آخر تحديث:00:36(بيروت)
السبت 02/02/2019
share

الحكومة تكتسب جدارة الأنوثة : لسن مجرد ديكور

جنى الدهيبي | السبت 02/02/2019
شارك المقال :
  • 0

الحكومة تكتسب جدارة الأنوثة : لسن مجرد ديكور الوزيرات الأربع ينتمين لكلّ من كتلة "المستقبل" و"لبنان القوي" و"القوات اللبنانية" (الوكالة الوطنية)

بعد تسعة أشهرٍ من التعطيل والشلل والفوضى والمفاوضات، استطاع حدث تعيين أربع وزيرات أن يشغل اللبنانيين، ويسرق الأضواء من إعلان ولادة الحكومة الجديدة. هذه السابقة في تاريخ لبنان، أُرفقت بسابقةٍ أخرى، شكلّت فيها ريّا الحسن مفاجأة  الحكومة، بإعلانها أوّل وزيرة للداخلية في العالم العربي. وإذا كان تعيين وزيرة الداخلية والبلديات ريّا الحسن (52 عامًا)، كسر تقليدًا في معظم البلاد العربية، التي تُسلّم فيها السلطات النساء حقائب وزارية ذات ثقلٍ أقلّ، أو وزاراتٍ "خفيفة" غير سياديّة من الدرجة الثانيّة، ثمّة كسرٌ لتقاليد لبنانيّة أخرى في خوض المرأة غمار العمل السياسي.

يُسجّل في هذه الحكومة المؤلفة من 30 مقعدًا وزاريًا، أنّه من بين الوزيرات الأربع، هناك اثنتان في الثلاثينات من العمر، هما وزيرة الطاقة والمياه ندى البستاني (36 عامًا) ووزيرة "التأهيل" الاجتماعي والاقتصادي للشباب والمرأة فيوليت خيرالله الصفدي (38 عامًا)؛ وهناك اثنتان قادمتان من مجال الصحافة والأعلام، هما وزيرة شؤون التنمية الإدارية مي شدّياق (56 عامًا) إلى جانب الوزيرة الصفدي.

إلّا أنّ هذه الخطوة، التي لاقت ترحيبًا من شريحةٍ شعبيّة واسعة، ومن منظمات وحملات داعمة لتعزيز حضور المرأة في الحياة السياسية، لم تخلُ من تسجيل انتقاداتٍ قابلةٍ للبحث، لولا أنّ بعضها طال الوزيرات النساء حصرًا، من دون النظر للطريقة "الانتهازية" التي أنتجت فيها القوى السياسيّة وزراءها الرجال في هذه الحكومة. فالوزيرات الأربع، اللواتي ينتمين لكلّ من كتلة "المستقبل" و"لبنان القوي" و"القوات اللبنانية"، تباينت مسالك وصولهن لسدّة الحكم في السلطة التنفيذيّة.

انتقاد الوزيرات؟!
مفاجأة رئيس الحكومة سعد الحريري بتسليم الوزيرة ريّا الحسن حقيبة الداخلية، وهي المتحدّرة من مدينة طرابلس وأمٌّ لثلاث فتيات، وتحمل درجة ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة، جاء للمرّة الثانيّة، بعدما تولت حقيبة المالية في أول حكومة شكّلها الحريري بين عامي 2009 و2011. وبعيدًا عن الأهداف السياسية التي رمى الحريري إليها في رسم مرحلة "ما بعد عهد وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق"، طُرحت التساؤلات عن سبب خيار الحريري لامرأةٍ آتيةٍ من عالم المال والمصارف، حين سبق للحسن أن عملت في القطاع المصرفي وكمستشارة في وزارات عدة، بينها المالية والاقتصاد، قبل أن يجري تعيينها في العام 2015، رئيسة لمجلس إدارة والمديرة العامة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في مدينة طرابلس.

كذلك الوزيرة ندى البستاني، وهي أم لطفلة، من منطقة كسروان شمال بيروت، تابعت دراساتها العليا في الاقتصاد في المدرسة العليا للتجارة في باريس، حمل توزيرها يأس البعض، لا سيما أنّها من ناشطي التيار الوطني الحرّ، وتولت منذ العام 2010 مهام مستشارة وزير الطاقة والمياه، وهو المنصب الذي تعاقب عليه وزيرا التيّار جبران باسيل وسيزار أبي خليل، ما يعني امتدادًا للذهنيّة نفسها التي أفشلت هذه الوزارة السيادية على مرّ عقدٍ من الزمن. أمّا الوزيرتان الإعلاميتان، شدياق والصفدي، فالأولى، أستاذة جامعية منذ العام 1997 وكانت صحافية معروفة بمواقفها السياسية المناهضة لوجود النظام السوري في لبنان سابقاً، ومن "ثوّار" 14 آذار الذين يحملون أجسادًا تعرضت للاغتيال وبقيت حيّة. والثانية، هي السيدة الارثوذكسية التي كانت مقدمة برامج، قبل أن تصبح عقيلة النائب طرابلس السابق محمد الصفدي، وبعد أن عملت مستشارة إعلامية في وزارتي الاقتصاد والمالية في الفترة الممتدة من العام 2010 حتى 2014. والوزيرة الصفدي التي تشغل منذ العام 2010 منصب المدير التنفيذي لـ"مجموعة الصفدي القابضة"، وتترأس عدداً من الجمعيات المحلية والخيرية في مدينة طرابلس في شمال لبنان، ثمّة من أقرن توزيرها بـ "جائزة الترضية" التي قدّمها للصفدي، بسبب عزوفه عن الترشح في انتخابات أيار 2018 مقابل تكريس ماكينته الانتخابية خدمة لتيّار المستقبل.

لكنّ هذه الملاحظات الاعتراضيّة حول خلفيّة توزير الوزيرات الأربع، لا يغدو كونه انتقائيًا من خلفيّة ذكوريّة مجتمعيّة صرف، تتصيّد أفعال النساء وحسب. وعلى منوال الملاحظات الاعتراضيّة نفسها، من الجدير أن لا يغفل "المعترضون"، وهذا حقّهم أن يعترضوا، على آلية وصول الوزراء "الرجال"، التي تسلك بها القوى السياسية المنطق نفسه في خياراتها لوزارائها، وكلّها خيارات لا تراعي الاختصاص الأكاديمي، وفيها ما يكفي من توارث الفشل، ومن "الوصوليّة" وجوائز الترضيّة على الطريقة اللبنانية، ما يحتاج فصولًا لعرضها وشرحها؛ البعيدة كلّ البعد عن معياريّ الكفاءة والمساواة في التمثيل.

أقلّ فسادًا
لم يلغِ هذا الواقع فسحة الأمل، التي أرخى ظلاله ارتفاع نسبة مشاركة النساء في عملية صنع القرار في الحكومة. والقضيّة هنا، ليست نسويّة، بقدر ما هي استكمال لنهج النضال ضدّ كلّ أشكال التمييز الذي تتعرض له المرأة، في بلدٍ يتقن فنون الحداثة "الوهميّة" في الشكل، ويسقطها في المضمون، بتعاطيه معها مواطنةً من درجةٍ ثانيّة. وإذا كانت مشاركة المرأة اللبنانية، في صناعة السياسة، في السلطتين التنفيذية والتشريعية، تتجاوز مبدأ المساواة في الحقوق والتمثيل، إلى نظريّةٍ مفادها أنّ السياسة تعجز عن النموّ والتوازن والازدهار من دون أنوثة، أسوةً بالأسرة، وهي الوحدة الأصغر في الدولة، فهي ليست مجرد "ديكور" يمنع الاختلال التمثيلي. ذلك أنّ النساء القياديات في مجلسي الوزراء والنواب، وبخضوعهن للمعايير نفسها التي تنطبق على القياديين الرجال في المجليسين ذاتهما، أيّ معايير المحاسبة والمساءلة والمراقبة، قد يدفع الوزيرات الجدد، كحال بعض النائبات، إلى خوض تحدّي إثبات الجدارة، في بيئةٍ تفرض على النساء بذل جهودٍ مضاعفة. وهو ما يتطلب فعليًّا، أن يظهرن تحسّسًا أكبر في أدائهن، وأقلَّ فسادًا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها