آخر تحديث:00:13(بيروت)
الأحد 10/02/2019
share

"وطنية" الاعتراض على سياسة النظام "اللاوطنية"

أحمد جابر | الأحد 10/02/2019
شارك المقال :
  • 0

"وطنية" الاعتراض على سياسة النظام "اللاوطنية" بين لاوطنية الحاكم ووطنية المحكوم، تقع السياسة وضروراتها (أرشيف "المدن")

عندما تتابع التشكيلة السياسية الحاكمة والمتحكمة نهجها اللاوطني في كل الميادين، يصير لزاماً على كل التشكيلة المعارضة والمعترضة إعادة صياغة نهجها الوطني، في كل الميادين. أي في مواجهة لا وطنية من يمسك قرار التصرف بالسلطة، ومن تجاوز ذلك إلى السعي الحثيث للإمساك بقرار التصرف "بالوطن"، أرضاً وشعباً ومؤسسات.

"توافقية" الاستباحة
لا وطنية "المذهبيات"، التي تدير الحياة اللبنانية في كافة جوانبها إدارة عبثية، تستقي صفتها من العبثية الموصوفة لممارساتها. وهذه تنطوي على التفريط بالمصالح الموضوعية لكل المجموع اللبناني، وعلى هدر موارده كمقدرات يومية سائلة، وكادخار مستقبلي مخزون ومحفوظ، في باطن الأرض وفوقها، وفي خزائن الدولة وضمن القنوات التي تسيل في سياقها "العملة"، التي تستجيب للضرورات الوطنية، وتلبي تغطية كلفة حاجاتها.

وطنية القوى والمرجعيات والتشكيلات المعارضة والمعترضه، هي السلوكات التي تخالف كل تجليات اللاوطنية الحاكمة سعيدة بأمرها، وهي أيضاً كل البرامج التي تناقض برامجها، وهي الممارسة الفكرية والعملية التي تواجه كل منطلقات "المنظومة" التبريرية، التي تسوِّغ تغوّل أرباب النهب، وتديم بسط سلطانهم المتجاور تجاور قلق وتنازع وتشاطر، والمقيم على توافقية تبيح المال العام. فتشرّع تقاسمه وتوزّعه. وتغلِّف كل ذلك بإيديولوجيا هجينة لها أسماء "اللبنانية الحسنى"، التوافقية أو الصيغوية، أو "العرفية أو الرسالية"، التي تجعل لبنان رواية فريدة بين أقرانها من الروايات الاستقلالية، العربية وغير العربية.

بين لاوطنية الحاكم ووطنية المحكوم، تقع السياسة وضروراتها. ومن هذه الأخيرة، ستكون ضرورة الوضوح والمعرفة مهمة أولى، على جدول من يتقدم صفوف الإعتراض، أو ينخرط في مسيرة المعارضة الشعبية. المعرفة الواضحة للتشكيلة الحاكمة تشكل مهمة مفتاحية، لكل من يقترح تشكيلة رسمية أخرى، أو لكل من يقترح عملية تجميل لها، أو لكل من يطمح إلى كبح اندفاعة أدائها اللاوطني، للانتقال إلى تعطيل سير عجلاتها، هذا من دون الطموح حالياً إلى عملية التغيير الشاملة، التي تشكل الآن حاجة تاريخية للتطور اللبناني، لكنها حاجة تفتقر إلى كل شروط العملية الاجتماعية الانقلابية الشاملة.

تكوين المعارضة
ولأن من ضرورات السياسة أيضاً الوضوح الآني والمستقبلي، أو المباشر والبعيد، أو التكتيكي والاستراتيجي، حسب بعض الشائع الحزبي والعسكري والتخطيطي، يصير مطلوباً من تشكيلة الاعتراض والمعارضة تبيان عناصر التكامل بين بنود برامجها، التي تتخذ لها شعارات وطنية سياسية عامة، أو تلك التي تستقي مضمونها من مادة قطاعية مهنية، أو من عناوين شعبية متفرقة. جلاء التكامل البرنامجي من قبل "المعارضة" التي استوت ككيان قائم بذاته، أو من قبل تلك التي تسعى إلى اكتساب كينونة وتكوُّن وجودها الملموس، يرتبط ارتباطاً مباشراً بشرح التزامن والتزمين بين منوعات ومواسم التحركات الاعتراضية. هذا الشرح الزمني يجعل التحركات عملية اجتماعية مستدامة، ويجعلها نسقاً "منطقياً" مفهوماً، بحيث يسقط الاستنساب الموسمي، ويُستبعد الفعل الذي يستثيره النظام القائم، ويظل حاضراً في الفعل الذي يحفر في الأرض الاجتماعية، حتى اهتزاز قواعد التشكيلة الحاكمة، ومن ثم انهيار بنائها "الفوقي"، انهياراً اجتماعياً وسياسياً، أي انهياراً "تبديلياً" وليس بدائلياً، أي ذهاباً لنظام ميت في التاريخ ومستمر في السياسة.. وتمكيناً لموجود جديد له كل مقومات البديل التاريخي في السياسة وفي الاجتماع، وعلى كل صعيد المصالح الوطنية الحقيقية.

تحالف النهب
على صعيد مباشر ملموس، لقد قُدِّر للبنانيين أن يشهدوا بعد لأي، قيام حكومة رسمية قيل إنها ميثاقية وتمثيلية، وذلك بعد أداء "ساخر" استغرق شهوراً حساسة من عمر اللبنانيين، ومن واقع قضاياهم المتعثرة، ومن حقيقة أوضاعهم المأزومة.

إن هذه الحكومة التي أمعنت قوى تأليفها بالتلاعب بحاضر ومستقبل اللبنانيين، أعلنت أنها في طريقها إلى تنفيذ سياسات عامة قد تكون حصيلتها إغراق الوضع اللبناني في لجِّة أزماته وليس إنقاذه من تيه غرقه، تمتد سيرة الإغراق لتطال الفصول السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى الفصول التي تقرأ منها، أقسام التفريط بالسيادة وبالقوانين وبالصيغة الميثاقية، كذلك أقسام الانتقاص من فحوى الصيغة والميثاقية، وتعطيل الدستور ونصوصه وإعاقة إنفاذ مقتضياته، وبعد كل ذلك تأتي أقسام الاستخفاف والخفة وعدم الدراية والجهل، بالموضوعات الإقتصادية، وبعلاقات لبنان الخارجية، الدولية والعربية والإقليمية.

ولأن الأمر ليس أمر وصف ما لن تستطيعه هذه الحكومة "التوليفية" أو سواها من "أنساق" التوليف المذهبية، فإن الانتباه يذهب إلى ما هو شرط ضروري، لا بد منه لكل ممارسة معارضة أو اعتراضية تقف في مواجهة السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتحالف النهب الرسمي. يتمثل هذا الشرط البدئي في إعلان واقع الاعتراض الاستراتيجي السياسي البنيوي على "النظام الطائفي المذهبي"، بالتزامن مع الإعلانات المنددة بالسياسات الفرعية لهذا النظام. مجدداً، وضوح الرؤية الكلية للمعارضين والمعترضين، في سياق مهماتهم المباشرة، اليومية وغير اليومية، يقع في متن السياسة الهادفة وليس على هامشها، هذا، وتكراراً، لأن ممارسات النظام تتم وفق رؤية كلِّية لمجموع السياق الذي يحفظ ديمومة تحكم "النظاميين" الذين يتولون الشؤون العامة، بعد فرطها فرطاً أحادياً إلى مجموعة من المصالح الفئوية الخاصة.

الـ"لا" الضرورية
وإذا كان لا بد من إعلان ملموس، بعد الوقوف على ما هو ملموس اليوم، وما يمكن أن يكون محسوساً غداً، يقتضي الجهر بما يأتي: لا للإفقار... نعم، لا للنهب المتوحش الطفيلي المذهبي... نعم، لا لتحميل اللبنانيين كلفة إعادة إنتاج النظام الناهب، بالتراضي أو بالتنازع... نعم، لكن وبالإضافة إلى ذلك، يجب رفع صوت الجهر أيضاً بما يأتي: لا لمن يحرسون نظام التبعية والارتهان، بالإيديولوجيا وبالتجهيل وبالزبائنية. لا للالتحاق بالمحاور الإقليمية ورفع رايات دولها. لا للتلاعب بأمن الوطن وتعريضه للاستهداف الخارجي لأسباب وحسابات مذهبية فئوية. لا لكل المسارات الأهلية التي تعيق وتعرقل فتلغي التأسيس للمسار "الدولتي" المتصل حتماً بهدف استعادة الدولة من خاطفيها.

خلاصة القول، يجب الجمع اعتراضياً، بين "لا" حاضرة و"لا" مستقبلية بعيدة... أما الفصل بين لا و لا، فمساهمة مقصودة في غضّ البصر والبصيرة عن أسس النظام الحاكم الإشكالية، والاكتفاء بالاشتغال على بعض تشوهاته الفرعية. الأساس هو بيت القصيد، المطلبية هي وسائل نَظْم كل قصيدة القوى الإعتراضية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها