداره. وحسب المعلومات، ثمّة ثلاثة مسارات تعمل الوزيرة عليها في هذا الشأن. أولًا، تنوي الحسن قريبًا زيارة السجون للإطلاع على أوضاعها، بموازاة عملها على تأمين تمويل من أجل بناء سجون جديدة، بمعايير تراعي حقوق الإنسان. لأنّ مشكلة السجون الحقيقية، هي بالاكتظاظ الكبير في داخلها. ثانيًا، تسعى لإيجاد آليةٍ لدفع الكفالات للمساجين، الذين انتهت محاكماتهم ويعجزون عن دفع كفالاتهم، بغية الإفراج عنهم والتخفيف من حدّة الإكتظاظ. ثالثًا، وضع خريطة عمل لتحسين أوضاع سجون الأحداث، والاهتمام بكل التفاصيل التي تساهم في تأهيلهم للخروج، بعد انتهاء محاكماتهم، وضمن الإطار العام لتعزيز شروط حقوق الإنسان في السجون اللبنانية.

المواطن ورجل الأمن والزواج المدني
أحد الأهداف الأساسية التي تضعها الوزيرة الحسن في عهدها، يتمثل في سعيها إلى "أنسنة" العلاقة المواطنين والأجهزة الأمنيّة. فأي شكوى تصل إلى الوزارة، تتعاطى معها الحسن بحزم كامل، وهناك توصية خاصة منها بتعاطٍ "جيّد" للأجهزة مع الناس. في السابق، شهدت الحركات المدنيّة في لبنان التي بدأت من العام 2015، على قيام الأجهزة الأمنيّة بأعمال عنف، ردًّا على ما كنت تصفه بـ"أعمال الشغب". لكنّ، وفق المعلومات نفسها، فإنّ أعمال القمع والضرب هي من الخطوط الحمراء، التي لن تسمح الوزيرة للأجهزة بتجاوزها واللجوء إليها تجاه المواطنين، تحت أيّ حجةٍ أو ذريعة، احترامًا لمبدأ الحريات وحقوق الإنسان معًا.

من جهة، تنشغل الوزراة حاليًا بالتحضير للانتخابات الفرعية في طرابلس، مع غياب العراقيل لسهولة العمل وفق القانون الأكثري. من جهةٍ اخرى، وبعد الضجّة التي أحدثها طرح الوزيرة للحوار حول الزواج المدني ردًّا على سؤالٍ صحافي، لا يبدو أنّها ستبادر مرحليًا لإعادة هذا الطرح، بعد ردود الفعل التي لقيتها. لكنّ المعلومات، تشير أنّ الوزيرة أبلغت المرجعيات الدينية إصرارها على الحوار حول الموضوع، انطلاقًا من مبدأ ديموقراطية المجتمع اللبناني والحقّ في الحوار، إلّا أنّ الموضوع ليس عندها وإنما عند مجلس النواب، الموكل مهمة إقرار القوانين وسنّها.

أسرار زيارة تونس
أخيرًا، أطلت الوزيرة في محفل اجتماع وزراء الداخلية العرب، الذي عُقد هذا العام في تونس، في زيارة استغرقت ثلاثة أيام، كانت فيها أول وزيرة داخلية امرأة من لبنان، تقف في الصفّ الأمامي أثناء التقاط الصورة التذكارية، كسرًا للبروتوكول الذي يعتمد عادة الأحرف الأبجدية للدول في وقوفهم، تقديرًا لها. أحد المرافقين للوزيرة في رحلتها إلى تونس، يروي لـ"المدن" تفاصيل هذه الزيارة، التي يصفها بالمحطة المفصليّة بالنسبة للحسن. فبعد 10 سنوات من حضورها اجتماع مجلس وزراء المالية العرب، في العام 2009، وكانت حينها أول امرأة تتولى حقيبة المالية، تشارك في تونس وهي تحمل صفة أول وزيرة داخلية امرأة، وتخترق "ساحة أمنيّة" كانت حكرًا على الرجال فحسب في العالم العربي.

رهبة الداخلية تختلف عن الماليّة. وما بين هاتين الإطلالتين، تحوّلات طرأت على مدار سنواتٍ طويلة، إلى أن سنحت الفرصة للحسن المشاركة لأول مرّة، وكأول امرأة، باجتماعٍ أمنيّ بامتياز، لدراسة كلّ الملفات القانونية، والتعاون الأمني بين الدول العربية، في لقاءٍ جدّي وتقني، له دلالته.

أثناء كلمة الوزيرة، كان "هناك انصات ملفت وكبير لها، ونوع من الإعجاب والإطراء على أدائها وجديّتها وعمق مضمونها. بادر الجميع إلى طلب الحصول على نسخةٍ من كلمتها". وخلال إلقائها، كان واضحًا أنّها "ضليعة بملفها ومالكة لتفاصيله، رغم أنّها وزيرة جديدة". حين طرحت أفكارها، لقيتْ اهتمامًا كبيرًا بتفصيل كلّ فكرة، لا سيما أنّها طرحت أفكارًا تقدميّة، قياسًا مع الثقافة الأمنية في البلاد والأنظمة العربية. حمل ملفها عنوان "تحسين حياة المواطن اللبناني". تحدثت عن المكننة، وعن ضرورة تحسين أوضاع السجون، والتعاطي مع السجناء وآلية دمجهم في المجتمع، وعن حقوق الإنسان، والعمل على رفع سقف الحريات، من ضمنها حرية التعبير. "نوّه الوزراء بكلمتها، وبدوا كأنهم يحاولون مجاراتها". أهمية هكذا اجتماع، يكون باللقاءات الثنائيّة البعيدة من الإعلام. واللافت كان "أنّ أغلب وزراء داخلية العرب هم من بادروا إلى طلب لقاءٍ ثنائي مع الوزيرة الحسن، التي لقيت أيضًا اهتمامًا كبيرًا من الإعلام التونسي والعربي للنقاش والحديث عن تجربتها"، كما لو أنّها "حدث الاجتماع"، على مستوى دول العالم العربي. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها